المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب المادة (مبادئ علم الاقتصاد)(ECO104)


faten
01-19-2012, 02:18 PM
الدكتور حبيب محمود

أستاذ مساعد في قسم الاقتصاد

الفهرس
المقدمة
الفصل الأول المدخل إلى علم الاقتصاد
البحث الأول : موضوع علم الاقتصاد
<H1 dir=rtl style="MARGIN: 0cm 0cm 0pt; LINE-HEIGHT: 18pt; TEXT-ALIGN: right" align=left>البحث الثاني:المنهج في علم الاقتصاد

الفصل الثاني النظام الاقتصادي الرأسمالي ( أساسيات )

البحث الأول: السلعة والنقد

البحث الثاني : الــلعة
البحث الثالث: النقد
البحث الرابع : رأس المــال
البحث الخامس:أشكال رأس المال
البحث السادس: الأجر في النظام الرأسمالي
الفصل الثالث: رأسمالية المنافسة – الرأسمالية الاحتكارية
البحث الأول :رأسمالية المنافســـة
البحث الثاني: الرأسمالية الاحتكارية
الفصل الرابع: النظام الاقتصادي العالمي الجديد ومكوناته
البحث الأول : النظام الاقتصادي العالمي الجديد
البحث الثاني :المؤسسات الاقتصادية الدولية:
البحث الثالث: الشركات متعددة الجنسيات
الفصل الخامس: التكتلات الاقتصادية الدولية ومكانتها في النظام العالمي الجديد
البحث الأول : نشأة التكتلات الاقتصادية وأهميتها عالمياً
البحث الثاني : التكتل الاقتصادي الأوروبي
البحث الثالث :التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية ( النافتا)
البحث الرابع:التكتل الاقتصادي الآسيوي ( الآسيان- الآيبك)
البحث الخامس: صور التكتلات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا
البحث السادس: التكتل الاقتصادي العربي
المراجع

جامعة دمشق المقدمة:
منذ عدة عقود وخاصة من العقد السابع من القرن الماضي شهد العالم تطورات هائلة في العلوم والتكنولوجيا. وكان من البديهي أن يتلازم ذلك مع تطور كبير في العلوم الاقتصادية والإدارية. وقد بات من الضرورة بمكان أن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقديم هذا الكتاب. حتى تتاح لطلابنا الأعزاء فرصة الإطلاع على آخر ما أنتجه علم الاقتصاد من معارف جديدة.
وحتى يتحقق ذلك كان من البديهي أن تبدأ بإلقاء نظرة فاحصة على مبادئ علم الاقتصاد كما ظهرت في النظريات الأولى التي تكرست منذ بدايات الثورة الصناعية في أوربا. فمع هذه البدايات بدأ الفكر الاقتصادي يتبلور في شكل نظريات تتماشى مع ما أحدثته الثورة الصناعية.
وبغية تحقيق الهدف من هذا الكتاب فقد بدأ بتعريف علم الاقتصاد وموضوعه والمنهج المتبع فيه. مع إشارة خاصة إلى بديهيات علم الاقتصاد. وقد تعرضنا في الفصول الأولى من القسم الأول إلى مفاهيم السلعة والنقد ورأس المال وأشكاله والأجر مع الإشارة إلى طبيعة وخصائص الأجر. وانتهينا في هذا القسم إلى الإشارة إلى الرأسمالية المنافسة والرأسمالية الإحتكارية.
وفي القسم الثاني من الكتاب وجدنا حاجة ملحة لدراسة النظام الاقتصادي العالمي الجديد التي تبلورت جوانبه في عقد التسعينات من القرن العشرين وامتدت بوضوح أكثر في القرن الحادي والعشرين حيث عرضنا لأهم خصائصه المميزة فعلاً لعل من أهمها الانفراد بالقمة القطبية ووجود أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي والثورة العلمية في المعلومات والاتصالات التي عمقت عالمية الاقتصاد.
في هذا القسم تعرضنا إلى أبحاث اقتصادية أساسية في علم الاقتصاد ومعاصرة, وقدمنا إلى طلابنا الأعزاء أهم الأفكار حول المؤسسات الاقتصادية الدولية. ودورها في إدارة النظام الاقتصادي العالمي المعاصر. والدور المتعاظم فيه للشركات المتعددة الجنسيات.
ثم قدمنا أبحاثا مهمة حول الاتجاه الذي مثل إحدى أهم سمات النظام الاقتصادي العالمي حاليا والمتمثل بالتكتلات الاقتصادية الدولية العملاقة ومدى الآثار التي تحملها تلك التكتلات الاقتصادية العملاقة على الاقتصاد العالمي وتوجيهاته الجديدة بالإضافة إلى ما يسمى باقتصاديات المشاركة الدولية وما وضعته من تحد أمام الاقتصاد العربي يتمثل في ضرورة إقامة تكتل اقتصادي عربي كحاجة أساسية إلى نظام اقتصادي عربي.
نرجو أن يحقق هذا الكتاب الغاية منه وإن يقدم إلى طلابنا الأعزاء ما يصبون إليه من امتلاك المعارف في علم الاقتصاد.
والله ولي التوفيق
المؤلف
د.حبيب محمود


الفصل الأول
المدخل إلى علم الاقتصاد


البحث الأول : موضوع علم الاقتصاد
المصطلحات الأساسية
تمهيد :
بمقارنة علم الاقتصاد السياسي بالعلوم الأخرى تاريخياً يمكن اعتباره علماً حديثاً فمع بدايات تكون النظام الرأسمالي وفي القرن السابع عشر على وجه الخصوص بدأ علم الاقتصاد بالتبلور كعلم مستقل عن العلوم الاجتماعية الأخرى . وكان التفكير الإنساني بالظواهر الاقتصادية في المراحل التي سبقت ظهور علم الاقتصاد جزءاً من الحياة الفكرية العامة . ومن الصعب حتى الآن تحديد تاريخ نشوء الفكر الاقتصادي . فالبعض يرى أن بدايات التفكير بالظواهر الاقتصادية تعود إلى مرحلة ما من مراحل التاريخ اليوناني القديم ، بينما يرى البعض الآخر أن جذور الفكر الاقتصادي تعود إلى مرحلة ما من تاريخ مصر القديمة وإلى ظهور قوانين حمورابي كما يرجع البعض جذور الفكر الاقتصادي إلى الهند والصين القديمتين .
لقد ارتبط نشوء وتطور علم الاقتصاد بظهور الثورة البورجوازية الصناعية في أوربا . ونتيجة للتغيرات الجذرية التي أحدثتها هذه الثورة في عمليات الإنتاج ومجال السوق ، وما تبع ذلك من تطور جذري في العلاقات الاقتصادية كل ذلك قد استلزم ضرورة وجود علم اقتصادي يقوم بمهمة البحث في طبيعة العلاقات الاقتصادية والقوانين التي تحكم عملية التطور الاقتصادي . وهكذا بدأ الفكر الاقتصادي يتبلور في إطار من النظريات والمفاهيم والمصطلحات الاقتصادية .
وقد اختلف استخدام هذه المترادفات في القارة الأوروبية منذ نشوء هذا العلم ، على الرغم من أن جميع هذه المترادفات كانت تشير إلى المعنى نفسه وتدل كلها على أن المشكلات والعلاقات الاقتصادية في المجتمع تشل الموضوع الأساسي لهذا العلم ، فقد شاع في فرنسا ومنذ أوائل القرن السابع عشر استخدام مصطلح الاقتصاد تحت بأثير مونكرتيان الذي استخدم كما ذكرنا هذا المصطلح في مؤلفة شرح الاقتصاد.
كما شاع استخدام المصطلح نفسه في انجلترا تحت تأثير المصطلحات الفرنسية وكان جيمس ستيوارت أول من استخدم مصطلح الاقتصاد في كتابة الصادر في عام 1767 الذي حمل عنوان بحث في مبادئ الاقتصاد.بينما استخدم في بولندا مصطلح الاقتصاد تارة ومصطلح الاقتصاد الاجتماعي تارة أخرى . وفي القرن التاسع عشر انتشر في روسيا استخدام مصطلح الاقتصاد بتأثير التقليد الذي كان متبعاً في كل من فرنسا وإنجلترا . بينما يلاحظ خلافاً لكل ذلك أن المدرسة الاقتصادية في ألمانيا والتي كانت معروفة باسم المدرسة التاريخية قد لجأت إلى استعمال مصطلح الاقتصاد القومي بدلا من مصطلح الاقتصاد الاجتماعي .
ولكن مهما تباينت المصطلحات التي تطلق على هذا العلم ، فإن نشوءه قد فتح بدون شك أفاقاً جديدة أمام العلوم الاجتماعية ولقي اهتماماً واسعاً من قبل المفكرين والمهتمين بدراسة العلاقات الاقتصادية في المجتمعات الإنسانية والقوانين التي تحكم عملية التطور الاقتصادي . وعلى الرغم من التقدم الواسع الذي حققه علماء الاقتصاد منذ ظهوره وحتى وقتنا الحاضر ، فإن البحث العلمي والنظري في هذا العلم شأنه في ذلك شأن العلوم الأخرى. وما يزال الباب مفتوحاً أمام علماء الاقتصاد لإغنائه بالأبحاث الجديدة التي تتناول دراسة المسائل دراسة المسائل المستجدة في الحياة الاقتصادية.
2- موضوع علم الاقتصاد :
يعرف العلم عموماً بأنه مجموعة من المعارف المنسقة والمستخلصة من دراسة الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية . وتهدف المعرفة العلمية إلى إدراك القوانين الموضوعية التي تعبر عن محتوى وجوهر هذه الحقائق والظواهر المختلفة . وتتبلور المعرفة العلمية عادة في مجموعة من المصطلحات والفرضيات والنظريات . وقد جرت العادة على تصنيف العلوم إلى علوم طبيعية وعلوم اجتماعية إنسانية ، حيث تكون الطبيعية الموضوع الخاص وبالعوم الطبيعية ، في حين تتخذ العلوم الاجتماعية والإنسانية من الحياة الاجتماعية والفكرية موضوعاً خاصاً بها .
وإذا كانت الطبيعة هي الموضوع المشترك بين العلوم الطبيعية إلا أن لكل من هذه العلوم موضوعه الخاص والمستقل لأنه يشمل كل موضوع من هذه الموضوعات مجالاً محدداً من مجالات الطبيعة. إن علم الكيمياء على سبيل المثال يتخذ من جزئيات المادة ومن عملية التفاعل المتبادل بين هذه الجزئيات موضوعاً خاصاً به . بينما تشكل عملية التبادل والتطور الوراثي للكائنات الحية الموضوع الخاص بعلم البيولوجيا . إلا أن العلوم الطبيعية على الرغم من تباين مواضيعها فهي تشك نظاماً متكاملاً من المعارف العلمية ، بحيث يستحيل وضع حدود فاصلة بين فروعها المختلفة.
وفي المجتمعات الإنسانية نلاحظ أيضاً وجود أنواع متعددة ومتباينة من الظواهر والعلاقات التي تشكل بمجموعها ما يسمى عادة بنظام العلاقات الاجتماعية فإلى جانب العلاقات الاقتصادية تجد العلاقات السياسية والثقافية والعلاقات العائلية والقانونية إلى آخر ذلك من العلاقات التي تحدد سمات وملامح الحياة الاجتماعية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد .
إن العلوم الاجتماعية والفكرية هي الموضوع العام والمشترك بين الفروع المختلفة للعلوم الاجتماعية والإنسانية . إلا أن لكل علم من هذه العلوم موضوعه الخاص والمستقل . فالعوم السياسية مثلاً تتناول بالبحث العلاقات السياسية ، بينما تتخصص فروع الأدب والفن في دراسة العلاقات والحياة الثقافية ، ولكن على الرغم من تنوع هذه المواضيع إلا أن وحدة الحياة الاجتماعية وترابط العلاقات الاجتماعية يؤديان إلى العلوم الاجتماعية باعتبارها أيضاً نظاماً متكاملاً من المعارف العلمية بحيث يستحيل فصل علم السياسة عن علم الاقتصاد أو الفصل بين هذه العلوم وبين علوم التاريخ والفلسفة وغيرها من العلوم الاجتماعية والإنسانية .
ولكن ما يهمنا من ذلك كله أن نحدد الموضوع الخاص بعلم الاقتصاد ، وكما لاحظنا فإن مصطلح علم الاقتصاد ، يشير وبصورة مختصرة إلى موضوع هذا العلم . إلا أن ذلك لم يعد كافياً لتوضيح الجوانب المختلفة لموضوع علم الاقتصاد. إلا أنه من الممكن إيجاز هذه الآراء في اتجاهين أساسيين : تم التحميل من ملتقى الجامعة الافتراضية [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]********.com
الاتجاه الأول: وهو ينظر إلى علم الاقتصاد باعتباره العلم الذي يبحث في سلوك الإنسان الاقتصادي العام وبصرف النظر عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي تحيط بهذا السلوك . ويرى هذا الاتجاه بأن السلوك الاقتصادي يخضع لقوانين عامة واحدة في جميع المجتمعات وبالتالي فإن موضوع علم الاقتصاد حسب هذا الاتجاه يجب أن يقتصر على دراسة وبحث السلوك الاقتصادي مجرداً من إطاره الاجتماعي والتاريخي .
الاتجاه الثاني : يعتبر موضوع علم الاقتصاد شاملاً لدراسة الظواهر والعلاقات الاقتصادية باعتبارها ظواهر وعلاقات ذات طبيعة تاريخية واجتماعية وحسب هذا الرأي يصبح من غير الممكن دراسة السلوك الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية خارج إطارها التاريخي والاجتماعي لأنه على الرغم من وجود قوانين عامة للسلوك الاقتصادي في جميع المجتمعات إلا أن القوانين الخاصة في كل من هذه المجتمعات هي التي تحدد جوهر ومحتوى السلوك الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية. وبالتالي فإن العلاقات الاقتصادية تحمل على الدوام طابعاً تاريخياً وقد تبنى هذا الاتجاه الكثيرون من علماء الاقتصاد . لأن علم الاقتصاد إذ يدرس العلاقات التي تقوم بين بني البشر خلال إنتاج السلع المادية أي تسخير قوى الطبيعة للمجتمع . يحتفظ بطابع العلم التاريخي لأن هذه العلاقات تتطور عبر الزمن([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)) .
إن علم الاقتصاد يندرج إذن في نظام العلوم الاجتماعية ، كما أصبح واضحاً أن موضوع هذا العلم هو البحث في طبيعة وماهية كل نوع من أنواع العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين البشر في المراحل التاريخية المختلفة أثناء قيامهم بعملية إنتاج وتوزيع الثروة المادية : ومن ولأجل توضيح هذه المسألة فمن المفيد الإشارة إلى الحقائق والبديهيات التالية .
أولاً : إن للإنسان في كل مرحلة تاريخية حاجات ورغبات معينة لابد من تلبيتها وإشباعها . وهذه الحاجات منها ما هو ذو طبيعة بيولوجية كحاجة الإنسان إلى المأكل والملبس والمأوى ، ومنها ما هو ذو طبيعة معنوية كالحاجة إلى الاعتقاد والفن . وتنشأ الأولى من ضرورات بيولوجية بينما تكون الثانية وليدة مجموعة من الشروط الروحية والثقافية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد .
ثانياً : يتم إشباع الحاجات الإنسانية عن طريق استعمال مجموعة من الأشياء المادية كالطعام واللباس والكتب ودور السينما والطرق والمدارس وغيرها من الوسائل الأخرى .إن جزءاً ضئيلاً من الوسائل المادية الضرورية لإشباع الحاجات الإنسانية يتوفر في الطبيعة دون أن يبذل الإنسان جهداً في الحصول عليها كالهواء والماء . إلا أن القسم الأعظم منها لا يتوفر في الطبيعة بصورة جاهزة للاستعمال . وفي هذه الحالة لابد للإنسان أن يقوم بعمل ما يستهدف منه تحويل المادة المتوفرة في الطبيعة حتى تصبح أكثر ملاءمة لإشباع حاجاته . وهذه الوسائل التي تنتج عن العمل والإنتاج يطلق عليها عادة اسم النواتج أو المنتجات .
وعندما يهدف العمل الإنساني إلى إحداث تغييرات في مواصفات المادة المتوفرة في الطبيعة وتكييفها حتى تتلاءم مع حاجاته ، فأن هذا العمل يتخذ أشكالاً مختلفة ويجتاز عادة مراحل متعددة حتى تصبح المنتجات قابلة الاستعمال . فعلى سبيل المثال إن ناتجاً ما من المعدن قابل للاستعمال يتطلب استخراج المادة المتوفرة في الطبيعة ( كاستخراج فلزات الحديد ) . ثم تنتقل المادة من مرحلة الاستخراج إلى مرحلة الصهر لتنقيتها من الشوائب لتصبح ما نسميه عادة بالمادة الأولية . وبعدها تدخل هذه المادة في مراحل مختلفة من العمل بدءاً من تصنيعها ثم نقلها وتخزينها وحفظها وانتهاء بعملية استعمالها واستهلاكها في الوقت المناسب .
ثالثاً : إن الناتج المتحقق هو كما أشرنا حصيلة تضافر مجموعة من الجهود الفردية المشتركة في عملية الإنتاج ، وعندما يقوم البشر بعملية الإنتاج وتوزيع الناتج تنشأ فيما بينهم علاقات اجتماعية ذات طبيعة معنية ، وهي التي تتكون من خلال علاقتهم بالأشياء المادية التي اصطلح عليها عادة بالعلاقات الاقتصادية . وكما أوضحنا سابعاً فأن هذا النوع من العلاقات الاجتماعية هو الذي يشكل موضوع علم الاقتصاد.
3- المصطلحات الأساسية في علم الاقتصاد :
بعد أن تعرضنا لشرح مفهوم علم الاقتصاد وتاريخ نشوئه وتعرضنا بصورة موجزة إلى تحديد موضوع ذلك العلم ، سنقدم فيما يلي توضيحاً للمصطلحات الأساسية في علم الاقتصاد ، لأن التعمق في موضوع أي علم من العوم لا يصبح ممكناً إلا بعد دراسة أبحاثه وموضوعاته . ومن ناحية أخرى فإن استيعاب أبحاث وموضوعات هذا العلم يقتضي فهم مصطلحاته الأساسية .
3-1 العمل والإنتاج :
العمل في الأصل عبارة عن عملية تجري بين الإنسان والطبيعة . وفي هذه العملية ينشئ الإنسان وينظم ردود الفعل المادية بينه وبين الطبيعة . إن عملية العمل هذه ضرورة حتمية لوجود الجنس البشري واستمراره . ذلك لأن القسم الأعظم من المواد المتوفرة في الطبيعة لا تكون جاهزة للاستعمال المباشر وإشباع الحاجات الإنسانية قبل أن تجري عليها عمليات التحويل الضرورية . وعندما يقيم الإنسان عن طريق النشاط الذي يبذله علاقة بينه وبين الطبيعة ، فإنه يهدف إلى تغيير عناصرها وإخضاعها لحاجاته .
ولكن بالإضافة إلى العلاقة التي تقوم أثناء عملية العمل بين الإنسان والطبيعة فإنه ينشأ بين البشر أنفسهم نوع معين من العلاقات الاجتماعية ندعوها عادة بعلاقات الإنتاج . فعملية الإنتاج تتألف عادة من أنواع متعددة من العمل، وتتخذ هده العملية على الدوام طابعاً اجتماعياً . إن إنتاج الخبز على سبيل المثال يجسد عمل عدة مجموعات من الأفراد في جميع مراحل إنتاج هذه المادة . إلا أن الطبيعة الاجتماعية لعملية وعلاقات الإنتاج تختلف من مجتمع إلى آخر ، وتتعلق بالمستوى الذي وصل إليه التطور الاقتصادي والاجتماعي .
ولكن لو نظرنا إلى عملية العمل بصورة مجردة ودون أن نضعها في إطار تاريخي واجتماعي محدد لوجدنا أنها تتألف في كل الظروف من عناصر هي :


آ- العنصر الذاتي ( العمل ) :
العمل هو الجهد الإنساني الواعي والهادف . ويتمثل هذا الجهد في بذل أشكال الطاقة الجسدية والذهنية والعصبية التي يمتلكها الإنسان ، والتي يحولها في عملية العمل إلى قوة فاعلة وهادفة . فالإنسان عندما يقوم بالعمل يسعى إلى تحقيق شيء محدد أسميناه الناتج كما يهدف من وراء استعمال المنتج إلى إشباع حاجة معينة .
ولتوضيح طبيعة ومحتوى العمل الإنساني قد يكون من المفيد مقرنة النشاط الإنساني بالنشاط الحيواني . فمن المعلوم أن الحيوان يبذل أيضاً نوعاً من النشاط بهدف بأمين متطلباته وحاجاته . وقد يبدو للوهلة الأولى وجود تشابه ما بين النشاط الإنساني والنشاط الحيواني من حيث الشكل على الأقل . إلا أن بينهما اختلافاً أساسياً من حيث المحتوى والجوهر .
أولاً : إن العمل الإنساني كما ذكرنا هو عبارة عن نشاط هادف حيث يسبق البدء بممارسة العمل وجود تصور ذهني لدى الإنسان حول الهدف من العمل ونتائجه والغاية منه . إن صانع الفأس على سبيل المثال يبني في ذهنه تصوراً مسبقاً ومحدداً لشكل الفأس الذي يريد صنعه والغرض النهائي من استعمالها . وعلى العكس من ذلك نجد أن النشاط الحيواني يخضع للدوافع الغريزية البحتة
ثانياُ : هناك فارق جوهري آخر بين النشاط الإنساني والنشاط الحيواني يتجسد في صنع الإنسان لوسائل العمل . إن الإنسان وحتى يتمكن من مواجهة الطبيعة والسيطرة عليها يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل سواء أكان ذلك محراثاً يدوياً أم آلة حديثة . وإذا كان الإنسان يهدف من وراء صنع وسائل العمل إلى تغيير معالم بيئته الخارجية فإن النشاط الذي يمارسه الحيوان يكون عبارة عن عملية احتواء لما هو موجود في الطبيعة دون أن يؤثر ذلك في إجراء تغيير هادف لعالمه الخارجي.
إن قدرة الإنسان على صنع وتطوير وسائل العمل تعد من أهم صفات العمل الإنساني . وقد وصف العالم بنيامين فرانكلين ([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)) الإنسان ( بأنه حيوان صانع لوسائل العمل ) وذلك تمييزاً له عن الحيوان الذي يستخدم في نشاطه بعض الوسائل الجاهزة في الطبيعة كالأغصان مثلاً بصورة عفوية ومن قبيل الصدفة . إذ لم يحدث قط أن قام حيوان ما بصنع وسائل لنشاطه . وفضلاً عن ذلك فإن هذه السلوكية العفوية والغريزية في استخدام الحيوان لبعض الوسائل الجاهزة في الطبيعة لا تمارس أي تأثير على تطوره وارتقاءه لأن عملية التحويل والارتقاء الحيواني تخضع لقوانين التطور الطبيعي الخاصة بهذه العملية . بينما يعد صنع وتطوير وسائل العمل من قبل الإنسان أساس ارتقائه وارتقاء المجتمع . إن التطور الاجتماعي يقاس أساساً بمستوى تطور وسائل العمل وتطور المكتشفات العلمية والتكنيكية .
ثالثاً : طالما أن العمل الإنساني يسعى إلى تحقيق هدف محدد ووفق تصور ذهني مسبق فإن الإنسان يقوم عادة بإجراء المقارنة بين تصوراته المسبقة وبين نتائج العمل المتحققة إن نتيجة العمل المتمثلة بما أسميناه بالمنتج تجسد في الواقع تملك الإنسان للطبيعة في صورتها المصنعة.
إن الطبيعة تحولت بفضل التراكم الطويل للعمل الإنساني إلى عالم الإنسان . وفي الوقت الحاضر نجد الطبيعة في غالب الأحيان وقد أدخلت عليها يد الإنسان تغييرات أساسية إذ نجد أمامنا أرضاً صالحة للزراعة وغابات اصطناعية وأنهاراً صالحة للاستعمال في أغراض النقل باستثناء بعض المواد الخام الموجودة في باطن الأرض والثروة الدفينة في البحار التي لم تلامسها يد الإنسان بعد.
إن الإنسان عندما يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل يعمل في نفس الوقت على تطوير معارفه وتجاربه .. إن المعارف والخبرات الإنسانية تنتقل في الغالب من جيل إلى آخر لتبقى في خدمة الإنسان . ونجد أمامنا في الوقت الحاضر تراثاً هائلاً من المعارف والخبرات التي تمثل جهود الأجيال ونتائج صراعها الطويل مع الطبيعة .
وأخيراً فإن المقصود بالعمل بالمعنى الاقتصادي هو العمل المنتج المتمثل بإنتاج الأشياء المادية . إلا أنه يلاحظ عادة وجود أعمال غير منتجة كأعمال الخدمات التي لا تنتج شيئاً مادياً إلا أنها تقوم بإشباع بعض الحاجات البشرية كالعمل الذي يقوم به المعلم أو الفنان . وعادة يتم في العلوم الاقتصادية التمييز بين الأعمال المنتجة والأعمال غير المنتجة والتي نطلق عليها لفظ الخدمات .
ب- العناصر الموضوعية ( وسائل الإنتاج ) :
هي مجموعة الوسائل المادية التي يستخدمها الإنسان في إنتاج الأشياء المادية ( المنتجات ) . ويمكن تصنيف هذه الوسائل حسب وظيفتها في عملية العمل في نوعين : وسائل العمل ، مواضيع العمل .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) الاتجاهات الحديثة للبحث في العلوم الاجتماعية – اليونسكو- ترجمة مجموعة من المختصين – وزارة التعليم العالي- دمشق المجلد الثاني.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) عالم أمريكي ورجل دولة – 1706-1790- صفحة 75.
أولاً – وسائل العمل :
هي عبارة عن الوسائل المستخدمة للتأثير في موضوع العمل بهدف تحويله إلى شيء جديد ذو مواصفات مادية جديدة وملائمة لإشباع حاجة معينة . وقد رأينا كيف أن الإنسان يقوم بصنع وتطوير وسائل العمل لإخضاع الطبيعة التي تعد الموضوع الأساسي للعمل . ويمكن تصنيف وسائل العمل إلى أنواع :
النوع الأول : أدوات العمل كالعدد والآلات والتجهيزات الآلية الأخرى وهذا النوع من وسائل العمل يحتل المكانة الأولى في مجموعة وسائل العمل .
النوع الثاني : وهو ما يسمى بالنظام الوعائي للإنتاج وهو عبارة عن مختلف الوسائل التي تساعد على نقل وحفظ الأشياء المادية اللازمة لعملية الإنتاج ويشمل على سبيل المثال وسائط النقل والأقنية ومستودعات التخزين .
النوع الثالث : وهو عبارة عن نوع معين من الشروط المادية الضرورية لإنجاز عملية الإنتاج نذكر منها أبنية المصنع ، الأرض التي تقام عليها هذه الأبنية ، الطرق و الممرات .
النوع الرابع: وهو عبارة عن الوسائل المساعدة لإتمام عملية العمل كالوسائل المستخدمة مثلاً في تأمين الطاعة الكهربائية وغيرها من أشكال الطاقة
ثانياً – مواضيع العمل :
هي عبارة عن الوسائل أو الأشياء المادية التي تخضع للتحويل والتصنيع في عملية العمل . وكما توجد أنواع من وسائل العمل . ويمكن أيضاً تصنيف مواضيع العمل في أنواع عديدة . إن الطبيعة وما يتوفر فيها من مواد تعد أول نوع من مواضيع العمل .إن فلزات الفحم والمعادن الموجودة في باطن الأرض تعد موضوعاً لنوع معين من الأعمال هو عمل الاستخراج . أما النوع الثاني من مواضيع العمل فهي المواد التي أجريت عليها عملية التحويل الأولى وأصبحت قابلة لعملية تحويل ثانية ويطلق عليها المواد الأولية . إن القطن المحلوج على سبيل المثال يصبح موضوعاً للعمل عندما يستخدم من أجل إنتاج النسيج . أما النوع الثالث من مواضيع العمل فهو عبارة عن المواد نصف المصنعة والتي تحتاج إلى عملية تحويل أخرى حتى تصبح كاملة الصنع وقابلة للاستعمال ، وهناك بالإضافة إلى هذه الأنواع الأساسية مواضيع ثانوية ندعوه بالمواد المساعدة .
والخلاصة – حتى يكون بالإمكان إنجاز أي عملية عمل لابد أولاً من توفر العنصر الذاتي وهو العمل الإنساني وثانياً العناصر المادية الموضوعية (وسائل الإنتاج) والتي تشمل وسائل العمل ومواضيع العمل. ومتى توفرت هذه العناصر مجتمعة يكون المنتج الحصيلة والنتيجة الطبيعية لعملية العمل.
إلا أن درجة إشباع الحاجات الإنسانية تتوقف على مستوى إنتاجية العمل . وفي الوقت الذي يعمل فيه الإنسان على تحقيق المنتج لإشباع حاجاته فهو يسعى بصورة دائمة إلى زيادة عدد المنتجات . ومن أجل تحقيق هذا الغرض فإن الإنسان يعمل على الدوام إلى تطوير وسائل العمل وتحسين أشكال التعاون في العمل وإيجاد الشروط المثلى لتقسيم العمل.
3-2- إنتاجية العمل :
تعبر إنتاجية العمل عادة عن فعالية العمل المنتج . لأن فعالية أي نوع من أنواع العمل تتجسد في عدد المنتجات المتحققة خلال وحدة الزمن ( اليوم أو الساعة مثلاً ) وبكلمة أخرى فإن إنتاجية العمل تعرف عادة بأنها عدد المنتجات التي يحققها عمل ما في وحدة زمنية معينة . إلا أن إنتاجية العمل لا تبقى ثابتة وإنما تتغير مع تغير شروط وعناصر عملية العمل . فإذا كان عمل ما يحقق تحت شروط معينة إنتاج خمس قمصان خلال الساعة الواحدة ثم ارتفع الإنتاج نتيجة تحسن شروط العمل إلى عشرة قمصان خلال الساعة الواحدة ففي هذه الحالة تكون إنتاجية العمل قد ازدادت إلى الضعف وبينما كان إنتاج القميص الواحد يستغرق اثني عشرة دقيقة في الحلة الأولى أصبح يستغرق ست دقائق في الحالة الثانية .
ويقصد بتغيير شروط وعناصر العمل الذي يؤثر على زيادة إنتاجية العمل تغيير جملة الشروط المادية والتكنيكية والاجتماعية التي تحيط بعملية العمل . إن الإنسان لا يكتفي بتطوير المستوى التكنيكي لوسائل العمل وإنما يسعى إلى إيجاد أفضل أساليب التعاون والتقسيم في العمل .
3-3- التعاون في العمل:
أصبح الآن واضحاً أن الإنسان لا يقوم بعملية الإنتاج بمفرده وإنما بالتعاون مع الآخرين . ويقصد بالتعاون في العمل اشتراك مجموعة من الأفراد في إنجاز عملية عمل واحدة أو عدة عمليات مترابطة ومتكاملة . وذلك لأن تضافر جهود الأفراد يشكل قوة منتجة ويتيح الإمكانية لإنجاز بعض الأعمال التي لا يمكن لفرد واحد أن ينجزها .
إن التعاون في العمل قديم قدم العمل نفسه ولقد اتخذ عبر العصور أشكالاً مختلفة كانت تنسجم مع طبيعة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية . ففي المجتمعات القديمة اتخذ التعاون في العمل شكل التعاون البسيط بينما وصل إلى مراحل عليا في المجتمعات الحديثة بعد أن انتشرت الآلة وتعممت في عملية الإنتاج الاجتماعي .

3-4- التقسيم في العمل :
إن التعاون في العمل يقتضي غي الغالب تقسيم العمل . ويعني تقسيم العمل تخصص مجموعة من الأفراد أو فرد واحد بعمل معين . وكما هو الحال في طهور أشكال مختلفة للتعاون في العمل فقد تطورت أيضاً أشكال التقسيم في العمل .
إن اختلاف أشكال التقسيم في العمل يرجع أساساً إلى أشكال ومراحل تطور وسائل العمل . ففي المجتمعات البدائية حين كانت وسائل العمل بدائية جذاً وفي مثل هذه الظروف لم تكن الشروط متاحة لوجود تقسيم وتخصص في العمل . وكان يتم توزيع العمل الواحد على أفراد المجموعة وفقاً لاعتبارات العمر والجنس بين الصغار والكبار ، بين المرأة والرجل . وهذا الشكل البدائي من تقسيم العمل هو ما يسمى بالتقسيم الفيزيولوجي للعمل .
وفي مرحلة ما من التطور وحين اكتشف الإنسان وسائل عمل جديدة وأصبح أكثر قدرة على مواجهة الطبيعة صار بإمكان فرد واحد أو عدة أفراد القيام بعمل معين ( كالزراعة أو الصيد) ظهر ما يسمى ( بتقسيم العمل ) . ومنذ ذلك الحين بدأ تقسيم العمل يتبلور في عدة أشكال :
الشكل الأول :
هو ما يسمى بالتقسيم الاجتماعي للعمل . وحسب هذا الشكل تتخصص كل جماعة في إنجاز جزء ما من عملية الإنتاج الاجتماعي . وبذلك تتوزع القوى العاملة في المجتمع على قطاعات وفروع الإنتاج المختلفة كالزراعة والصناعة والنقل وما شابه ذلك . فضلاً عن ذلك نلاحظ في كل قطاع إنتاجي تقسيماً أخراً للعمل . ففي قطاع الصناعة نجد تخصصاً في الصناعة الاستخراجية وآخر في صناعة الآلات أو صناعة الغزل والنسيج .
الشكل الثاني :
وهو ما يسمى بتقسيم العمل على مستوى المؤسسة الواحدة . ففي المؤسسة الواحدة نلاحظ أن كل مجموعة من الأفراد تتخصص بجزء ما من عملية الإنتاج في تلك المؤسسة . ففي مؤسسة إنتاج النسيج مثلاً نلاحظ أن مجموعة ما تقوم بتحضير المواد الأولية وأخرى تقوم بتشغيل الآلات بينما تقوم مجموعة ثالثة بجمع وتخزين المنتجات .
بالإضافة إلى ذلك نلاحظ أن كل فرد من هذه المجموعات يتخصص بنوع معين من العمل. فعلى سبيل المثال أن كل فرد من أفراد المجموعة التي تقوم بتشغيل الآلات يتخصص بجزء ما من عمل الآلة . وهذا الشكل يطلق عليـــــه ( التخصص أو التقسيم المهني في العمل ) .
3-5- الإنتاج ، التبادل . التوزيع ، الاستهلاك :
كانت الغاية من شرح مصطلح عملية العمل والعناصر المكونة لها تبيان أهمية العمل باعتباره النشاط الضروري والحتمي الذي يبذله الإنسان من أجل تحقيق منتج ما يصلح لإشباع حاجاته الحياتية المختلفة . كما أوضحنا أن عملية الإنتاج تتألف من ضروب متنوعة من الأعمال التي تمارسها مجموعة من الأفراد يجمع فيما بينهم التعاون والتخصص في العمل . إن عملية الإنتاج وإن كانت تعد أهم أوجه النشاط الاقتصادي إلا أن البشر يقومون أيضاً بتبادل المنتجات وتوزيعها واستهلاكها . وفي هذه العمليات السائدة وما تحققه من منتجات هي التي تحدد مستوى وعلاقات التبادل والتوزيع والاستهلاك . وبالإضافة إلى ذلك فإن عمليات الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك تشكل جميعها وحدة مترابطة يشكل فيها الإنتاج قطبها الأولي والاستهلاك قطبها النهائي وبكلمة أخرى وبما أن الإنسان ينتج من أجل أن يستهلك . إن الإنتاج يشكل نقطة البدء والاستهلاك نهاية المطاف . ولتوضيح هذه المصطلحات سنبدأ بتحديد العلاقة بين الإنتاج و الاستهلاك ثم نبين ما المقصود بالتبادل والتوزيع .
أ‌- العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك :
إذا كان الغرض من عملية الإنتاج تحقيق الاستهلاك فإن الإنتاج يشترط أولاً وجود الحاجة إلى الاستهلاك أي وجود حاجات ورغبات استهلاكية معينة . والإنسان بصورة عامة لا يقدم على إنتاج أي شيء ما لم يدرك مسبقاً وجود الحاجة إلى استهلاك هذا الشيء ، إذن يمكن القول أن الغرض من جميع المنتجات والخدمات هو تلبية الاستهلاك . وينقسم الاستهلاك إلى نوعين :
النوع الأول : وبواسطة هذا النوع من الاستهلاك يتم إشباع الحاجات الفردية المباشرة كالحاجة إلى المأكل والملبس والمأوى والحاجة إلى التسلية والثقافة وغيرها . ويطلق على المنتجات التي تخدم هذا الغرض كالمواد الغذائية وما شابهها ( منتجات الاستهلاك الفردي ) .
النوع الثاني : الاستهلاك الإنتاجي : ويقصد به استهلاك وسائل الإنتاج كاستهلاك الآلات والمواد الأولية أثناء عملية الإنتاج. إن الإنسان عندما يقوم بعملية الإنتاج يقوم باستهلاك طاقة عمله ، ويقوم أيضاً باستهلاك الوسائل التي يستخدمها والتي تتعرض أثناء استخدامها إلى الفناء المادي فاستعمال الآلة يؤدي تدريجياً إلى استهلاكها حيث لا يمكن الاستفادة منها لعدة سنوات من الاستعمال. كما أن استعمال المواد الأولية ( كالقطن الخام مثلاً ) يعني استهلاك هذه المادة في عملية الإنتاج للحصول على المادة الأولية .
إلا أنه يجب ملاحظة وجود فارق بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك الإنتاجي ويبدو هذا الفارق في نتائج كل منهما . إن الاستهلاك الفردي يتم باستعمال المنتجات الاستهلاكية دون أن ينجم عن ذلك تحقيق منتج جديد . إلا أن للاستهلاك الفردي وظيفة هامة من نوع آخر . فهو يعمل على تجديد قوة العمل الإنساني وتجديد الأجيال عن طريق التناسل أي تجديد العنصر الذاتي الإنساني والضروري لإنجاز عملية الإنتاج واستمرارها .
أما عن نتائج وحصيلة الاستهلاك الإنتاجي فهي تظهر عادة في تحقيق منتج آخر جديد . إن استهلاك وسائل الإنتاج كالآلات والمواد الأوليــة ( كالقطن مثلاً ) في عملية الإنتاج يؤدي إلى تحقيق منتج ذي مواصفات مادية جديدة ( في هذه الحالة هو النسيج ) .
وحتى يمكن تلبية حاجات الاستهلاك الفردي والاستهلاك الإنتاجي فإن عملية الإنتاج في أي مجتمع يجب أن تنقسم إلى :
1- القسم الأول : وهو الذي يتخصص بإنتاج المنتجات الضرورية للاستهلاك الإنتاجي أو ما يطلق عليها أحياناً وسائل الإنتاج . ونضرب مثالاً على ذلك المؤسسات التي تقوم بإنتاج الآلات (كمصانع آلات حلج الأقطان ) والمؤسسات التي تقوم بإنتاج المواد الأولية ( كمحالج الأقطان ) .
2- القسم الثاني : وهو الذي يتخصص بإنتاج المنتجات الضرورية للاستهلاك الفردي ، أو ما يطلق عليها أحياناً وسائل الاستهلاك الفردي . ومثال على ذلك المؤسسات التي تقوم بإنتاج المواد الغذائية أو الألبسة وما شابه ذلك من المؤسسات .
ونلاحظ عند تحليل طبيعة العلاقة المتبادلة والقائمة بين الإنتاج والاستهلاك إن الإنتاج يحتل الدرجة الأولى من الأهمية ، وهذا أمر بديهي إذ لا يمكن التفكير بإمكانية تحقيق عملية الاستهلاك بنوعيه دون إنجاز عملية الإنتاج وتحقيق المنتج أولاً ، وقيل أن يخضع أي شيء مهما كان نوعه للاستهلاك لابد أولاً من إنتاجه . وقد يستطيع الإنسان في مرحلة ما تحديد حاجاته إلا أن هناك فارقاً بين الإدراك الإنساني للحاجة وبين إمكانية إشباع هذه الحاجة لأن تحقيق الحاجات يتوقف على إمكانية الإنتاج والمستوى الذي توصلت إليه عملية الإنتاج الاجتماعي : وباختصار فإن مستوى تطور عملية الإنتاج في المجتمع هو الذي يحدد حجم ونوعية الاستهلاك وإمكانية تحقيق الحاجات الاستهلاكية المختلفة .
إلا أن الإقرار بأهمية الإنتاج ودوره الأساسي لا يعني بأي حال من الأحوال أن الاستهلاك هو بمثابة تحصيل حاصل أو أنه يمثل طرفاً سلبياً في العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك ودون أن يكـــــون له أي تأثير عكسي على الإنتاج . فالإنتاج يتعرض إلى الانخفاض عندما يضعف الطلب على منتج معين فيما يميل إلى الازدياد عندما يكون حجم المنتجات أقل من الحاجات الاستهلاكية . وسنلاحظ عند دراسة العلاقات المتبادلة بين الإنتاج والتبادل والتوزيع أهمية الترابط بين الإنتاج والاستهلاك والتأثير المتبادل لكل منها على الآخر .
الخلاصة :
إن الهدف من الإنتاج هو تلبية حاجات الاستهلاك الفردي وحاجات الاستهلاك الإنتاجي . ولتحقيق أنواع الاستهلاك لابد من وجود نوعين من الإنتاج الأول الخاص بإنتاج منتجات أو وسائل الاستهلاك الفردي والثاني الخاص بإنتاج منتجات أو وسائل الاستهلاك الإنتاجي .
ب – التبادل : الاقتصاد الطبيعي – الاقتصاد السلعي
في مرحلة ما من مراحل التطور الاقتصادي ظهر كما ذكرنا التقسيم الاجتماعي للعمل . وقد كان من أهم نتائج هذا التقسيم والتخصص في العمل زيادة المنتجات وبالتالي فقد ظهر لدى أفراد كل مجموعة من المجموعات التخصص بعمل معين فائض من منتجاتها بزيد عن حاجاتهم المباشرة ، ونظراً لأن كل مجموعة لا تقوم بإنتاج كل ما يشبع حاجاتها فقد نشأ نتيجة تلك الشروط الموضوعية والضرورية لعملية التبادل .
من الناحية الظاهرية التبادل هو عبارة عن تبادل منتجات . وقد يكون ذلك تبادل منتج مقابل منتج آخر وقد يكون من الذهب الذي كان يقوم حتى أواخر القرن التاسع عشر بدور النقد . وعندما يخضع أي منتج للتبادل فإننا نطلق عليه " السلعة أو البضاعة " .
إن التبادل من الناحية الجوهرية هو تبادل بين أعمال متباينة ، أي تبادل عمل مقابل نوع آخر من العمل. إذ لا يعقل أن يتم التبادل بين أفراد يقومون بنفس العمل . وباختصار فإن التقسيم والتخصص في العمل هو الشرط الأساسي لقيام التبادل .
ويوجد هناك علاقة متبادلة بين الإنتاج والتبادل . وفي الواقع أن عملية الإنتاج تسبق عملية التبادل . وأن مستوى الإنتاج وحجم المنتجات هو الذي يحدد أصولاً مستوى وحجم التبادل . ولكن من ناحية أخرى فإن التبادل يمارس تأثيره على الإنتاج ويصبح في ظروف التقسيم الاجتماعي للعمل شرطاً من شروط إتمام عملية الإنتاج . فلو افترضنا على سبيل المثال أن مجموعة ما من الأفراد تقوم بإنتاج الحديد الخام بينما تقوم مجموعة أخرى بإنتاج الآلات اللازمة لإنتاج الحديد الخام ففي هذه الحالة يصبح التبادل بينهما شرطاً ضرورياً حتى تتمكن كل مجموعة من إنجاز عملية الإنتاج.
وفي صدد تعريف التبادل من المناسب التعرض إلى توضيح بعض المصطلحات الهامة مثل الاقتصاد الطبيعي والاقتصاد السلعي ، ففي الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي يتم توزيع واستهلاك المنتجات من قبل المنتجين مباشرة دون أن تخضع للتبادل . وقد كان الاقتصاد الطبيعي هو الطابع الغالب في المجتمعات الاقتصادية القديمة . وهذه المجتمعات التي كان يسود فيها الاقتصاد الطبيعي البحت كانت تعيش في ظروف الاكتفاء الذاتي .
أما الاقتصاد السلعي أو البضاعي يقصد به الاقتصاد التبادلي . حيث أن المنتجات في هذا الاقتصاد لا تستهلك في غالب الأحيان من قبل الأفراد الذين يقومون بإنتاجها وإنما تخضع للتبادل بمنتجات الآخرين. وعن طريق تبادل المنتجات يتم تبادل إشباع الحاجات المختلفة عوضاً عن إشباع الحاجات مباشرة كما هو الحال في الاقتصاد الطبيعي . وكما هو ملاحظ فإن الاقتصاد السلعي يسود المجتمعات الاقتصادية الحديثة حيث تخضع معظم المنتجات إلى عملية التبادل في السوق .
جـ - التوزيع :
بعد أن يتم التبادل تدخل المنتجات في عملية التوزيع . ويرى بعض العلمــــاء إن التبادل الذي ظهر في مرحلة ما من المراحل ما هو إلا شكل من أشكال التوزيع . وحسب هذا الرأي فإن التوزيع لم يتخذ على الدوام شكل التبادل . لأن توزيع المنتجات في الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي كان يتم مباشرة بين أفراد المجتمع وبين فروع النشاط الاقتصادي دون أن يتخذ التوزيع في هذه الحالة شكل التبادل .
ولكن مهما اتخذ التوزيع من أشكال ، وسواء أكان هناك تبادل أم لا فإن التوزيع يقصد به عادة الطريقة أو الكيفية التي يتم بها توزيع المنتجات بين القطاعات والفروع الاقتصادية من جهة وبين الأفراد والفئات الاجتماعية من جهة أخرى . ويستنتج من هذا التعريف أن التوزيع يتخذ وجهين :
الأول : هو ما يمكن تسميته بالطابع الوظيفي – المادي للتوزيع ، والمقصود بذلك هو توزيع المنتجات حسب وظيفتها الاقتصادية – المادية . فمن المعلوم أن المنتجات تكون أما منتجات الاستهلاك الفردي أو منتجات الاستهلاك الإنتاجي، ولكل من هذين النوعين غرض وظيفي استعمالي محدد . والتوزيع الوظيفي لها لا يعني أكثر من فرز هذه المنتجات وفقاً للغرض الاستعمالي منها . فالنوع الأول من المنتجات يتوزع في قنوات الاستهلاك الفردي بينما تدخل منتجات النوع الثاني في عملية الإنتاج المختلفة .
الثاني : وهو الطابع الاجتماعي للتوزيع، ويقصد به الكيفية التي يتم بها توزيع الثروة الاجتماعية المتمثلة بالمنتجات على الأفراد والفئات الاجتماعية المختلفة ، ويتخذ التوزيع في هذه الحالة شكل الإيرادات الفردية، إلا أن هذا الشكل يعبر في التمييز بين نوعين من أنواع ملكية وسائل الإنتاج : الملكية الفردية الخاصة والملكية الاجتماعية .
وإذا كان للإنتاج وعلاقاته تأثيرهما المباشر على التوزيع فإن التوزيع بالمقابل تأثيره على عملية الإنتاج . إن شكل التوزيع الوظيفي يحدد نصيب عملية الإنتاج من المنتجات الإنتاجية وبالتالي فإن نمو وتوسع الإنتاج الاجتماعي يتوقفان على حجم ونوعية المنتجات التي ينالها القطاع الإنتاجي كالآلات والمواد الأولية وغيرها . كما أن للطبيعة الاجتماعية التوزيع تأثيرها الخاص والمباشر على نتائج العمل . فالأفراد العاملون في عملية الإنتاج الاجتماعي يبدون اهتماماً أكبر في العمل ونتائجه عندما يكون نصبهم من توزيع المنتجات متناسباً مع احتياجاتهم بينما يتخذون موقفاً سلبياً ويظهرون اللامبالاة في العمل عندما تكون حصتهم من توزيع الثروة الاجتماعية لا تتلاءم مع مستوى حاجاتهم المختلفة والضرورية لتجديد طاقة العمل .
3- 6- وحدة الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك – تجديد أو دورة الإنتاج
لقد أشرنا خلال شرح هذه المصطلحات إلى العلاقة المترابطة والمتبادلة بين عمليات إنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك . صحيح أن لكل من هذه العمليات مفهومها الخاص ولكن من الناحية العملية لا يمكن النظر إليها على أساس أنها مراحل أو حلقات مستقلة ومنفصلة بعضها عن البعض . وفي الواقع فإن هذه العمليات الأربع هي أجزاء في كل مترابط بشكل الإنتاج الحلقة الأولى والأساسية فيه. لأن مستوى وعلاقات الإنتاج هي التي تحدد سمات وعلاقات التبادل والتوزيع والاستهلاك .
إن هذه الوحدة وهذا الترابط بين الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك يظهران بصورة أوضح عندما ننظر إلى عمليتي الإنتاج والاستهلاك في حالتهما المستمرة والمتجددة . إن استمرارية الحياة وتجديد طاقة العمل يستلزمان استمرار وتجديد إشباع الحاجات الإنسانية . ومن أجل تحقيق هذه الضرورة لا بد من استمرارية وتكرار عملية الإنتاج . ويطلق على هذه الحالة عادة مصطلح تجديد أو إعادة الإنتاج أو ما يسمى أحياناً بدورة الإنتاج .
ويتم عادة التمييز بين شكلين من عملية إعادة أو تجديد الإنتاج .
الأول – عملية إعادة أو تجديد الإنتاج البسيط . وفي هذا الشكل تتم إعادة الإنتاج بنفس المستوى الكمي والنوعي من عناصر الإنتاج دون أن يحدث أي توسع يذكر في عملية الإنتاج . ونصادف وجود هذا الشكل من إعادة الإنتاج في المجتمعات التي تعيش حالة الركود والتي تقف عند موحلة معينة من التطور الاقتصادي .
الشكل الثاني :
وهو ما يطلق عليه عملية إعادة أو تجديد الإنتاج الموسع . وفي هذا الشكل يحدث نمو في عملية الإنتاج عن طريق التوسع في عناصر الإنتاج المختلفة وينجم عن ذلك زيادة في إنتاجية العمل . ويسود هذا الشكل في المجتمعات الديناميكية التي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أعلى من التطور الاقتصادي .
وفي جميع الأحوال سواء أكان تجديد الإنتاج بسيطاً أم موسعاً فإنه يمكن باختصار القول بأننا ننتج بهدف أن يستهلك ، كما نستهلك من أجل تحقيق الإنتاج وإن الإنتاج والاستهلاك وجهان لعملية واحدة ومتجددة تتوسط بينهما عمليتا التبادل والتوزيع . وهذا ما يمكن ملاحظته في الحياة الاقتصادية. إن الإنسان عندما يقدم على الإنتاج فهو يقوم باستهلاك قوة عمله واستهلاك وسائل الإنتاج المختلفة , ومن ناحية أخرى فهو عندما يقوم في نفس الوقت بإشباع حاجاته في طريق الاستهلاك الفردي فإنه ينتج قوة العمل والتي تمثل العنصر الذاتي من عناصر الإنتاج . كما أن استهلاك وسائل الإنتاج والذي أسميناه بالاستهلاك الإنتاجي هو العنصر المادي والموضوعي لإنتاج المنتجات . وإن التبادل والتوزيع يشكلان حلقات أساسية في هذه الدورة المتجددة والمتكاملة في وحدة الإنتاج والاستهلاك.
3-7 نمط الإنتاج الاجتماعي :
في التعريف الخاص بمصطلح عملية العمل تبين لنا أن البشر يقيمون أثناء ممارستهم للعمل علاقة عم الطبيعة من جهة ومن جهة أخرى تنشأ فيما بينهم علاقات اجتماعية من نوع معين أسميناها علاقات الإنتاج. وهذه العلاقات والشروط المختلفة التي تحيط بعملية الإنتاج في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية تشكل بمجموعها وترابطها نظاماً متكاملاً نطلق عليه نمط الإنتاج الاجتماعي. ومن الواضح أن نمط الإنتاج الاجتماعي يشمل في كل مرحلة اجتماعية من عنصرين:
آ – القوى المنتجة:
ويقصد بها مجموعة العناصر التي تحدد مستوى العلاقة بين المجتمع والطبيعة . وهي تتألف من العنصر الذاتي وهو العمل والعناصر المادية الأخرى وأهمها وسائل العمل والوسائل الأخرى المستخدمة في عملية الإنتاج . ومن المعلوم أن الإنسان أثناء ممارسته للعمل يقوم بتطوير قدراته الذاتية ويعمل على تطوير وسائل العمل . وكلما أحرز تقدماً ما في هذا المجال تمكن من إخضاع الطليعة لخدمة أغراضه وحاجاته . وينعكس هذا التطور في القوى المنتجة في زيادة إنتاجية العـمل ( زيادة عدد المنتجات خلال وحدة الزمن ) وشمل الجوانب التالية :
1-تطور مهارة وخبرة المنتجين في إنتاج أكبر كمية من المنتجات خلال اقصر وقت ممكن .
2-تطور المستوى التكنيكي لوسائل العمل . فكلما تحسن هذا المستوى أمكن زيادة عدد المنتجات في وحدة زمنية معينة . فالانتقال من وسائل العمل اليدوي إلى وسائل العمل الآلي أدى إلى مضاعفة مركبة في إنتاجية العمل .
3-تطور مستوى التنظيم في العمل أي توزيع عناصر العمل وفقاً للتقسيم الأمثل لأجزاء ومراحل عملية العمل .
4-تطور مستوى العوم والتكنولوجيا والتي تحتل في الوقت الحاضر أهمية متزايدة في عملية الإنتاج .
5-العوامل الطبيعية: إن الأرض على سبيل المثال تملك درجات متباينة من الخصوبة . ففي حال استخدام نفس الكمية من العمل ونفس المستوى التكنيكي لوسائل العمل في أراض مختلفة الخصوبة فإن المحاصيل الناتجة في الأراضي الخصبة ستكون بدون شك أكبر حجماً من المحاصيل الناتجة في الأراضي الأقل خصوبة كما أن إنتاجية العمل في الصناعات الاستخراجية مثلاً تتوقف إلى حد كبير على كمية ووضع المخزون في المناجم .




أ‌- علاقات الإنتاج :
كما أن عناصر القوى المنتجة لا تبقى ثابتة ، فإن العلاقات التي تنشأ بين البشر في عملية الإنتاج تخضع هي الأخرى للتغيير وتختلف من مجتمع إلى آخر . ولكن يجب التمييز بين نوعين من هذه العلاقات :
النوع الأول: وهي العلاقات ذات الطابع التكنيكي أو ما يسمى بالعلاقات التكنيكية . إن مستوى وسائل العمل هو الذي يحدد طبيعة هذه العلاقات . إن دخول الآلة إلى عملية الإنتاج يستلزم توزيعاً معيناً للعاملين ويفرض فيما بينهم علاقات تكنيكية معينة تنسجم مع الطبيعة الفنية لتركيب الآلة . وهذا النوع من العلاقات يدخل في صميم موضوع العوم التكنيكية التي تبحث في وسائل تنظيم العمل من الناحية الفنية البحتة .

النوع الثاني : وهي العلاقات الاقتصادية ذات الطبيعة الاجتماعية وهي التي تدخل كما ذكرنا سابقاً في صميم موضوع علم الاقتصاد السياسي . وتختلف الطبيعة الاجتماعية لهذه العلاقات حسب علاقات الملكية السائدة في المجتمع . وحين تقوم الأشكال والأنظمة الحقوقية والقانونية بتنظيم حقوق الملكية وحق التصرف بأشكال الملكية فإنها تعكس في الواقع محتوى العلاقات الاقتصادية السائدة في الأنظمة والمجتمعات المختلفة .
وبعد هذا التوضيح للعناصر المكونة لنمط الإنتاج يمكن تلخيصه بالشكل التالي :
وكما هو واضح من هذا الشكل فإنه لا يجوز النظر إلى القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج كعناصر منفصلة أو مستقلة عن بعضها البعض ، وإنما كإجراء من نظام متكامل يعبر في كل مرحلة عن مستوى معين من التطور .
3-8- القوانين الاقتصادية :
وراء كل ظاهرة سواء أكانت طبيعية أم اجتماعية تختفي مجموعة من العلاقات الضمنية المترابطة والمتلازمة والتي لا يمـكن للنظـر أن يلحظهـا على سطح الظاهرة. وهذه العلاقة الضمنية والجوهرية هو ما ندعوه بقانون الظاهرة. والمعرفة العلمية تهدف إلى الكشف عن قوانين الظواهر الطبيعية والاجتماعية ووضعها في صياغة علمية يطلق عليها ( القوانين العلمية ).
إن الحياة الاقتصادية تشكل مركباً من أفعال بشرية تتكرر بصفة مستمرة . ففي ظروف معينة هي نتيجة التطور التاريخي الذي يحققه مجتمع معلوم يعيد هذا النشاط نفسه بطريقة معينة بمعنى أن له قانونية خاصة أو نمطاً خاصاً في الانتظام والاطراد وهذا النمط يمكن تحليله إلى عناصر معينة . أي إلى علاقات وصلات تتكرر باســـــتمرار بين هذه الأفعال أو الأعمال الجزئية التي تتكون منها هذه الأفعال.مثل هذه الصلات أو العلاقات يطلق عليها(القوانين الاقتصادية)
إن القوانين الاقتصادية هي قوانين موضوعية بمعنى أنها حقيقية وواقعية تميز موضوعياً ، أنه يكتشفها . وتصاغ نتائج هذه الدراسة في صيغ توضح فعل القوانين الاقتصادية.
في كل نمط من الأنماط الاجتماعية للإنتاج توجد مجموعة من القوانين الاقتصادية وتختلف هذه القوانين في أهميتها . ويتم عادة التمييز بين أربعة أنواع من القوانين الاقتصادية :
1-قوانين اقتصادية عامة : ويكون هذا النوع من القوانين شاملاً لجميع المجتمعات الاقتصادية بدائية كانت أم رأسمالية مثال ذلك قانون إنتاجية العمل وقانون تنامي الحاجات والرغبات الإنسانية . إن الإنسان بصورة عامة يسعى أثناء قيامه بعملية العمل إلى زيادة عدد المنتجات إلى أكبر عدد ممكن خلال وحدة زمنية معينة (الساعة مثلاً ) . كما أن الرغبات والحاجات الإنسانية لا تقف عند حد معين وإنما تخضع إلى قانون تنامي الحاجات الكمية والنوعية أي زيادة كمية المنتجات والعمل على تنوعها في آن واحد .
2-قوانين اقتصادية مشتركة بين أكثر من مجتمع اقتصادي واحد . أي أنها لا تشمل جميع المجتمعات وإنما تقتصر على بعضها فحسب . بالرغم من أن الكيفية التي يبرز فيها فعل هذا القانون ليست واحدة . أما في الاقتصاد الطبيعي – اللا تبادلي – فلا يوجد هناك ضرورة موضوعية لمثل هذا القانون .
3-قوانين اقتصادية أساسية . إذ يوجد قانون خاص بكل نظام من الأنظمة الاقتصادية يدعى بالقانون الاقتصادي الأساسي . ولهذا القانون أهمية خاصة بين القوانين الاقتصادية نظراً لأنه يعبر عن جوهر العلاقات الاقتصادية السائدة في هذا أو ذلك من الأنظمة الاقتصادية مثل قانون الربح في النظام الرأسمالي.
4-قوانين اقتصادية ذات طبيعة مرحلية . وهذا النوع من القوانين لا يوجد في كل مراحل التطور لنظام اقتصادي معين . فهناك ضمن النظام الرأسمالي قوانين اقتصادية تتعلق بمرحلة المنافسة الرأسمالية مثل قانون المنافسة بينما يعمل قانون الاحتكار في مرحلة رأسمالية أخرى هي مرحلة الاحتكار .
ولكن هناك ملاحظة تتعلق بالعلاقة بين القوانين الاقتصادية . إن القوانين الاقتصادية لا تقوم بفعلها الموضوعي بصورة مستقلة ومنعزلة بعضها عن البعض الآخر . إنما تشكل في الواقع نظاماً متكاملاً ومترابطاً يكون القانون الاقتصادي الأساسي المحور المركزي فيه . إن فقل القوانين الاقتصادية في النظام الرأسمالي مثلاً يخضع لفعل القانون الأساسي وهو قانون الربح الرأسمالي.





البحث الثاني

المنهج في علم الاقتصاد

تمهيد :
إن دراسة الحقائق الموضوعية تشكل المادة الرئيسية والموضوع الأساسي لكلفة العوم . وإن مهمة العوم لا تقتصر عادة على تسجيل أو حصر هذه الحقائق والوقائع الموضوعية وإنما تتجاوز ذلك إلى ضرورة تحليلها . ويعد التحليل العلمي من أهم أساليب الكشف عن محتوى وجوهر الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية وإدراك قوانين نشوئها وتطورها إن ظاهر الأشياء يتعارض على الغالب مع محتوى وجوهر هذه الأشياء . فظاهرياً تبدو الشمس كأنها تدور حول الأرض . إلا أن المعرفة العلمية توصلت إلى اكتشاف محتوى هذه الظاهرة وبرهنت على عكس ذلك حين تبين أن الأرض هي التي تدور حول الشمس . إن عملية البحث العلمي تفترض عادة تعارض ظاهر الأشياء مع محتواها وإلا فإن الوصول إلى حقائق الأشياء يبقى بعيد المنال . كما أن تحقيق هذه الغاية يتطلب اجتياز طرق شائكة ومعقدة في مجال الدراسة والبحث .
إن أسلب التحليل والتركيب العلمي من الأساليب الشائعة في دراسة جميع الحقائق والظواهر الطبيعية والاجتماعية . ففي العلوم الاجتماعية ومن ضمنها علم الاقتصاد يتم استخدام هذا الأسلوب لإدراك قوانين الظواهر الاجتماعية وفي صدد ذلك قد يكون من المفيد توضيح ما هو مقصود بأساليب التحليل والتركيب العلمي .
1- أساليب التحليل والتركيب العلمي :
في الطبيعة كما في المجتمع نجد مجموعة متعددة ومتنوعة من الظواهر الطبيعية والاجتماعية . وإن كل ظاهرة تشمل العديد من الصفات والعناصر المكونة لها. كما أن الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية لا توجد بصورة منفصلة بعضها عن البعض وكل منهما يشكل نظاماً متكاملاًً ومعقداً من الظواهر المترابطة المتكاملة مما يجعل من البحث العلمي في وحدة الظواهر أمراً مستحيلاً . وهذا يستدعي إيجاد الأساليب الملاءمة التي تساعد على تبسيط البحث وتسهيل طريق الوصول إلى المعرفة العلمية ويمكن اتباع المراحل التالية :
أولاً – ضرورة الأخذ نظرياً بمبدأ استقلالية الظاهرة. إذ من الضروري والحالة هذه فصل الظاهرة موضوع البحث عن بقية الظواهر الأخرى ودراستها بصورة مستقلة .
ثانياً – تحليل الظاهرة إلى العناصر المكونة لها . إن أية ظاهرة تتألف من مجموعة من العناصر وإن إدراك هذه الظاهرة يستلزم أولاً معرفة عناصرها . أي لابد من تجزئة الظاهرة أي تفتيت الكل إلى أجزاء . ونجد عادة أن هناك في كل ظاهرة عناصر أساسية وعناصر ثانوية . ويقصد بالعناصر الأساسية تلك التي تلعب دوراً أساسياً في نشوء وتطور الظاهرة بينما يكون للعناصر الأخرى دور ثانوي ويطلق على هذا الأسلوب في البحث أسلب التحليل العلمي .
ثالثاُ – إعادة تركيب عناصر الظاهرة . إن البحث العلمي لا يتوقف عند مرحلة التحليل . إن لابد بعد تجزئة الظاهرة إلى عناصرها من إعادة توحيد وتركيب هذه العناصر حسب التسلسل الذي يحتله كل عنصر في سلم الأهمية . فعندما يقوم العالم الطبيعي بتحليل عناصر ظاهرة المطر يستنتج من هذا التحليل العناصر الأساسية والثانوية المركبة منها هذه الظاهرة . وهذا الأسلوب هو ما ندعوه بأسلوب التركيب العلمي .
إن التحليل والتركيب يشكلان إذن أسلوباً متكاملاً في البحث العلمي . إذ لا يجوز كما هو واضح التوقف عند مرحلة التحليل دون استكمالها بمرحلة التركيب . وبدون التكامل لا يمكن التوصل أصلاً إلى نتائج علمية كاملة . إلا أن هناك فارقاً يجب ملاحظته بين أشكال البحث في الظواهر الطبيعية وبين أشكال البحث في الظواهر الاجتماعية . إن دراسة الظواهر الطبيعية أكثر سهولة إذ أن عالم الفيزياء أو الكيمياء يستطيع أن يستخدم في عملية التحليل والتركيب وسائل مخبرية في دراسة لظاهرة طبيعية معينة بينما لا يستطيع الباحث الاجتماعي فعل ذلك . ولذا فلابد من أن يأخذ تحليل وتركيب الظاهرة الاقتصادية وغيرها من الظواهر الاجتماعية في ذهن الباحث شكلاً تجريدياً ويصبح التجريد العلمي شكلاً ضرورياً لا غنى عن استخدامه في تحليل وتركيب الظواهر الاجتماعية المختلفة .
3- التجريد العلمي للظواهر الاقتصادية : ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1))

يفهم من التجريد عادة أنه الانسلاخ عن الواقع الموضوعي . أو هو عبارة عن حالة تصور ذهني لا ارتباط بينها وبين الواقع المحدد والملموس إلا أن هذا التفسير لفكرة التجريد يتعارض مع المفهوم الدقيق للتجريد العملي.
إن التجريد العلمي هو طريقة من طرائق البحث العلمي يمكن استخدامها عند دراسة نظام متشابك من الظواهر . فنحن نلاحظ أن النظام الاقتصادي يتألف من مجموعة من الظواهر والعلاقات الاقتصادية المتعددة الجوانب والأشكال . وهذه الظواهر والعلاقات تشكل في ترابطها الصورة المحددة والملموسة لهذا النظام ، بالرغم من أن بعضها يظهر للعيان وكأنها ظواهر منفصلة عن بعضها البعض . فنحن ترى السلعة والنقد أحياناً باعتبارهما ظاهرتين اقتصاديتين مستقلتين علماً أنهما تشكلان فيما بينهما نظاماً مترابطاً من العلاقات السلعية – النقدية .
إن المعرفة الملموسة والشاملة لأي نظام اقتصادي تستلزم الإحاطة بكل جوانبه وعناصره ، والإحاطة كذلك بالعلاقات الضمنية القائمة بين هذه الجوانب والعناصر الاقتصادية المختلفة . ولكن حتى نتمكن من الوصول إلى المعرفة الشاملة والملموسة وجب عدم دراسة النظام الاقتصادي ككل. ونظراً لصعوبة البحث في تناول هذا النظام دفعة واحدة فلا بد من اللجوء إلى التبسيط أي تحليل النظام إلى العناصر والأجزاء المكونة له والبحث في كل جزء على حدة . ومن خلال تركيب المعرف الجزئية للظواهر المختلفة يمكن التوصل إلى المعرفة الشاملة حول النظام ككل . وعندما نقوم بتجريد ظاهرة اقتصادية عن بقية الظواهر فإن مثل هذا التجريد لا يعني بأي حال من الأحوال الانسلاخ عن الحقائق الموضوعية بقدر ما يقصد به أسلوب في المعالجة العلمية لجوانب النظام الاقتصادي بصورة متدرجة وانتقالية . والتجريد بهذا المعنى يهدف إلى تسهيل البحث العلمي من أجل التوصل إلى نتائج علمية محددة .
إن التجريد العلمي متخذ في ذهن الباحث الاقتصادي مراحل مختلفة , ففي المرحلة الأولى يجب تحديد الشكل الخارجي للظاهرة موضوع البحث وفي المرحلة الثانية ينتقل للتحليل من تحديد الشكل إلى تحديد جوهر ومحتوى الظاهرة الاقتصادية.
وإذا أمكن تحديد العناصر والعلاقات الضمنية المكونة للظاهرة أمكن بالتالي معرفة عوامل نشوء الظاهرة واتخاذها شكلاً معيناً . وبعد الانتهاء من دراسة ظاهرة معينة تبدأ المرحلة التالية في بحث ظاهرة أخرى وهذا حتى يمكن بالنهاية الوصول إلى معرفة وإدراك طبيعة جميع الظواهر الاقتصادية ومن ثم العلاقات الضمنية والترابط بين هذه الظواهر .
ويتم التعبير عن المعرفة العلمية بواسطة مجموعة من المفاهيم والمقولات الاقتصادية فعندما يتم البحث في طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي مثلاً فإن هذا البحث يتوصل في النهاية إلى تحديد علاقاته في صورة مفاهيم ومقولات اقتصادية محددة . إن دراسة كل من السلعة والنقد والقيمة ورأس المال والربح والفائدة توضح جانباً معيناً من الاقتصاد الرأسمالي . وبإيجاد العلاقة فيما بينها جميعاً يمكن أن نوضح الجوانب المتعددة للعلاقات الاقتصادية في النظام الرأسمالي .
ولابد أخيراً من إبداء الملاحظات التالية بخصوص المنهج في علم الاقتصاد:
آ- أن العلاقات الاقتصادية بصورة عامة ليست علاقات ساكنة وإنما هي علاقات تتصف بالديناميكية والتغير والحركة والانتقال من شكل إلى آخر . وإن طريقة البحث يجب أن تتناول أيضاً حركة التغير في هذه العلاقات أي يجب أن تتناول نشوءها وتغيرها في آن واحد.
ب- أن هذا التغير في العلاقات الاقتصادية يتخذ صورة الانتقال من الأشكال البسيطة إلى الأشكال المركبة – وإن طريقة البحث تبدأ عاجة من دراسة الأشكال البسيطة وتنتهي بدراسة الأشكال الأكثر تعقيداً . إن دراسة النظام الرأسمالي مثلاً أول ما تتناول دراسة السلعة باعتبارها أبسط أشكال الظواهر الاقتصادية ثم تنتقل إلى دراسة الظواهر المعقدة .
جـ - إن عالم الاقتصاد يختار لموضوع البحث الحقائق الجوهرية والأساسية ويترك جانباً الظواهر العارضة والتي تظهر بفعل الصدفة .
د – بالرغم من أن التجريد العلمي يبقى أسلوباً أساسياً وملائماً لتحليل الظواهر الاقتصادية . إلا أن ذلك لا يعني استحالة اللجوء إلى التجارب التطبيقية في الميادين الاقتصادية إذ من الممكن إجراء التجارب على بعض الإجراءات الاقتصادية في نطاق مؤسسة اقتصادية واحدة وذلك للتأكد من إمكانية تعميم نتائج هذه التجربة في المجالات الاقتصادية الأخرى .
4- المذاهب في علم الاقتصاد :
إذا كانت المهمة الأساسية لعم الاقتصاد هي البحث في العلاقات والقوانين الاقتصادية السائدة في المجتمعات الاقتصادية المختلفة . يمكن لنا حينئذ أن نستنتج بعض الملاحظات الأساسية :
1- – إن دراسة علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع تتم من خلال ربط أشكال هذه العلاقات مع أشكال ومستوى تطور القوى المنتجة . نظراً لأن هذين العنصرين يشكلان معاً نمط الإنتاج الاجتماعي .
2- نظراً للأهمية التي تحتلها العلاقات الاقتصادية في نظام العلاقات الإجتماعية فهي تؤثر وتتأثر بأشكال العلاقات الاجتماعية الأخرى كالعلاقات الحقوقية و السياسية إلا أن علم الاقتصاد لا يتعرض عادة إلى العلاقات الاجتماعية الأخرى إلا ضمن الخطوط العامة للنتائج المترتبة على العلاقة المتبادلة بينها وبين العلاقات الاقتصادية .

3- يتعرض علم الاقتصاد إلى السياسة الاقتصادية للدولة والإجراءات التي تتخذها في المجال الاقتصادي . لأن لهذه السياسة وهذه الإجراءات عادة تأثيرها الخاص على مجرى الحياة الاقتصادية وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية . وبهذه المناسبة من المفيد لفت الانتباه إلى أن ما يسمى بالقوانين الاقتصادية التي تصدرها الدولة أمر آخر يختلف كلياً عن مفهوم القوانين الاقتصادية الموضوعية التي أشرنا إليها في فقرة سابقة .
وفي علم الاقتصاد كما في أي علم اجتماعي آخر ، توجد مدارس ومذاهب مختلفة . فالمدرسة الذاتية في الاقتصاد تعد العلاقة الاقتصادية علاقة ذاتية بحتة بين الإنسان والأشياء . وحسب هذا الاتجاه فإن الموقف الذاتي للإنسان والذي يعكس مجموعة المشاعر والدوافع النفسية للسلوك الاقتصادي هو الذي يشكل موضوع علم الاقتصاد. وفيما بعد سنرى كيف أن بعض نظريات القيمة الذاتية كنظرية المنفعة ونظرية المنفعة الحدية تتبنى المذهب الذاتي في تفسير القيمة . كما نرى أن كينز وأنصاره يتخذون من علم النفس أحد المنطلقات الأساسية في تفسيرهم للعلاقات والظواهر الاقتصادية .
أما المدرسة الموضوعية فهي تعتبر العلاقات الاقتصادية علاقات موضوعية وتخضع للقوانين الموضوعية التي تفعل فعلها خارج إرادة ووعي الإنسان . وحسب هذا الاتجاه لا يمكن الأخذ بالدوافع النفسية والسلوك الذاتي لتفسير جوانب الحياة الاقتصادية . فالسلوك الذاتي والدوافع الذاتية ما هي إلا شكل من أشكال الوعي الاجتماعي الذي يتحدد من ناحية أخرى بفعل شروط الحياة الموضوعية المختلفة التي تحيط بالإنسان . وهذه المدرسة ترفض أن يكون علم النفس وما شابهه مفتاحاً لإدراك أبعاد الحياة الاقتصادية . وإنما على العكس من ذلك فإن إدراك القوانين الموضوعية للحياة الاقتصادية هو الذي يساعد على فهم الدوافع النفسية للسلوك الاقتصادي والأشكال التي يتخذها في المراحل المختلفة للتطور الاجتماعي .

أسئلة نموذجية للتفكير والمساعدة على استيعاب محتويات الفصل:

- ما هو المقصود بموضوع علم ما من العلوم الطبيعية أو الاجتماعية وموضوع علم الاقتصاد بصورة خاصة (الحاجات ـ وسائل إشباعها) ؟
- عملية العمل والإنتاج هي علاقة بين الإنسان والطبيعة وعلاقة ذات طبيعة اجتماعية ، ما هي عناصر عملية العمل ؟ وما هو الفارق بين النشاط الإنساني (العمل) والنشاط الحيواني ـ الناتج أو المنتج حصيلة عملية العمل ؟
- ما هو المقصود بإنتاجية العمل ؟ و ما هي أهم العوامل لتحقيق زيادة إنتاجية العمل ؟
- التعاون في العمل وأشكاله ـ ما هو المقصود بتقسيم العمل وأشكاله المختلفة؟
- إن الغاية من عملية الإنتاج تحقيق عملية الاستهلاك وتتوسط بينهما عمليتي. التبادل والتوزيع ـ ما هو شكل العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك ؟ ـ ما هو المقصود بالتبادل والتوزيع ؟ـ هل تشكل هذه العمليات وحدة متكاملة ومترابطة؟ وما هو المقصود بعملية إعادة أو تجديد الإنتاج؟
- نمط الإنتاج الاجتماعي هو نظام متكامل من القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج , ما هي عناصر القوى المنتجة وأشكال علاقات الإنتاج؟
- القانون الاقتصادي قانون اجتماعي موضوعي ـ ما هو المقصود بالقانون الموضوعي ؟ وما هي أنواع القوانين الاقتصادية؟
- إن البحث العلمي يتطلب إيجاد أساليب تسهل عملية البحث, ما هو أسلوب التحليل والتركيب؟ ماذا يعني التجريد العلمي وأهميته في دراسة الظواهر والعلاقات الاقتصادية؟
- ما هي أهم المذاهب والمدارس في علم الاقتصاد ؟
الفصل الثاني

النظام الاقتصادي الرأسمالي

( أساسيات )



البحث الأول

السلعة والنقد
تمهيــــــد :
تضمنت الفصول السابقة دراسة تاريخية عن اقتصاديات المجتمعات التي سبقت ظهور المجتمع الرأسمالي. وكانت هذه الدراسة تهدف إلى توضيح نشوء وتطور العلاقات الاقتصادية والقوانين السائدة في هذه المجتمعات وبشكل خاص القانون الاقتصادي الأساسي .
وقد رأينا كيف أن علاقات الاقتصاد الرأسمالي كانت قد بدأت بالظهور في مرحلة معينة من تطور المجتمع الإقطاعي . ولكن قبل البدء بدراسة النظام الاقتصادي الرأسمالي يجب إبداء الملاحظات التالية :
أ‌- في المجتمعات السابقة للنظام الرأسمالي كان الاقتصاد الطبيعي هو الطابع الغالب والعام للحياة الاقتصادية والنشاط الاقتصادي أي أن هذه المجتمعات كانت تهدف من عملية الإنتاج إلى تحقيق الاستهلاك المباشر دون أن يخضع الجزء الأكبر من المنتجات للتبادل في السوق أي أن الإنسان ينتج بهدف تحقيق رغباته واحتياجاته الشخصية المباشرة .
وإلى جانب الاقتصاد الطبيعي ظهرت علاقات التبادل وتطورت تدريجياً العلاقات السلعية – النقدية بدرجات متفاوتة حسب تطور تقسيم العمل الاجتماعي والحاجة إلى تبادل المنتجات . إلا أن علاقات التبادل والعلاقات السلعية – النقدية بقيت محصورة في حدود معينة ولم تصبح هي الطابع العام والغالب على العلاقات الاقتصادية رغم أنها نسبياً كانت أكثر تطوراً في النظام الإقطاعي منها في نظام الرق . وقد ساهمت هذه العلاقات السلعية – النقدية في انهيار الاقتصاد الطبيعي التي تتنافى مع محتوى هذا الاقتصاد الذي لا يهدف إلى التبادل في السوق . وقد ظهرت عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في الاقتصاد الطبيعي وفق المراحل التالية .
الإنتاج - التوزيــــع - الاستهلاك
ب – على العكس من ذلك فإن الاقتصاد الرأسمالي اقتصاد سلعي . وعندما نقول اقتصاد سلعي فإننا نعني بأن القسم الأعظم من المنتجات يأخذ شكل السلعة أو البضاعة أي أنها تخضع للتبادل والبيع في السوق قبل أن تنقل من عملية الإنتاج إلى عملية الاستهلاك :
الإنتاج – التبادل – التوزيع – الاستهلاك

إن أهم صفات النظام الرأسمالي تكمن في أن العلاقات السلعية – النقدية والتي بدأت بالتكون في المجتمعات السابقة للرأسمالية أصبحت هي الطابع الغالب في الاقتصاد الرأسمالي ، أي أن علاقات الإنتاج والعلاقات الاقتصادية عموماً تأخذ شكل العلاقات السلعية – النقدية .
فإذا كانت العلاقات السلعية – النقدية في المجتمعات السابقة للرأسمالية لا تبدو كظاهرة عامة في إطار الاقتصاد الطبيعي فإنه لا يمكن التفكير بوجود النظام الرأسمالي دون وجود وانتشار علاقات التبادل والتي تأخذ شكل العلاقات السلعية – النقدية .
جـ – لقد أشرنا في الفصل السابق بخصوص منهج وأسلوب علم الاقتصاد إلى أن المعرفة العلمية للعلاقات الاقتصادية المتشابكة تقتضي دراسة الأشكال والظواهر الاقتصادية الأكثر بساطة ثم الانتقال منها إلى العلاقات والظواهر الأكثر تعقيداً . وهذا ينطبق على الظواهر الطبيعية و الظواهر الاجتماعية ومنها الظواهر الاقتصادية . وكما في العلوم الكيميائية حيث يبدأ التحليل العلمي بتحليل العناصر الكيميائية المكونة للظواهر الطبيعية – البسيط منها والمعقد – كما يشمل ذلك أيضاً البحث عن العلاقات التي تربط بين هذه العناصر ، كذلك في علم البيولوجيا يبدأ التحليل العلمي بدراسة الخلية وهي أبسط وحدة في الجهاز العضوي . إذ أن دراسة الخلية شرط لابد منه لفهم وإدراك العلاقات العضوية كلها . وإذا أردنا تطبيق هذا المنهج العمي على الظواهر الاقتصادية في النظام الرأسمالي فإنه من الضروري عند استخدام منهج علم الاقتصاد في دراسة وتحليل هذه الظواهر الانتقال من الشكل البسيط الذي بدأ به النظام الرأسمالي إلى العلاقات المعقدة ، لأن الناتج يتحول هنا إلى سلعة والسلعة تعد الخلية الاقتصادية الأساسية في النظام الرأسمالي .
إن دراسة السلعة أولاً ثم النقد ثانياً باعتبارهما الأشكال البسيطة والأولى في النظام الرأسمالي يتفق مع المنهج العلمي في تحليل النظام الرأسمالي . إن هذه الدراسة للسلعة والنقد تمكننا من فهم العلاقات الأكثر تعقيداً في النظام الرأسمالي وهي تعد شرطاً ضرورياً لابد منه لدراسة العلاقات الرأسمالية الأساسية كالعلاقة بين رأس المال والأجر ودراسة أشكال رأس المال وغيرها من الأشكال والعلاقات الرأسمالية .
وإلى جانب دراستنا للعلاقات والظواهر الرأسمالية الأساسية والأولية والتي تعبر عنها السلعة والنقد فإننا سوف نلجأ إلى مقارنة العلاقات الاقتصادية الرأسمالية بالعلاقات التي يتصف بها الإنتاج السلعي البسيط . فقد كان الإنتاج السلعي البسيط يمثل في مرحلة سقوط الإقطاع الأساس في نشوء النظام الرأسمالي والعلاقات الرأسمالية ، أي أنه كان يمثل البذور الأساسية التي تكونت منها الرأسمالية .
ويفهم من الإنتاج السلعي البسيط الإنتاج الذي يقوم به الحرفيون والفلاحون الصغار الذين يملكون وسائل إنتاج خاصة بهم ويقومون بالعمل لصالحهم الخاص المباشر عن طريق إنتاج السلعة بيعها في السوق . إن الملامح الأساسية التي تصف الإنتاج السلعي البسيط هي :
1-وجود تقسيم اجتماعي في العمل ، أي أن كل منتج لا يستطيع أن يشكل بمفرده اقتصاداً متكاملاً . فهو ضمن مجموعة كبيرة من المنتجين يتخصص كل منهم بعمل معين والناتج المتحقق من عملهم لا يخدم رغباتهم بشكل مباشر وإنما يباع في السوق وهو بذلك يجب أن يشبع احتياجات الآخرين الذين يقومون بشراء هذا الناتج .
2-استقلالية هؤلاء المنتجين ، إذ أن اقتصادهم يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللناتج المتحقق .
لقد كان الإنتاج السلعي البسيط أكثر الأشكال شيوعاً في المرحلة ما قبل الرأسمالية وظل يحتل حيزاً كبيراً في عملية الإنتاج في المراحل المبكرة للرأسمالية إلا أن التطور اللاحق للرأسمالية أدى تدريجياً إلى زوال هذا الشكل البسيط في الإنتاج ليحل محل الإنتاج الرأسمالي الكبير . وبالرغم من أنه يلاحظ وجود مظاهر وبقايا هذا الشكل البسيط في الإنتاج إلا أنه لا يحتل مكانة أساسية في عملية الإنتاج الرأسمالي والعلاقات الرأسمالية .

البحث الثاني
الســــــلعة
يطلق اسم السلعة على الناتج الذي تحققه عملية الإنتاج من أجل التبادل . وعندما ينظر المرء إلى السلعة كما تبدو في عملية التبادل في السوق فإنه يلاحظ أن لهذه السلعة صفتين أساسيتين . الصفة الأولى هي أن السلعة شيء مادي يشبع حاجة إنسانية معينة ( كالخبز الذي يشبع حاجة الإنسان إلى الغذاء ) وهذه الصفة هي ما يطلق عليها عادة القيمة الاستعمالية . أما الصفة الثانية التي تملكها السلعة فهي إمكانية مقايضتها بسلعة أخرى وفق نسبة معينة وهذه الصفة الثانية للسلعة هي ما ندعوه بالقيمة التبادلية .
1- القيمة الاستعمالية للسلعة :
تستطيع القيمة الاستعمالية للسلعة أن تلبي نوعين من الحاجات ، النوع الأول و هو ما يطلق عليه الحاجات الإنتاجية كالقيمة الاستعمالية التي تحملها الآلة والمواد الأولية التي تخدم حاجات عملية الإنتاج . أما النوع الثاني فإنه يتمثل في الحاجات الشخصية الإنسانية المادية منها والمعنوية كالألبسة والمواد الغذائية والتي تلبي حاجات إنسانية مادية بينما تلبي القيمة الاستعمالية التي يحملها الكتاب والمذياع حاجات إنسانية معنوية .
إن القيم الاستعمالية التي تحملها السلع تشكل المحتوى المادي للثروة الاجتماعية وإن استمرار وجود الفرد والجماعة يتطلب استمرار إنتاج هذه القيم الاستعمالية فالفرد مثلاً يحتاج بصورة دائمة إلى المواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية . صحيح أن الطبيعة تمنح الإنسان أنواعاً مختلفة ومتعددة من القيم الاستعمالية كالهواء والماء مثلاً ولكن هذه القيم الاستعمالية تكون جاهزة في الطبيعة دون أن يحتاج الإنسان إلى بذل أي جهد في تحقيقها أما القسم الأعظم من القيم الاستعمالية فإنه يتجسد في السلع التي ينتجها العمل الإنساني .
وحتى يتحول الناتج الذي يحققه العمل إلى سلعة يجب أن يتوفر فيه المقدرة على إشباع حاجات الآخرين . فلقد كان الهدف من الناتج في الاقتصاد الطبيعي هو إشباع حاجات المنتجين المباشرة له. أما إذا كانت السلعة تعني الناتج الخاضع للتبادل مع الآخرين فيجب أن يتوفر فيها شرط إشباع حاجات الآخرين وباختصار يجب على القيمة الاستعمالية للسلعة أن تمثل قيمة استعمالية اجتماعية.

ولكن ليس من الضروري أن يتحول كل ناتج يحمل قيمة استعمالية تشبع حاجات الآخرين إلى سلعة. فعندما يقدم الفلاح إلى الإقطاعي قسماً من الناتج المتحقق في أرضه على شكل ريع الأرض فإن هذا القسم من الناتج لا يخدم حاجات الفلاح وإنما يلبي حاجات الآخرين وهم الإقطاعيون في هذه الحالة . وهذا القسم من الناتج المسمى بالناتج الفائض لا يتحول إلى سلعة . لأن هذا الناتج الفائض يقدم إلى الإقطاعي بدون مقابل أي دون تبادل بسلعة أخرى . ولذا يمكن الاستنتاج بأنه بالإضافة إلى ضرورة توفر القيمة الاستعمالية يجب أن يتوفر في الناتج وجود قيمة تبادلية له حتى يصبح هذا الناتج سلعة . أي يجب مبادلة القيمة الاستعمالية للناتج بقيم استعمالية أخرى وفق نسب معينة . وباختصار يجب أن يتوفر في الناتج شرطان أساسيان حتى يتحول إلى سلعة : القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية .
ففي الاقتصاد الطبيعي ( الإنتاج من أجل الاستهلاك المباشر ) يكون للناتج قيمة استعمالية ولكنه لا يحمل قيمة تبادلية . وفي هذه الحالة لا يتحول الناتج إلى سلعة . فالقيمة الاستعمالية تتوفر إذن في الناتج سواء استخدم من أجل الاستهلاك المباشر أم استخدم كسلعة للتبادل بسلعة أخرى . أما في الاقتصاد السلعي كالاقتصاد الرأسمالي فالقيمة الاستعمالية وهي المحتوى المادي للسلعة يجب أن تحمل صفة اجتماعية أخرى هي القيمة التبادلية .
وبكلمة أخرى ليس كل ناتج سلعة وإنما كل سلعة هي ناتج خاضع للتبادل يحمل قيمة استعمالية وقيمة تبادلية .
2- القيمة التبادلية :
تبدو القيمة التبادلية للوهلة الأولى عبارة عن علاقة تبادل بين كميات من سلع مختلفة أو عبارة عن تناسب يتم بموجبه تبادل قيم استعمالية لسلع متباينة فعندما يتم تبادل قميص مقابل حذاء فهذا يعني أن القيمة التبادلية للقميص الواحد تساوي حذاءً واحداً فقط .
ومن المعلوم أن منتجي السلع يقومون بعملية تبادل السلع منذ زمن طويل ، أحياناً بصورة مباشرة أي سلعة مقابل سلعة وهذا ما ندعوه بالمقايضة ، ثم أصبح تبادل السلع فيما بعد يأخذ شكلاً غير مباشر أي بواسطة النقد . فالمنتج يبيع السلعة بالنقد حتى يحصل على سلعة أخرى بواسطة النقد . وفي الفترة القادمة عندما ندرس أشكال القيمة فإننا سوف ننتقل من الشكل البسيط المباشر للتبادل إلى الأشكال المعقدة وغير المباشرة . أي أن هذه الدراسة ستتناول الجانب التاريخي في تطور أشكال التبادل . لأن فهم الأشكال البسيطة والأولية في التبادل سيساعدنا على فهم الأشكال الأكثر تعقيداً . إلا أن هذه الدراسة سوف لا تقتصر على أشكال القيمة التبادلية . وقد أثار محتوى وجوهر التبادل جدلاً كبيراً بين علماء الاقتصاد الكلاسيكيين منهم والمعاصرين . وهذا الاهتمام الذي أثاره موضوع القيمة يمكن تفسيره بأن الاقتصاد الرأسمالي الذي بدأ بالظهور في القرن السابع عشر هو كما ذكرنا اقتصاد سلعي أي أن الناتج يتحول إلى سلعة له قيمة استعمالية وقيمة تبادلية . ففي الاقتصاد الطبيعي عندما يقوم الإنسان بالإنتاج من أجل الاستهلاك المباشر وليس بهدف التبادل في السوق فمن الطبيعي إذن ألا يثير موضوع القيمة التبادلية أي اهتمام نظري أو عملي . أما في الاقتصاد الرأسمالي السلعي فإن الإنسان ينتج من أجل التبادل في السوق وتحقيق الربح . ولهذا كان من الطبيعي أن يهتم علماء الاقتصاد بدراسة وتحليل القيمة التبادلية . فإذا قلنا أنه من الضروري أن يتوفر في السلعة قيمة استعمالية فهذا أمر مفروغ منه لأن الناس لا يشترون السلع في السوق بدون أن يكون لها قيمة استعمالية تقوم بإشباع حاجة إنسانية معينة أما ما يثير الجدل والاهتمام فهو القيمة أو القيمة التبادلية في السوق .لأن المنتج الرأسمالي يهمه كثيراً أن يعرف فيما إذا كانت السلعة تحقق قيمتها التبادلية في السوق أم لا . لأن تحقيق الربح يتوقف على السعر الذي تباع به السلعة في السوق .
حول موضوع القيمة والقيمة التبادلية توجد نظريات مختلفة كل منها يحاول تفسير القيمة من وجهة معينة . فظاهرة القيمة والقيمة التبادلية في السوق ليست ظاهرة طبيعية لا يختلف اثنان حول صحة القوانين التي تحكمها ، وإنما هي ظاهرة اقتصادية اجتماعية . وفي أية ظاهرة اجتماعية اقتصادية تتباين الآراء حول تفسير محتوى هذه الظاهرة . إذن يمكن تصوير صفات وشروط السلعة بالشكل التالي :
القيمة الاستعمالية
السلعة
القيمة التبادلية
هي مجموعة الصفات المادية التي تحملها السلعة والتي بواسطتها يمكن تلبية حاجات الفرد والمجتمع . وهي :
1- قيم استعمالية تلبي حاجات الفرد كالمواد الغذائية
2- قيم استعمالية تلبي حاجات الإنتاج كالآلة والمواد الأولية
هي الناتج الذي يلبي حاجات إنسانية والخاضع للتبادل مع ناتج آخر
هي علاقة تناسب يتم بموجبها تبادل سلعة مقابل سلعة أخرى وهي في جوهرها علاقة بين منتج ومنتج أخر يتبادلان فيما بينهما نتاج عملهما. مثال :
( فأس = 20 كغ حبوب )

وقد لاقت دراسة القيمة التبادلية اهتماماً خاصاً . وتناولت هذه الدراسة أشكال القيمة التبادلية التي صادفتها عملية التبادل عبر مراحل التطور التاريخي للعلاقات التبادلية كما أن هذه الدراسة لم تقتصر على شكل القيمة التبادلية وإما تناولت أيضاً محتوى وجوهر القيمة التبادلية والذي كان الموضوع الأساسي لنظريات القيمة .
3- أشكال القيمة التبادلية :
نشأ التبادل كما أشرنا في مرحلة من التطور الاقتصادي تميزت بظهور التقسيم الاجتماعي للعمل. ومنذ ذلك الحين اتخذت القيمة التبادلية أشكالاً تنسجم مع مستوى ودرجة تطور العلاقات التبادلية كان آخرها الشكل النقدي للقيمة . وهذا الشكل لم يكن في الماضي هو الشكل الشائع والمألوف الذي ساد العلاقات التبادلية وإنما سبقته إلى الظهور أشكال مختلفة للقيمة التبادلية . ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1))
3-1- الشكل البسيط :
إن أقدم أشكال القيمة هو ما يطلق عليه عادة الشكل البسيط والعفوي للقيمة التبادلية . وكان هذا الشكل منسجماً مع الأشكال البدائية للعلاقات التبادلية وقد بدأت بين عدد محدود من المنتجين الذين تكون لديهم فائض من الناتج . وهكذا انحصرت عملية التبادل في حدود ضيقة للغاية وذلك بسبب انعدام التنوع في السلع الخاضعة للتبادل فضلاً عن محدودية الإنتاج وانخفاض مستواه وهذا والتبادل الذي ظهر في شكل سلعة مقابل سلعة أخرى كان يتم غالباً بصورة عفوية وتحكمه الصدفة التي تجمع بين المتبادلين ، إذ انعدمت في تلك المرحلة العلاقات التبادلية المنظمة التي تتسم عادة بالدورية والتكرار . وحسب الشكل البسيط للقيمة فإن التعبير عن قيمة سلعة ما يتم بواسطة سلعة أخرى معادلة لها . كأن نقول مثلاً :
س سلعة آ = ع سلعة ب
أو 10 م نسيج = 40 كغ حبوب
وتبدو هذه المعادلة التبادلية البسيطة على شكل علاقة كمية بين السلعة آ وهي النسيج وبين كمية من السلعة ب وهي الحبوب . وهذا الشكل البسيط للقيمة يشترط إذن وجود طرفين في المعادلة التبادلية بين سلعة وسلعة أخرى .ففي الطرف الأول تقف السلعة آ تبحث عن قيمتها في سلعة أخرى ب والتي تقف في الطرف المقابل لتقوم بعملية التعبير عن قيمة السلعة الأولى . أي أننا ننسب السلعة آ التي تبحث عن قيمتها إلى سلعة أخرى ب وهي تعبر عن قيمة السلعة الأولى . فالسلعة الأولى آ- ( النسيج ) يطلق عليها السلعة المنسوبة بينما تمثل السـلعة ب ( الحبوب ) السلعة المعادلة أي التي تجسد القيمة المعادلة للسلعة المنسوبة .
3-2- الشكل الواسع :
بفعل التطور الكمي والنوعي الذي تحقق في عملية الإنتاج توسعت نسبياً العلاقات التبادلية وتنوعت المنتجات الخاضعة للتبادل وقد حل الشكل الواسع محل الشكل البسيط للتبادل . وحسب هذا الشكل فإن السلعة التي يراد مبادلتها لا تجد مقابلها سلعة واحدة معادلة لها كما هو الحال في الشكل البسيط . وإنما أصبح بالإمكان في الشكل الواسع للقيمة التبادلية مقارنة وقياس السلعة ( آ ) بعدد من السلع يقوم كل منها بدور المعادل لها ، أي أن السلعة المنسوبة تجد تعبيراً عن قيمتها في عدد من السلع وهذه السلع التي يعبر كل منها عن قيمة السلعة المنسوبة تشكل السلع المعادلة :
شكل القيمة

السلعة المعادلة

السلعة المنسوبة

س سلعة آ ( 10 م نسيج )





الشكل البسيط

ع سلعة ب(40كغ حبوب)


2-2- الشكل الواسع :
بفعل التطور الكمي والنوعي الذي تحقق في عملية الإنتاج توسعت نسبياً العلاقات التبادلية وتنوعت المنتجات الخاضعة للتبادل وقد حل الشكل الواسع محل الشكل البسيط للتبادل . وحسب هذا الشكل فإن السلعة التي يراد مبادلتها لا تجد مقابلها سلعة واحدة معادلة لها كما هو الحال في الشكل البسيط . وإنما أصبح بالإمكان في الشكل الواسع للقيمة التبادلية مقارنة وقياس السلعة ( آ ) بعدد من السلع يقوم كل منها بدور المعادل لها ، أي أن السلعة المنسوبة تجد تعبيراً عن قيمتها في عدد من السلع وهذه السلع التي يعبر كل منها عن قيمة السلعة المنسوبة تشكل السلع المعادلة :
س سلعة آ = ع سلعة ب
أو
ه سلعة د
أو
ن سلعة ل
ويظهر الشكل الواسع في القيمة في العلاقة التالية :
شكل القيمة

السلعة المنسوبة

السلعة المعادلة

الشكل الواسع 1 رأس ماشية = 40 كغ حبوب
أو
=10 م نسيج
أو
=2فأس
أو
=3 غرام ذهب وهكذا
وكما يبدو من هذه المعادلة فإن التبادل لا يزال يقوم على الشكل المباشر للتبادل فكما هو الحال في الشكل البسيط فإنه يتم حسب الشكل الواسع مبادلة سلعة ما مقابل إحدى السلع المعادلة لها . إلا أن الشكل الواسع وخلافاً للشكل البسيط قد تصادفه بعض الصعوبات . فالتبادل في الشكل البسيط كان مقتصراً على سلعتين دون أن تصادفه أية صعوبات إذ يشترط فقط توفر الحاجة والرغبة لدى المتبادلين في تملك كل منهما لسلعة الأخرى . إلا أن الصعوبة قد تظهر في الشكل الواسع عندما يريد صاحب الماشية مثلاً الحصول على حبوب إلا أن مالك الحبوب لا يحتاج إلى ماشية وإنما إلى نسيج ، وهكذا تزداد عملية التبادل تعقيداً كلما تزايد عدد المنتجات التي تدخل نطاق التبادل وكلما وجدت السلعة التي يراد تبادلها عدداً أكبر من السلع المعادلة لها . إلا أنه أمكن مع مرور الزمن التغلب نسبياً على هذه الصعوبات عندما حل الشكل العام للقيمة محل الشكل الواسع للقيمة التبادلية .
3-3- الشكل العام للقيمة :
وحسب هذا الشكل فإن السلعة المنسوبة التي يراد مبادلتها لا تجد أمامها مجموعة من السلع معادلة لها وإنما سلعة واحدة تكون بمثابة المعادل العام لجميع السلع . فقد انفصلت من بين مجموعة السلع سلعة واحدة تحمل بعض الصفات الخاصة واتفق عليها لتكون الشكل العام والمعادل للقيمة . إذ أصبح بإمكان أي منتج أن يبادل سلعته مقابل سلعة واحدة وبواسطة هذه الأخيرة يستطيع الحصول على أية سلعة أخرى وبذلك حل الشكل العام للقيمة محل الشكل الواسع للقيمة وأصبح شكل التبادل والقيمة التبادلية كالتالي:

ع سلعة ب =
أو
وسلعة ت = س سلعة آ
أو
ه سلعة ث =
وهكذا

كما يمكن تمثيل هذه المعادلة بالشكل التالي :

شكل القيمة

القيمة أو السلعة المنسوبة

القيمة أو السلعة المعادلة


الشكل العام

40 كغ حبوب =
أو
20 م نسيج =
أو 1 رأس ماشية
2 فأس =
أو
3 غرام ذهب =

وحسب هذا المثال تقوم الماشية بدور المعادل العام لقيم جميع السلع الأخرى وأصبح ممكناً بواسطة هذه السلعة التعبير عن قيم جميع السلع الأخرى ، وأصبح هناك شكل موحد لتبادل جميع السلع مقابل سلعة واحدة ، وباستطاعة مالك الحبوب مثلاً مبادلة الحبوب بالماشية أولاً ثم مبادلة الماشية بأية سلعة يشاء ( نسيج مثلاً )
وفي تلك المرحلة التي وصلت إليها عملية التبادل قامت عدة سلع أحياناً بدور المعادل العام لجميع السلع الأخرى ، فإلى جانب الماشية وجدت الحبوب أيضاً كسلعة معادلة لجميع السلع . وقد اختلفت السلع التي تقوم بدور المعادل العام من مجتمع إلى آخر إذ تجد في مجتمع ما الماشية أو الحبوب وفي مجتمع آخر قد يكون النسيج أو الفرو هو المعادل العام بينما اختفت السلع الأخرى كشكل للقيمة المعادلة لباقي السلع وظهر بذلك الشكل النقدي للقيمة .
3-4- الشكل النقدي للقيمة :
في الشكل النقدي للقيمة بدأت المعادن الثمينة تقوم بدور المعادل العام لقيم جميع السلع الأخرى . إذ أن وجود بعض المزايا الخاصة بالمعادن الثمينة مثل وحدة الشكل وإمكانية التجزئة إلى وحدات كمية صغيرة وكذلك سهولة التداول وقدوتها على المقاومة وحفظ القيمة ، وقدرتها على التعبير عن قيمة كبيرة بكمية صغيرة منها بسبب ارتفاع قيمتها الخاصة نفسها ، كل هذه المزايا التي لا تتوفر في أية سلعة أخرى جعلت من الممكن أن تقوم المعادن الثمينة بهذا الدور كوسيلة قياس ومقارنة ومعادلة السلع بعضها البعض . وأصبح المعادل العام لباقي السلع يقتصر على سلعة واحدة بينما تعددت أحياناً السلع التي قامت بهذه الوظيفة في الشكل الواسع للقيمة . وأصبح شكل التبادل والقيمة التبادلية كالتالي :
شكل القيمة

القيمة أو السلعة المنسوبة

القيمة أو السلعة المعادلة


الشكل النقدي
40 كغ حبوب =
أو
10 م نسيج =
أو
1 رأس ماشية =
أو
2 فأس =




3 غرام ذهب









وقد ظهر النقد كمعال عام لجميع السلع الأخرى قيل الميلاد بزمن طويل وذلك عندما ظهرت المعادن الثمينة في بلاد الإغريق والإمبراطورية الرومانية . وتدريجياً حلت المعادن الثمينة محل السلع الأخرى كمعادل عام للقيمة وبصورة نهائية ، وقد ظل الذهب والفضة زمناً طويلاً يمارسان دور النقد جنباً إلى جنب إلى أن أصبح الذهب في أواخر القرن التاسع عشر المعادل النقدي الوحيد للقيمة .
إن ما يميز المعادن الثمينة هو وجود بعض الصفات الطبيعية فيها والتي لا تتوفر في باقي السلع الأخرى . وهذه الصفات هي :
آ – وحدة الشكل :
تتميز المعادن الثمينة بوحدة الشكل والتكوين . وهذه الصفة التي تميز المعادن الثمينة لها أهمية بالغة بالنسبة لقياس قيم السلع الأخرى . فعندما تتم مبادلة السلع بالذهب فإننا نقيس هذه السلع بالنقد الذهبي . وحتى يمكن التعبير عن قيم هذه السلع فمن الضروري أن تكون وحدات النقد ( الذهب أو الفضة ) ذات نوعية واحدة . ويبقى الفارق مقتصراً على الناحية الكمية فقط . فالوحدات النقدية من الذهب أو الفضة ذات شكل ومحتوى واحد . والفارق الوحيد بينهما هو أنها ذات أوزان مختلفة .
ب- تجزئة المعادن الثمينة :
خلافاً لأي سلعة أخرى كالفرو مثلاً فإنه بالإمكان تجزئة المعادن الثمينة إلى أجزاء يمثل كل جزء منها قيمة معينة . وإن تجزئة المعان الثمينة كالذهب والفضة لا تغير شيئاً من طبيعتها . وهذه الصفة التي تتميز بها المعادن الثمينة تسهل عملية تبادل السلع لأن كل سلعة لها قيمة خاصة بها . فالقيم التي تمثلها أجزاء المعدن الثمين تساعد على قياس القيم المختلفة للسلع الأخرى . فالليرة الذهبية مثلاً تنقسم إلى وحدات أصغر منها ويمكن بواسطة كل وحدة من هذه الوحدات قياس ومبادلة سلع مختلفة تحمل نفس القيمة التي تحملها هذه الوحدة .
جـ - سهولة التداول :
إن وحدات صغيرة الوزن من المعادن الثمينة ( الفضة أو الذهب ) تمثل قيمة مرتفعة وهي في نفس الوقت سهلة التداول والانتقال من يد وأخرى . ويمكن لهذه الوحدات الصغيرة أن تقوم بدور الوسيط في عملية تداول كمية كبيرة من السلع الأخرى .
د- المقاومة والمحافظة على القيمة :
إن المعادن الثمينة خلافاً لأية سلعة أخرى تتصف بإمكانية المقاومة والبقاء فترة طويلة من الزمن دون أن تفقد شيئاً كبيراً من القيمة التي تمثلها . وهذا ما كان ما يفسر قدرة الذهب أو الفضة على القيام بصورة دائمة بمهمة قياس قيم السلع الأخرى .
وخلاصة القول فإن تطور ظروف وشروط علاقات التبادل استلزم بالضرورة أن تقوم المعادن الثمينة في مرحلة ما من تطور هذه العلاقات بدور النقد . وقد خرجت المعادن الثمينة من مجموعة السلع الأخرى لتقوم بهذا الدور نظراً للصفات التي تمتلكها والتي سبق شرحها . إن المعادن الثمينة كسلعة لها قيمة استعمالية أساسية تنبثق من الصفات الطبيعية الكيميائية والفيزيائية التي تحملها ، وهذه الصفات تساعد على استخدام المعادن الثمينة في عملية الإنتاج وذلك عندما يتم إنتاج سلع الزينة أو عندما تستعمل في تركيب الأسنان الصناعية . إلا أنها عندما استخدمت كنقد فإن المعادن الثمينة حصلت على قيمة استعمالية أخرى بالإضافة إلى قيمتها الاستعمالية الأساسية فقد أصبحت تستخدم أيضاً لقياس قيمة السلعة ووسيلة لمبادلة السلع بعضها ببعض . فقد أصبح بإمكان المرء أن يبادل سلعته بالنقد ويحصل بواسطة هذا النقد على سلعة أخرى تلبي حاجاته ورغباته وهكذا فإن المعادن الثمينة بالإضافة إلى قيمتها الاستعمالية الأساسية أصبحت لها قيمة استعمالية أخرى عندما تستعمل كنقد وتقوم بدور المعادل العام أو المقياس العام لقيم جميع أنواع السلع . وفي مرحلة لاحقة من تطور الاقتصاد السلعي – النقدي حل تدريجياً النقد الورقي محل الذهب كمقياس للقيمة التبادلية وهو الشكل الشائع في الوقت الحاضر .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) فريدريك بولون – الاقتصاد العام – ترجمة د. شمس الدين عبد الإله صفحة 115
البحث الثالث
النقــد
تمهيد :
عند دراستنا لتطور أشكال القيمة التبادلية وجدنا أن النقد أصبح في النهاية هو المعادل العام لجميع قيم السلع الأخرى وأصبح بذلك الشكل السائد في معظم المجتمعات وفي علاقة التبادل في السوق تظهر السلعة في طرف والنقد في طرف آخر ، أي أن السلعة والنقد هما قطبا العلاقات التبادلية والتي تظهر على شكل نظام من العلاقات السلعية النقدية .
وقد بحثنا في الفصول والأبحاث السابقة موضوع السلعة ، ومن الضروري الإلمام أيضاً بموضوع النقد . لأنه لا يمكن الإحاطة بالاقتصاد السلعي الرأسمالي دون معرفة جوهر السلعة وماهية النقد .
وحتى يمكن تعرف النقد فلا بد من تحليل الوظائف الخاصة التي يقوم بها في عملية التداول في السوق .
2-وظائف النقد :
2-1- الوظيفة الأولى : مقياس القيمة ومعيار السعر .
إن الوظيفة الأولى التي يؤديها النقد هي وظيفة مقياس القيمة ومعيار السعر .
فعندما نقول أن قيمة أو سعر السلعة يعادل كذا من الوحدات النقدية ( الليرة مثلاً ) فإننا نقيس هذه القيمة وهذا السعر بالنقد .
ولكن حتى يستطيع النقد القيام بهذه الوظيفة يجب أن يحمل هو أيضاً قيمة . لأنه لا يمكن قياس أشياء ذات قيمة بواسطة شيء آخر لا يحمل أي قيمة . فإذا ما تم قياس قيمة السلع بالذهب فإن الذهب بحد ذاته يمثل قيمة وهكذا يصبح بالإمكان مقارنة قيم جميع السلع بمقياس نوعي واحد . وإن وجود هذا المقياس النوعي يجعل بالإمكان قياس ومقارنة السلع بعضها ببعض من الناحية الكمية . كان نقول أن سلعة ما تساوي ثلاثة غرامات من الذهب وسلعة أخرى تساوي ستة غرامات من الذهب . فكل من السلعتين تقاس بمقياس نوعي واحد هو الذهب والاختلاف هو فقط من زاوية الحم لأن قيمة السلعة الثانية تساوي ضعف قيمة السلعة الأولى ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)).
وإذا اتخذ النقد شكل الذهب وأمكن بواسطته قياس قيم السلع الأخرى فإن قيمة الذهب تقاس بنفس الوقت بواسطة القيم التي تمثلها السلع الأخرى وذلك حين يتم التناسب بين الذهب وغيره من السلع. إلا أنه يلاحظ أن قيمة السلعة تتغير باستمرار نتيجة تغير إنتاجية العمل ، وكذلك فإن قيمة الذهب لا تبقى ثابتة . لأن قيمة الذهب باعتباره سلعة ترتبط أيضاً بتغير إنتاجية الذهب . وإذا كان السعر هو التعبير النقدي من القيمة ( مثلاً أن سعر السلعة كذا غرام من الذهب ) فإن السعر يرتبط من ناحية بقيمة السلعة ومن ناحية أخرى بقيمة الذهب إذا كان الذهب هو المعادل النقدي العام لقيم جميع السلع الأخرى . ويمكننا أن نبين العلاقة بين قيمة السلعة وقيمة الذهب من جهة والسعر من جهة أخرى بالحالات التالية :

قيمة السلعة
قيمة الذهب
السعـــــر
الحالة الأولى
ارتفاع
ثابت
ارتفاع
الحالة الثانية
انخفاض
ثابت
انخفاض
الحالة الرابعة
ثابت
انخفاض
ارتفاع

وهكذا يتغير السعر بصورة طردية مع تغير قيمة السلعة وبصورة عكسية مع تغير قيمة الذهب . فإذا كانت قيمة السلعة مرتبطة بكمية العمل فإن ارتفاع كمية العمل تؤدي إلى زيادة القيمة وبالتالي السعر. والعكس صحيح عندما تنخفض كمية العمل المبذولة في إنتاج السلعة لأن ذلك يؤدي إلى انخفاض سعر السلعة . إلا أن تغير السعر لا يتوقف فقط على تغير قيمة السلعة وإنما أيضاً على تغير قيمة الذهب مثلاً إن :
20 كغ حبوب = 6 غرامات ذهب
فإذا بقيت قيمة الحبوب ثابتة بينما تضاعفت إنتاجية الذهب بحيث ينتج في الساعة اثنا عشر غراماً من الذهب بدلاً من ستة غرامات فإن قيمة الذهب تنخفض إلى النصف أي من عشر دقائق بالنسبة للغرام الواحد إلى خمس دقائق فقط . وفي هذه الحالة فإن معادلة التبادل السابقة تتغير لتصبح :
20 كيلو غرام حبوب = 12 غرام ذهب
وهكذا فإن انخفاض قيمة الذهب نتيجة زيادة إنتاجيته إلى الضعف يؤدي إلى زيادة سعر الحبوب ، أما إذا زادت قيمة الذهب إلى الضعف نتيجة تناقص الإنتاجية في إنتاجه إلى النصف وأصبح إنتاج الساعة الواحدة ثلاثة غرامات بدلاً من ستة غرامات فإن قيمة عشرين كيلو غراماً حبوب ستعادل قيمة ثلاثة غرامات ذهب فقط . وهكذا نرى بأن زيادة قيمة الذهب من عشر دقائق بالنسبة للغرام الواحد إلى عشرين دقيقة يؤدي إلى انخفاض سعر الحبوب من ستة غرامات ذهب إلى ثلاثة غرامات فقط. وفي القرن السابع عشر أدى اكتشاف الذهب في العالم الجديد إلى تزايد إنتاجيته وانخفاض قيمته من ناحية وإلى ارتفاع أسعار السلع من ناحية أخرى .
وحتى يقوم النقد بوظيفته الأولى في قياس القيمة فهناك ضرورة لتثبيت الوحدات النقدية التي تستخدم كمعيار الأسعار المختلفة . وهذه الوحدات النقدية تمثل عادة كمية محددة من النقد المعدني الثمين ( الذهب . مثلاً ) . وهذه الكمية تختلف من بلد إلى آخر فعلى سبيل المثال كان الروبل في روسيا عام 1897 يمثل كمية من الذهب تساوي 0.774 غ وكان الدولار الأميركي إلى وقت قريب يمثل 0.888 غرام من الذهب وذلك طبقاً لقيمته الاسمية المثبتة بموجب القانون .
2-2- الوظيفة الثانية : النقد وسيلة للتداول :
وفي هذه الحالة يمارس النقد وظيفته الثانية كوسيلة للتداول . وحتى يمكن فهم هذه الوظيفة من المفيد إجراء المقارنة بين شكل التبادل البسيط المباشر ( المقايضة ) أي :
ســــلعة – ســـــــلعة
وبين الشكل النقدي عندما أصبح النقد المعادل العام لجميع قيم السلع الأخرى بحيث أصبحت صورة التبادل السلعي النقدي على الشكل التالي :
ســـــــلعة - نقـــــد - ســــلعة
ففي الحالة الأولى يتم تبادل سلعة مقابل سلعة ، بينما يظهر النقد في الحالة الثانية كوسيلة للتداول ، حيث تباع السلعة مقابل النقد ويتم شراء سلعة أخرى بواسطة النقد أيضاً .
وفي حالة التبادل البسيط المباشر ( المقايضة ) تبدو عمليتا البيع والشراء عملية واحدة ويكون البائع هو المشتري في الوقت نفسه . أما في الحالة الثانية فإنه يوجد مرحلتان متمايزتان : في المرحلة الأولى يتم بيع السلعة بالنقد ، وفي المرحلة الثانية يتم شراء سلعة أخرى بالنقد . أي أن هناك انفصال زماني ومكاني بين عمليتي البيع والشراء أي بإمكان المرء أن يبيع السلعة بالنقد ويشتري سلعة أخرى في مكان آخر وزمان آخر .
وبواسطة النقد إذن يستطيع المرء أن يشتري أية سلعة يريدها وفي أي مكان وزمان يختاره بينما يبقى التبادل في الحالة الأولى محصوراً بين سلعتين فقط وهكذا فإن النقد هو الذي ينجز ويسهل عملية التداول السلعي في السوق عندما يقوم بدور الوسيط في عملية تداول العدد الكبير من السلع .
إلا أن السلعة تخرج من عملية التداول عندما تتحقق قيمتها في السوق وتذهب إلى عملية الاستهلاك . أما النقد فإنه يبقى في دورة التداول في السوق . ومع هذا فإن الأولوية تبقى الدورة السلعية التي تلعب الدور الأساسي بينما تنبثق وظيفة النقد كوسيلة للتداول من الدورة السلعية إذ بدون الدورة السلعية لا يوجد هناك نقد في التداول . أن النقد يرافق الحركة السلعية وينظم تداولها في السوق .
2-3- الوظيفة الثالثة : النقد وسيلة لتكوين الثروة والادخار :
إن هذه الوظيفة تنبع أساساً من الوظيفتين الأولى والثانية أي قياس القيمة والسعر ووسيلة للتداول السلعي . كما يجب لفهم الوظيفة الثالثة للنقد الإحاطة بظروف وظيفة الإنتاج والتداول السلعي في السوق .
فعندما يقوم أحد المنتجين ببيع منتجاته في السوق ويتوجب عليه في فترة لاحقة شراء أدوات الإنتاج ( آلة مثلاُ ) وذلك بعد أن ينتهي استهلاكها كلياً فإن عليه في هذه الحالة تجميع النقد اللازم لعملية الشراء المقبلة . والنقد يقوم عندئذ بوظيفة تكوين الثروة والتراكم أو الادخار .
إن النقد الذهبي يقوم بهذه الوظيفة بصورة أفضل مما يقوم بها النقد الورقي . ذلك لأن النقد الورقي يتعرض للانخفاض في قيمته الشرائية إذ لا تبق قيمته ثابتة . وقد أدرك الناس ذلك إذ نجدهم يفضلون اكتناز الذهب على اكتناز النقد الورقي . لأن قيمة الذهب تبقى أكثر ثباتاً من النقد الورقي الوظيفة الرابعة : النقد كوسيلة للدفع :
ومع تطور عمليات التداول السلعي نشأت أشكال جديدة للتداول ومنها البيع على أساس الائتمان . وفي هذه الحالة تتم عملية الشراء قبل أن يقوم المشتري بعملية بيع منتجاته في السوق . وإن عملية الشراء هذه تتم على أساس الدفع الآجل .
وهناك أسباب وراء هذا الشكل من التداول ترجع إلى طبيعة الإنتاج والتداول الخاصة بالسلعة . فمن المعروف أن المزارع قد يحتاج إلى بعض السلع كالسماد مثلاً حتى يستطيع البدء بعملية الإنتاج ولكن قد لا يتوفر لديه النقد اللازم . إلا أنه يستطيع شراء المواد والسلع اللازمة على شرط أن يسدد قيمتها بعد تحقيق المحصول الزراعي . وينشأ بهذه الحالة المدينون من طرف والدائنون من طرف آخر .

وفي مثل هذه الحالات لا يظهر النقد بصورة مباشرة فورية في عملية التبادل . بينما تحل محله مؤقتاً أشكال مختلفة من الالتزامات الآجلة الدفـع( كمبيالة ، سند ، الخ) التي يتعهد بموجبها المدين بتسديد مبلغ معين يمثل سعر السلعة في وقت آخر يسمى تاريخ الاستحقاق . وفي هذا التاريخ يقوم المشتري بتسديد القيمة نقداً .
وهكذا يقوم النقد بوظيفة الدفع الآجل ، ومع الزمن تطورت أشكال الدفع الآجل وظهر النقد الائتماني إذ يستطيع حامل الكمبيالة سداد التزاماته بواسطة هذه الكمبيالة وتحويلها إلى البائع الجديد الذي يستلم قيمتها في تاريخ الاستحقاق . ثم اتخذ النقد الائتماني شكل البنكنوت وهي أوراق مستندية تقوم بوظيفة الدفع ويلتزم البنك بموجبها بسداد قيمتها نقداً ( كالشيكات مثلاً ) وقد تطورت هذه الأشكال وأصبحت تحل تدريجياً محل الكمبيالة .
2-4- الوظيفة الخامسة : النقد كنقد عالمي
إن تطور الإنتاج العالمي والتبادل السلعي بين الدول المختلفة كان لا بد من أن يؤدي تدريجياً إلى ظهور وظيفة جديدة للنقد . حيث أصبح دور النقد لا ينحصر في الحدود الوطنية المحلية لكل دولة وإنما يتجاوز هذه الحدود ليمارس وظيفته الخاصة كنقد عالمي .
إلا أن لكل دولة عملتها الوطنية الخاصة بها التي تمثل قيمة معينة تختلف عن قيمة النقد المحدد في الدول الأخرى. وهنا لا بد من وجود نقد واحد يعد مقياساً للتبادل بين هذه الدول . ونظراً لاختلاف طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية عن العلاقات الاقتصادية السائدة في المجتمع . فقد عد النقد الذهبي أو ما يماثله من قيمة فعلية مقياس التبادل ووسيلة للمبادلات التجارية الدولية . وفي عملية التبادل هذه لا يؤخذ بما تملكه كل دولة من العملة الوطنية المحلية الخاصة بها وإنما بما تملكه من احتياطي الذهب ، ولذا تحتاج كل دولة إلى كمية من احتياطي الذهب أو ما يماثله من قيم حقيقية تقوى مركزها في علاقات التبادل الدولي .
3- قوانين الدورة النقدية وكمية النقد :
إن النقد سواء أكان يمثل وحدات نقدية من المعدن الثمين ( الذهب مثلاً ) أم وحدات من النقد الورقي فإن للدورة النقدية بعض الصفات التي تختلف بها عن الدورة السلعية . إن السلعة عندما تباع وتشترى تخرج غالباً من عملية التداول بينما يبقى النقد في مجال التداول يمارس وظائفه الخاصة به . فعندما يشتري المرء سلعة استهلاكية ( قميص مثلاً ) فإن كمية النقد المدفوعة نفسها تستعمل من قبل البائع للقيام بعمليات تبادل أخرى بينما تخرج السلعة من السوق لتدخل عملية الاستهلاك ، إن الوحدات النقدية تقوم عادة بعدد من العمليات التبادلية تزيد إجمالي قيمتها عن قيمة النقد المتبادل نفسه فالنقد المدفوع مقابل سعر القميص ولو فرضناه وحدة نقدية من فئة الخمس والعشرين ليرة سورية فإن بائع القميص يستعمل هذه الوحدة النقدية نفسها في شراء سلعة أخرى والبائع الجديد يستعملها من جديد في عمليات أخرى وهكذا . فإذا استمرت هذه الوحدة النقدية في الدوران والتداول بحيث قامت بعدد من الدورات تساوي ست دورات مثلاً وفي كل دورة تقوم بعملية تبادل تساوي قيمتها أي خمساً وعشرين ليرة سورية فإن مجموع أسعار العمليات التجارية التي تستخدمها يساوي (6×25=150 ليرة سورية ) أي أننا في هذا المثال نستعمل فئة نقدية واحدة في عدة عمليات تجارية مجموع أسعارها 150 ليرة سورية .
وانطلاقاً من هذه الصفات والوظائف الخاصة التي يمارسها النقد في مجال التداول فإن كمية النقد اللازمة في المجتمع هي أقل من إجمالي أسعار السلع المتداولة وبمعنى آخر فليس هناك حاجة إلى قيمة من النقد تساوي مجموع أسعار السلع المتداولة نظراً لأن النقد يقوم بعدد أكبر من الدورات في مجال التداول . ويمكن إذن حصر العوامل التي تحدد كمية النقد اللازمة للتداول في عاملين أساسيين .
1- العامل الأول :
وهو يمثل مجموع أسعار السلع التي تخضع للتبادل النقدي . فكلما ازداد مجموع أسعار هذه السلع دعا ذلك إلى ضرورة زيادة الكمية النقدية وبالعكس .
2- العامل الثاني :
وهو متوسط عدد دورات النقد . وهو يمثل سرعة الدورة النقدية في المجتمع وهذه تتناسب عكساً مع كمية النقد إذ كلما ازدادت سرعة الدورة النقدية انخفضت الكمية اللازمة من النقد .
فإذا فرضنا أن الدولار الواحد يقوم بخمس دورات في فترة معـينة ( سنة مثلاً ) بينما بلغ مجموع أسعار السلع الخاضعة للتبادل بالنقد مائة ألف دولار ففي هذه الحالة فإن الكمية اللازمة من الدولارات الذهبية ( إذا كان النقد ذهباً ) هي :
مجموع أسعار الســــــلع 100000.00
كمية النقد = --------- = ------------ =20000 دولار ذهبي
متوسط عدد الدورات السنوية 5
وهذا القانون للدورة النقدية ينطبق في حال كون جميع العمليات التجارية تتم بواسطة النقد . إلا أن هناك عادة بعض العوامل الأخرى التي تؤثر على كمية النقد اللازمة يمكن إيجازها بما يلي :
1-بعض العمليات التجارية التي لا يظهر فيها النقد بصورة مباشرة وفورية كالعمليات التي تتم على أساس الدفع الآجل كالكمبيالة والسندات والخ .. وهذه تستحق الدفع في فترة قادمة . أي أن عمليات البيع والشراء تتم دون أن يستعمل النقد إلا في الفترات اللاحقة وفي هذه الحالة فليس هناك حاجة فورية للمبلغ من النقود الذي يعادل مجموع أسعار هذه العمليات .
2-بعض العمليات التي تمت سابقاً على أساس الدفع الآجل ( كمبيالة ، سند) وهي تستحق الدفع والتسديد حالياً . وحين استحقاق وقت الدفع لا بد من وجود كمية من النقد تعادل أسعار هذه العمليات التجارية المستحقة .
3-بعض عمليات التبادل التي تتم أحياناً على أساس المقايضة أي سلعة مقابل سلعة أخرى . حيث لا يستعمل النقد في هذه الحالة كوسيلة للقياس والتداول . وفي هذا النوع من المبادلات السلعية التجارية ليس هناك حاجة أيضاً إلى المبالغ النقدية اللازمة لسداد قيمة هذه العمليات . إن هذه الاعتبارات تؤثر على كمية النقد الضرورية . فالدفع الآجل يؤدي إلى إنقاص كمية النقد كما أن الدفع المستحق يزيد من الحاجة إلى النقد . وفي الحالة الثالثة ( المقايضة ) فإن ذلك يؤثر في إنقاص كمية النقد اللازمة للتداول حيث لا يكون هناك حاجة للنقد لتغطية هذا الجزء من عمليات التبادل السلعي في السوق ، وهكذا يصبح القانون الذي ينظم ويحدد كمية النقد اللازمة للتداول كالتالي :
كمية النقد الضرورية = مجموع أسعار السلع المتداولة + مجموع المبالغ المستحقة للدفع – مجموع المبالغ الآجلة الدفع – مجموع أسعار صفقات المقايضة .

العدد الوسطي لدورات النقد
وإذا استبدلنا الرموز بهذه العوامل كان لدينا :
س + د – ق – ت
م = ------------------
ن
وهكذا يمكن تحديد قانون الدورة النقدية والذي ينظم كمية النقد اللازمة للتداول إذا توفرت هذه المعطيات والعوامل الناظمة لتحديد هذه الكمية ، ولكن يجب التمييز أيضاً بين حالتين :
1-إذا كان النقد الذهبي هو النقد المتداول فإن كمية النقد اللازمة تتأثر أيضاً بقيمة الذهب التي لا تبقى ثابتة في حال تغير إنتاجية العمل في استخدام الذهب . فإذا انخفضت قيمة الذهب نتيجة ارتفاع الإنتاجية ففي هذه الحالة لا بد من زيادة كمية النقد الذهبي اللازمة لتداول السلع إذا بقيت كمية وقيمة السلع ثابتة . لأننا كما لاحظنا في الوظيفة الأولى للنقد الذهبي إن انخفاض قيمة الذهب يؤدي إلى زيادة أسعار السلع وفي هذه الحالة لا بد إذن من زيادة كمية النقد الذهبي نتيجة لانخفاض قيمته حتى يمكنه تغطية أسعار الثابتة للسلع الأخرى . فإذا كان سعر سلعة ما دولاراً ذهبياً واحداً وانخفضت قيمة الذهب إلى النصف بينما بقيت قيمة السلعة ثابتة فإن سعر السلعة يصبح دولارين . ويجب أن يكون هناك دولاران بدلاً من دولار واحد حتى يمكن مبادلة هذه السلعة ([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)).
2-في الحالة الثانية عندما يحل النقد الورقي محل النقد الذهبي كما هو شائع في الوقت الحاضر ، ففي هذه الحالة إذا كانت كمية النقد الورقي تساوي نفس كمية النقد الذهبي فإن النقد الورقي يؤدي نفس الوظيفة التي يقوم بها النقد الذهبي . ولكن في حال زيادة كمية النقد الورقي عن كمية النقد الذهبي اللازمة للتداول فإن العلاقات النقدية.
3-السلعية ستؤول إلى التبدل والتغيير . أولاً لأن النقد الذهبي خلافاً للنقد الورقي ، يحمل قيمة بحد ذاته بينما لا يحمل النقد الورقي أي قيمة خاصة وإنما يمثل قيمة هي القيمة الحقيقية للنقد الذهبي. فالليرة السورية الورقية لا تحمل قيمة إلا قيمة طباعتها التي لا تذكر وإنما تملك قيمة اسمية هي عبارة عن كمية ما من الذهب مثبتة بالقانون . وثانياً إن النقد الذهبي يقوم بوظيفة تكوين الثروة أفضل من النقد الورقي. والناس عندما يتعاملون بالنقد الذهبي فأنهم لا يستخدمون إلا الكمية اللازمة منه فقط للتداول بينما يذهب ما يزيد عن ذلك إلى الاكتناز والأغراض الصناعية . أما النقد الورقي فيبقى غالباً في عملية التداول نظراً لأن الناس لا يفضلونه كثيراً كوسيلة لتكوين الثروة والادخار . فلو افترضنا على سبيل المثال أن كمية النقود الضرورية هي مائة مليون دولار من الذهب بينما يوجد في التداول مائتا مليون دولار من النقد الورقي فإن كل دولار في هذه الحالة من النقد الورقي يمثل نصف القيمة الاسمية التي يحملها وبذلك تنخفض القيمة الشرائية للدولار الورقي إلى النصف مثال آخر: إن البائع آ باع إلى المشتري ب آلتين بسعر عشرة آلاف دولار على أن يكون الدفع بعد سنة واحدة . فإذا افترضنا أن قيمة الدولار الورقي انخفضت إلى النصف نتيجة طرح كميات إضافية من النقد الورقي في السوق زيادة عن الكمية الضرورية فإن قيمة الآلة الواحدة ترتفع 100% بحيث تصبح عشرة آلاف دولار بدلاً من خمسة آلاف دولار فعندما يسدد المشتري ب قيمة الآلتين إلى البائع آ والمثبتة على الكمبيالة أو السند الموقع بينهما بعد عام من الشراء فهو يسدد مبلغ عشرة آلاف دولار والتي أصبحت تساوي قيمة آلة واحدة بدلاً من آلتين . وهو بذلك يتحرر من التزامه من الناحية الحقوقية ولكن من الناحية الاقتصادية فإنه في هذه الحالة يسدد قيمة آلة واحدة بدلاً من قيمة آلتين نتيجة لانخفاض قيمة النقد الورقي إلى النصف .
وباختصار فإن قانون كمية النقد هو قانون اقتصادي موضوعي يعبر عن التناسب الضروري بين كمية النقد اللازمة وبين الدورة السلعية في السوق .كما يعبر عن العلاقة الموضوعية بين كمية النقد الحقيقي (الذهب مثلاً ) وبين كمية النقد الورقي الذي يمثل النقد الحقيقي . وكما هو الحال بالنسبة للسلعة فهناك أيضاً نظريات متعددة تحاول كل منها تفسير ظاهرة النقد وقوانينه الخاصة من وجهة نظر معينة ولا يتسع المقام هنا للتوسع في مسائل النقود لأن هذا يحتاج إلى بحث خاص مفصل .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) مجموعة من المؤلفين – الاقتصاد السياسي – دار الجماهير دمشق صفحة 98

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) مقدمة في الاقتصاد- مرجع سابق
البحث الرابع
رأس المـــــــال
1- تحول النقد إلى رأس مال :
1-1- النقد ورأس المال :
تضمنت الأبحاث السابقة تحديداً لمفهوم السلعة والنقد ووظائفه الخاصة وقوانين الدورة النقدية . وذلك نظراً للدور الذي تقوم به السلعة ويقوم به النقد في الاقتصاد السلعي الرأسمالي . فبالرغم من أن علاقات التبادل السلعي – النقدي كانت قد ظهرت إلى جانب الاقتصاد الطبيعي في المجتمعات التي سبقت المجتمع الرأسمالي إلا أن المحتوى الخاص للسلعة والنقد في الاقتصاد الرأسمالي يختلف عن محتوى ووظيفة السلعة والنقد في الاقتصاديات السابقة للاقتصاد الرأسمالي . وقد أشرنا في فصول سابقة إلى أن الإنتاج والتبادل كان غالباً بهدف في تلك الاقتصاديات إلى تحقيق إشباع الحاجات المباشرة . بينما أصبح تحقيق الربح هو الهدف الأساسي من النشاط الاقتصادي في النظام الرأسمالي ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)) .
من أجل ذلك يصبح من الضروري تحديد مفهوم رأس المال . لأن مفهوم رأس المال قد يختلط في أذهان البعض بمفهوم وسائل الإنتاج أو النقد.
إن النقد كما رأينا عبارة عن شيء محدد له قيمة ما . وإن الثروة النقدية عندما تكون في حالتها الساكنة وتأخذ شكل الاكتناز لا يمكن اعتبارها رأسمالاً إلا إذا تحولت هذه الثروة واتخذت شكل استثمار ما يكون الهدف من ورائه تحقيق الربح . ويظهر رأس المال في صورة تزايد مستمر في الثروة النقدية .
حول رأس المال لم يكن هناك اتفاق بين علماء الاقتصاد على تحديد مفهومه إن أنصار النظرية الميركالتيلية لم يفرقوا بين رأس المال والثروة النقدية . وحسب رأيهم لا يوجد هناك فرق بين النقد ورأس المال . أما نظريات الاقتصاديين الكلاسيكين الأوائل فقد طابقت بين رأس المال ووسائل الإنتاج . إن أصحاب النظرية الفيزيوقراطية على سبيل المثال حددوا مفهوم رأس المال على أنه عبارة عن العدد والمواد الأولية وغيرها من العناصر المادية المستعملة في عملية الإنتاج . إلا أن النظرية الماركسية لم تأخذ بهذه التفسيرات لأن رأس المال عبارة عن علاقة اجتماعية بين طبقة تملك وسائل الإنتاج وطبقة اجتماعية أخرى تملك فقط قوة العمل. ومن خلال هذه العلاقة الاجتماعية فقط يمكن لصاحب رأس المال أن يحول النقد إلى رأس مال .
1-2- المعادلة العامة لرأس المال – الربح الرأسمالي
بصرف النظر عن اختلاف التفسيرات حول طبيعة وجوهر رأس المال . فإن رأس المال يجسد من الناحية الظاهرية على الأقل حركة النقد في حالتها المتغيرة المتزايدة . إن صاحب رأس المال يبدأ بالنقد وينتهي بالنقد . ولكن يشترط في النقد الأخير أن يكون أكبر من حيث الكمية من النقد الأساسي الذي بدأ به . وهذا الفرق بين النقد الأولي والنقد النهائي هو ما يطلقون عليه عادة الربح الرأسمالي . وهذه المعادلة العامة لرأس المال هي القانون العام الذي يحكم حركة رأس المال في الاقتصاد الرأسمالي في أي زمان ومكان ومهما اختلفت أنواع رأس المال .
ولكن إذا كانت حركة رأس المال تهدف إلى تحقيق زيادة ما في القيمة تمثل الربح فإن هذا يعني أن أية زيادة في القيمة تعكس في جوهرها حركة رأس المال . ولتوضيح هذه الفكرة يمكن القول بأن المنتج السلعي الصغير يحقق هو الآخر زيادة في القيمة النقدية للسلعة التي يقوم بإنتاجها . فعندما يقوم الحرفي الصغير مثلاً باستخدام عمله وجهده الشخصي في تحويل المواد التي يستعملها إلى سلعة جديدة ، فإن قيمة السلعة الجديدة تكون أكبر من قيمة المواد المستخدمة في إنتاجها . لأنه بواسطة عمله هذا يضيف قيمة إضافية جديدة إلى قيمة المواد المستعملة في عملية إنتاج السلعة الجديدة . فعندما يقوم صانع النسيج بتحويل القطن الخام إلى نسيج فإن القيمة الجديدة لهذه السلعة المنتجة تكون أكبر من قيمة القطن الخام وغيره من المواد المستعملة في إنتاج النسيج . وهو عندما يقوم ببيع السلعة المنتجة الجديدة في السوق فهو يحصل على قيمة تزيد عن قيمة المواد المستخدمة في إنتاجها . إلا أن النقد الذي يستخدم في شراء المواد الأولية وغيرها لا يأخذ في هذه الحالة شكل رأس المال . لأن تحويل النقد إلى رأس مال يشترط فيه توفر بعض الشروط والأسس التي تختلف عن شروط وأسس الإنتاج السلعي الحرفي الصغير .
ومن خلال المقارنة بين معادلة التداول السلعي الصغير وبين معادلة التداول السلعي الرأسمالي يمكن توضيح الاختلاف بين زيادة النقد في الاقتصاد السلعي الصغير وبين زيادة النقد وتحوله إلى رأس مال في الاقتصاد السلعي الرأسمالي .
ففي حالة التداول السلعي الصغير تظهر مراحل معادلة التداول السلعي في السوق على الشكل التالي :
ســـلعة - نقــد - ســـلعة

أولاً - في المرحلة الأولى يقوم المنتج السلعي الصغير بتحويل السلعة التي أتم إنتاجها إلى نقد في السوق . أو بكلمة أخرى يقوم المنتج الصغير ببيع السلعة الناتجة في السوق ويحصل في هذه الحالة على كمية من النقد تعادل قيمة المواد المستخدمة مضافاً إليها القيمة التي أضافها عمله الخاص .
ثانياً - في المرحلة الثانية يقوم بتحويل النقد إلى سلعة عندما يستخدم النقد المتحقق من عملية البيع في شراء سلع جديدة تلبي احتياجاته المختلفة سواء منها المواد الأولية اللازمة لعملية إنتاج جديدة أو مواد غذائية من أجل إشباع حاجاته الشخصية .
نقـــد - ســـلعة - نقد زائد
أولاً - في المرحلة الأولى كما هو واضح من هذه المعادلة يقوم صاحب رأس المال بتحويل النقد إلى سلعة . وهي تشمل عناصر الإنتاج المادية الضرورية من آلات ومواد أولية وغيرها . كما تشمل هذه المرحلة أيضاً شراء وتأمين قوة العمل اللازمة . وبعد إنجاز هذه المرحلة تبدأ عملية إنتاج السلعة الجديدة .
ثانياً – في المرحلة الثانية يقوم بتحويل وبيع السلعة الناتجة إلى نقد في السوق . ويكون النقد المتحقق من عملية البيع عادة أكبر من النقد الذي بدأ به في المرحلة الأولى . ويطلق على النقد الجديد النقد الزائد . ويتكون النقد الزائد من النقد الأولي ( ن ) مضافاً إليه مبلغاً معيناً . فلو بدأ بنقد مقداره مليون دولار وانتهى بنقد زائد مقداره مليون ونصف المليون دولار . فإن النقد العائد يعوض النقد الأساسي المدفوع مضافاً غليه نصف مليون دولار .
إلا أنه يوجد بين هاتين المعادلتين اختلاف أساسي يتناول المحتوى والهدف لكل منهما :
1-في معادلة التداول السلعي الصغير يعتمد المنتج الحرفي في غالب الأحيان على عمله الشخصي في إنتاج السلعة . بينما يعتمد صاحب رأس المال على عمل الغير حيث يقوم بشراء قوة العمل في سوق العمل.
2-في معادلة التداول السلعي الصغير تمثل القيمة الاستعمالية بداية ونهاية الدورة وتكون هي بحد ذاتها الغاية من عملية الإنتاج والتبادل . بينما في التداول الرأسمالي تتحول القيمة الاستعمالية إلى مجرد واسطة ووسيلة لتحقيق غاية أخرى هي الحصول على النقد المتضمن للربح ، ويصبح النقد بحد ذاته الغاية من عملية الإنتاج والتداول الرأسمالي .
1-3- شروط وقوانين الإنتاج الرأسمالي :
لا بد من توفر شروط معينة حتى تتم عملية الإنتاج الرأسمالي . حيث أن العلاقات التي تحيط بعملية الإنتاج في ظروف الاقتصاد الرأسمالي تختلف عن علاقات الإنتاج التي سادت الاقتصاديات ما قبل الرأسمالية . ففي ظروف الإنتاج السلعي لاحظنا كيف أن المنتج الصغير يعتمد على عمله الخاص في عملية الإنتاج كما يكون عادة مالكاً لوسائل إنتاجه الخاصة . إن عملية الإنتاج الرأسمالية لا تقوم إلا بعد توفر شروط معينة هي :
آ - وجود وسائل الإنتاج في السوق :
إذ يتوجب توفر وسائل الإنتاج المختلفة في السوق من أبنية وآلات ومواد أولية وغيرها من العناصر المادية. وفي هذه الحالة يقوم صاحب رأس المال بتخصيص جزء من النقد لتحويله إلى مبلغ وشراء مختلف الوسائل المادية الضرورية للبدء بعملية الإنتاج .
ب - وجود قوة عمل حرة في سوق العمل :
ويقصد بذلك ضرورة وجود قوة عمل " حرة " من الناحية القانونية يتوفر لأصحابها حق التصرف بها ، أي أن يكون لهم حق بيع قوة عملهم لأصحاب رؤوس الأموال في السوق . ومن ناحية ثانية يجب أن يكون هؤلاء الأشخاص ( العمال ) مضطرين لبيع قوة عملهم لنهم لا يتمتعون بملكية وسائل الإنتاج التي تتيح لهم الفرصة لإقامة أي عمل اقتصادي مستقل وخاص بهم .
ولتوضيح هذه الناحية يمكن مقارنة شروط قوة العمل في النظام الرأسمالي بشروطها في أنظمة الرق والقنانة الإقطاعية ، فلم تكن قوة العمل في النظامين الآخرين حرة من الناحية القانونية .
وكما لاحظنا فإن للسادة في نظام الرق حتى التصرف الكامل بالرقيق إلى جانب الملكية المطلقة لوسائل الإنتاج إذ لم يكن ينظر إلى الرقيق إلا كجزء ( متميز ) من وسائل الإنتاج .
وفي النظام الإقطاعي نجد أن الفلاح القن ( رغم أنه لم يعد ملكية شخصية السيد وأصبح يتمتع بملكية بعض أدوات الإنتاج والحيوانات وأحياناً منزل السكن ، وأصبح يملك الحق في جزء مما ينتجه ) يبقى مقيداً بشروط تحرمه من حقوقه الشخصية ، كمنع انتقاله من استثمار إقطاعي إلى استثمار إقطاعي آخر ، أو إلزامه بشروط في العمل والإنتاج والحياة يحددها الإقطاعي عادة ، وغير ذلك ، فلم يكن يملك الحق ببيع قوة عمله في السوق ، أي بالتحول إلى عامل مأجور . بينما نجد أن النظام الرأسمالي قد " حرر " قوة العمل من الناحية الحقوقية ، لكنه لم يحررها من الناحية الاقتصادية . إن وضع العامل في الإنتاج الرأسمالي يختلف عن وضع المنتج الحرفي الصغير . إن المنتج الحرفي يتمتع بحق التصرف بقوة عمله ويمتلك إلى جانب ذلك وسائل الإنتاج الخاصة به . وهو في هذه الظروف يستطيع أن يستخدم بحرية تامة عناصر الإنتاج المادية والذاتية وفق مقتضيات الإنتاج ووفق مصالحه الفردية الخاصة المباشرة .
جـ - إنتاج سلعة ذات مواصفات جديدة :
حيث يشترط من استخدام عناصر الإنتاج المختلفة المادية منها والذاتية تحقيق سلعة جديدة تحمل مواصفات معينة هي :
أولاً : من زاوية القيمة الاستعمالية فإنه من البديهي أن تحمل السلعة الجديدة قيمة استعمالية تختلف عن القيمة الاستعمالية للمواد المستخدمة في إنتاجها . فالقيمة الاستعمالية للنسيج مثلاً وهو السلعة الناتجة الجديدة تختلف عن القيمة الاستعمالية للمادة المستخدمة في إنتاجه وهي القطن .
ثانياً : يشترط في ظروف الإنتاج الرأسمالي أن تكون القيمة التبادلية للسلعة الجديدة في السوق أكبر من قيمة العناصر المختلفة والمستخدمة في عملية إنتاجها ، إن قيمة متر النسيج في السوق تكون في الأحوال العادية أكبر من قيمة العناصر المستخدمة في إنتاجه والتي تشمل استهلاك نسبة معينة من قيمة البناء والآلات وكامل قيمة المواد الأولية بالإضافة إلى الأجر المدفوع . فإذا كانت قيمة متر النسيج عشر ليرات بينما بلغت قيمة العناصر المستخدمة في إنتاجه سبع ليرات فإن الفارق يشكل الربح الرأسمالي .
إن صاحب رأس المال لا يقدم عادة على عملية الإنتاج دون أن يدرك مسبقاً إمكانية تحقيق هذه الزيادة في قيمة السلعة الجديدة . وأن يكون النقد الذي انتهى إليه أكبر من النقد الذي بدأ به . وبالتالي يمكن القول بأن الجوهر الأساسي لرأس المال والإنتاج الرأسمالي يكمن إذن في تحقيق الربح الذي يعد القانون الاقتصادي الأساسي والدافع المحرك للنشاط الاقتصادي في النظام الرأسمالي .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) اسهام في الاقتصاد السياسي- كارك ماركس – وزارة الثقافة – دمشق 1970
البحث الخامس
أشكال رأس المال
1- التعاون الرأسمالي البسيط :
1-1 شكل الإنتاج في التعاون الرأسمالي البسيط :
في بداية نشوء الرأسمالية في أوربا كانت ورشات العمل اليدوي تمثل أولى مؤسسات الإنتاج الرأسمالي، وقد سبقت أشكال العمل اليدوي شكل الإنتاج الآلي كما اتخذ العمل اليدوي في البدء شكل التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي ثم انتقل في المرحلة الثانية إلى أسلوب المانيفكتورة في الإنتاج. ويختلف العمل اليدوي في أسلوب التعاون البسيط عن أسلوب المانيفكتورة في انعدام التقسيم والتخصص في العمل بين الأفراد العاملين بينما يقوم أسلوب المانيفكتوره على مبدأ التقسيم والتخصص في العمل ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)).
وقد كانت ورشات العمل اليدوي بصورة عامة تعود إلى أصحاب رؤوس الأموال التجارية وذلك حين بدؤوا بتحويل قسم من ثرواتهم النقدية من مجال التجارة إلى مجال الإنتاج. ومن ناحية أخرى فقد كان معظم العمال الذين يعملون في هذه الورشات في السابق منتجين حرفيين مستقلين وقد أصبحوا الآن يعملون في ورشات تخضع لملكية وإدارة صاحب رأس المال .
أما بالنسبة لشكل التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي فقد يكون من المفيد أولاً التذكير بمفهوم التعاون، إن التعاون بصورة عامة هو شكل من أشكال تنظيم العمل تفرضه ضرورات عملية الإنتاج . وضمن هذا الشكل يقوم عدد من الأفراد بالتعاون فيما بينهم لإنجاز عمل واحد أو عدة أعمال مترابطة يكمل كل منها الآخر . والتعاون البسيط يمثل أدنى أشكال التعاون لأنه يتصف بعدم وجود تقسيم وتخصص في العمل بين الأفراد العاملين الذين يقومون عادة وبصورة مشتركة بإنجاز نوع واحد من العمل .
وكما هو معلوم فقد ساد هذا النوع من التعاون البسيط عملية الإنتاج في المجتمعات البدائية . إلا أن التعاون البسيط الذي ساد عملية الإنتاج في بداية نشوء الرأسمالية كانت له صفات خاصة تميزه عن شكل التعاون البسيط في المجتمعات الاقتصادية السابقة .
أولاً : يتم تنظيم هذا النوع من التعاون الرأسمالي البسيط من قبل صاحب رأس المال بهدف تحقيق الربح بينما كان الهدف من التعاون البسيط بين الأفراد في المجتمعات السابقة هو إشباع حاجاتهم الشخصية المباشرة .
ثانياً : في التعاون الرأسمالي البسيط يقوم العمال ببيع قوة عملهم مقابل الأجر إلى صاحب رأس المال ، بينما كان الأفراد في المجتمع البدائي مثلاً يسخرون قوة عملهم لخدمة حاجاتهم وحاجات الجماعة في إطار من العمل الجماعي التعاوني البسيط . كما يلاحظ أن قوة العمل في نظام الرق كانت ملكاً للسادة دون مقابل ما يسمى بالأجر في النظام الرأسمالي .
ثالثاً : يتم العمل ضمن إطار التعاون الرأسمالي البسيط تحت إشراف وإدارة صاحب رأس المال. كما له الحق في تملك الناتج الذي تحققه عملية التعاون البسيط الرأسمالي فضلاً عن ملكيته لوسائل الإنتاج .
وباختصار فإن التعاون الرأسمالي البسيط يمثل أول شكل من أشكال علاقات الإنتاج الرأسمالي الذي حل تدريجياً محل الإنتاج الحرفي الصغير . ومن الوجهة التاريخية فقد كان التعاون البسيط يمثل شرطاً موضوعياً من شروط تطور الرأسمالية . وفي بداية ظهور شكل التعاون البسيط كان صاحب رأس المال يشارك في عملية الإنتاج وفيما بعد اقتصر دوره على شراء المواد الأولية اللازمة لعملية الإنتاج وكذلك بيع السلعة الناتجة في السوق . ومع ازدياد عدد العمال أصبح بإمكانه أن يترك العمل ويكلف أحد الأشخاص بمهمة الإشراف والتنظيم . وبذلك يكون قد تبلور شكل الإنتاج الرأسمالي الذي يعتمد على عمل الآخرين .
1-2 مزايا التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي :
بالرغم من طبيعة الإنتاج اليدوي وتدني مستوى التعاون في هذا الشكل الأولي للإنتاج الرأسمالي إلا أنه يحقق لصاحب رأس المال مزايا عديدة :
أولا : من المعلوم أن الإنتاج الحرفي الصغير المستقل يعتمد على العمل اليدوي . وفي ظروف استقلالية الإنتاج تكتسب المهارة الفردية للمنتج أهمية خاصة وتلعب دوراً أساسياً في مجال المنافسة بين المنتجين الصغار على بيع منتجاتهم في السوق ونظراً لأن القيمة الاجتماعية للمنتج في السوق تتحدد عادة وفقاً لمستوى المهارة الوسطى ، فمن لا يتمتع بهذا الحد من المهارة لا يقدر على مجاراة باقي المنتجين في السوق .
أما في إطار التعاون الرأسمالي البسيط فبالرغم من أنه هو الآخر يعتمد على العمل اليدوي ، إلا أن تعاون عدد كبير من العمال في عمل واحد يقلل من التفاوت بين المهارات الفردية حيث يمكن تغطية انخفاض المهارة الفردية لدى بعض العمال عن طريق ارتفاع مستوى المهارة لدى البعض الآخر . وهكذا يتقارب مستوى العمل التعاوني الوسطي في المؤسسة الواحدة مع المستوى الوسطي السائد في المجتمع . وفي هذه الحالة لا ترتفع قيمة السلعة التي تنتجها هذه المؤسسة الصغيرة عن قيمة السلعة الاجتماعية السائدة في السوق . وعن طريق التعاون البسيط يصبح بإمكان المؤسسة مجاراة القيمة في السوق وتحقيق الربح بينما لا يكون بإمكان المنتج الحرفي الصغير المستقل أحياناً منافسة المنتجين الآخرين في السوق .
ثانياً : كما يتميز التعاون الرأسمالي البسيط بأنه يخلق قوة منتجة نتيجة تضافر جهود الأفراد فيه بصورة جماعية ومشتركة . وهذه القوة المنتجة تساعد على إنجاز بعض العمليات التي لا يمكن لقوة العمل الفردي أن تنجزها . وهذه القوة المنتجة هي أكبر من مجرد حصيلة جمع بسيط للقوى . كما أن التعاون يتيح إمكانية تنفيذ بعض الأعمال الكبيرة التي لا يمكن للأعمال الفردية تنفيذها .
ثالثاً : ومن المزايا الأخرى التي يحققها التعاون زيادة إنتاجية العمل في الساعة الواحدة حيث يزداد إنتاج عدد الوحدات السلعية في الساعة نتيجة التعاون وتنخفض نتيجة لذلك تكلفة السلعة الواحدة . ويساعد على تحقيق ذلك المباراة التي تحدث بين الأفراد في مجال التعاون كما ويساعد التعاون على تحقيق الاستعمال الأفضل لوسائل الإنتاج بحيث تصبح أكثر ريعية .
رابعاً : يحصل صاحب رأس المال على المزايا التي يحققها العمل الجماعي التعاوني دون مقابل . فهي لا تكلفه شيئاً إضافياً . فهو يدفع الأجر لكل من العمال بمفرده بينما لا يدفع شيئاً مقابل المزايا التي يحققها التعاون بين عدد من العمال . فكلما ذكرنا أن هذا التعاون يؤدي إلى زيادة إنتاجية العمل ويخلق قوة منتجة لا يمكن الحصول عليها بواسطة الفرد الواحد وإنما هي حصيلة العمل الجماعي ، ويدفع صاحب رأس المال الأجر عادة للفرد الواحد دون أن يدخل في حسابه هذه المزايا التي يحققها العمل الجماعي التعاوني .
إن التعاون يظل بصورة عامة السمة الأساسية للإنتاج الرأسمالي ، والتعاون الرأسمالي البسيط هو الشكل الأولي من أشكال التعاون الذي ظهر في عملية الإنتاج الرأسمالي . إلا أن التعاون يكتسب أشكالاً متطورة في نظام المانيفكتوره الرأسمالية وما تلاها عن أشكال التعاون في نظام الإنتاج الآلي الكبير .
2- المانيفكتوره في النظام الرأسمالي :
2-1- أشكال وأساليب الإنتاج في نظام المانيفكتوره :
خلافاً للتعاون الرأسمالي البسيط فإن التعاون في نظام المانيفكتوره يقوم على التخصص وتقسيم العم . وقد سادت المانيفكتوره عملية الإنتاج الرأسمالي في الفترة الواقعة بين أواسط القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر . وقد اتخذت المانيفكتورة الأساليب والأشكال التالي:
أ‌- الأسلوب الأول :
وهو يقوم على أساس تجميع العمال من مهن مختلفة في عملية إنتاج واحدة متكاملة تحت إشراف وإدارة صاحب رأس المال . ويقوم العمال وفق هذا الأسلوب بإنتاج أجزاء السلعة حتى تصبح نهائية وقابلة للاستهلاك . وعلى سبيل المثال ، كان إنتاج العربة في السابق يتم على أيدي عدد كبير من الحرفيين المستقلين . وكان كل منهم يقوم بعمله بصورة فردية ومنعزلة عن الآخر . فالنجار يقوم بأعمال النجارة وصانع الأقفال يقوم بعمله بصورة مستقلة وهكذا دون أن يوجد تعاون مشترك فيما بينهم يجمعهم في عملية إنتاج واحدة . وقد قام صاحب رأس المال بجمع هؤلاء في مشغل واحد . يقوم كل منهم بعمل معين ضمن إطار تقسيم محدد للعمل إلا أن هذه الأعمال يكمل بعضها البعض في إنتاج سلعة واحدة هي ( العربة ) .
ب‌- الأسلوب الثاني :
وكان يعتمد على تجميع العمال من مهنة واحدة في عملية الإنتاج إلا أن كلاً منهم أصبح يقوم الآن بجزء معين أو إنجاز مرحلة معينة من مراحل العمل .
ففي الفترة التي سبقت قيام المانفيكتورة كان صنع الإبرة مثلاً يتم من قبل المنتج الحرفي الصغير بصورة مستقلة . وكان الحرفي يقوم بكل الأعمال اللازمة لصنع الإبرة أما في داخل المانيفكتورة فقد جرى تقسيم لهذه الأعمال بحيث يقوم كل عامل بعمل معين من الأعمال الضرورية لإنتاج الإبرة . فالأول يقوم بسحب السلك والآخر بتوجيهه والثالث يقو بعملية قص السلك ويقوم الرابع بعملية البرد . وهكذا تتناوب أيدي عديدة مراحل إنتاج الإبرة المختلفة .
ومهما اختلفت أساليب تجميع العمال في مؤسسات المانيفكتورة فإن ما يميز شكل الإنتاج في المانيفكتورة. هو أنه يقوم على أسس تقسيم العمل . إلا أن تقسيم العمل بصورة عامة يعد عاملاً هاماً من عوامل زيادة إنتاجية العمل ، لأن التخصص في العمل يرفع من مستوى المهارة في العمل ويؤدي إلى تطور أدوات العمل وتخصصها وتمايزها حتى تصبح منسجمة مع تخصص الأفراد في عملية الإنتاج .
جـ - الأسلوب الثالث :
وهو ما يسمى بالإنتاج المنزلي الرأسمالي ، وقد ظهر هذا الأسلوب في مرحلة سبقت نشوء المانيفكتورة إلا أنه ظل قائماً جنباً إلى جنب مع نظام المانيفكتورة وأصبح جزءاً مكملاً من عملية الإنتاج فيه .
ويرجع ظهور هذا الشكل من أشكال الإنتاج الرأسمالي إلى المرحلة التي بدأ فيها رأس المال التجاري دخول مجالات الإنتاج السلعي الحرفي الصغير . في البدء كان التاجر يقوم بشراء المنتجات من الحرفيين الصغار والفلاحين الذين يقومون بإنتاجها وذلك عندما يصعب عليهم تسويقها وبيعها ، وكان التاجر يحقق ربحاً عن طريق شراء هذه المنتجات بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية وبيعها في السوق بأسعار أعلى من أسعار الشراء وفيما بعد ابتدأ التاجر بتسليف الحرفيين مبلغاً من المال يتم تسديده بواسطة السلعة التي ينتجها هؤلاء الحرفيون . وفي مرحلة لاحقة أخذ التاجر يقدم المواد الأولية بدلاً من المال مقابل هذه السلع . وبذلك انفصل الحرفيون عن السوق عندما انتقلت إلى التاجر عمليات شراء المواد الأولية اللازمة للإنتاج وعمليات بيع السلعة الناتجة في السوق .
في المرحلة التالية انتقل صاحب رأس المال التجاري إلى نظام الأجور في تعامله مع هؤلاء الحرفيين الذين اتخذوا من المنازل مكاناً لعملية الإنتاج . وفي ظل هذا النظام كان صاحب رأس المال التجاري يقدم لهم المواد الأولية اللازمة لإنتاج السلعة ليقوموا بتصنيفها مقابل مبلغ معين من المال يمثل الأجر. وهكذا تحول الحرفيون المستقلون في السابق إلى عمال . وكان نظام الأجر يرتكز على قاعدة الأجر مقابل القطعة الواحدة وحسب هذا النظام فإن العامل كان يحصل على مبلغ معين مقابل كل قطعة أو وحدة سلعية واحدة
إن ما يتصف به الإنتاج المنزلي الرأسمالي هو تبعثر عملية الإنتاج لعدم وجود تعاون مباشر بين العمال يقوم على أساس التمركز في مكان عمل محدد . وعندما ظهر نظام المانيفكتورة استمر الإنتاج المنزلي ونشأت بينهما أشكال من التعاون وتقسيم العمل . وأصبح الإنتاج المنزلي جزءاً من نظام المانيفكتورة ، فقد كان العمل المنزلي يقوم في الغالب بإنجاز مراحل أولية من عملية إنتاج السلعة تقوم بعدها مؤسسات أو ورشات المانيفكتورة باستكمال الناتج في صورته النهائية . وقد سهلت طبيعة العمل اليدوي الذي كان سائداً حينذاك وجود مثل هذه الأشكال من العمل غير المتمركز . وذلك خلافاً للعمل الآلي الذي يشترط تعاوناً وتقسيماً متمركزاً في أماكن واحدة للعمل حتى يمكن إنجاز عملية الإنتاج .
2-2- دور المانيفكتورة في تطور الاقتصاد الرأسمالي :
لقد أشرنا عند دراستنا للاقتصاد البدائي إلى عملية نشوء تقسيم العمل الاجتماعي أي انفصال العمل الزراعي عن العمل الحيواني ثم انفصال العمل الحرفي عن العمل الزراعي ، ويتميز تقسيم العمل الاجتماعي عادة بوجود التخصص في إنتاج سلع معينة فالعمل الزراعي يقوم بإنتاج السلع الزراعية بينما يتخصص الإنتاج الحرفي بإنتاج سلع أخرى ذات مواصفات مختلفة عن السلع التي ينتجها العمل الزراعي .
أما تقسيم العمل داخل المانيفكتورة فإنه يتميز بوجود تخصص في جزء معين أو مرحلة معينة من مراحل عملية إنتاج سلعة معينة . ويوجد هناك بالإضافة إلى ذلك فروق أساسية بين تقسيم العمل على مستوى المجتمع وبين تقسيم العمل على مستوى المؤسسة أو المصنع الواحد . وأهم هذه الفروق :
1- إن تقسيم العمل الاجتماعي هو الأساس في وجود علاقات السوق . إذ يشترط في التبادل أن تكون السلع المتبادلة ذات صفات نوعية مختلفة ، لأن وجود السلع المختلفة هي نتيجة لوجود التقسيم الاجتماعي للعمل أي وجود أعمال متباينة ومختلفة ( عمل زراعي ، عمل صناعي ) بينما ينحصر تقسيم العمل داخل المؤسسة الواحدة في تعاون العاملين دون وجود علاقات تبادل فيما بينهم.
2- إن تقسيم العمل على المستوى الاجتماعي يتم أحياناً بصورة عشوائية وغير منظمة بين قطاعات عملية الإنتاج الاجتماعي بينما يخضع تقسيم العمل داخل المؤسسة إلى التنظيم والإدارة الموحدة .
3- لقد أدى تقسيم العمل داخل المانيفكتورة إلى زيادة إنتاجية العمل . كما أن تقسيم العمل إلى مراحل يؤدي إلى تبسيط العمل نفسه وإلى تقليص الفترة الزمنية اللازمة لتأهيل وتدريب العامل . إلا أن هذا التخصص في جزء ما من العمل زاد من ارتباط العامل بالمؤسسة الرأسمالية لأنه ليس بإمكانه الآن القيام بعمل متكامل بمفرده . كما أدى العمل داخل المانيفكتورة الرأسمالية إلى إيجاد فجوة بين العمل العضلي والعمل الذهني إذ أن تخصص العامل في جزء أو مرحلة ما من العمل لا تدع له مجالاً لتطوير إمكانياته في فهم واستيعاب الجوانب الأخرى لعملية إنتاج السلعة كما هو الحال في الإنتاج الحرفي عندما يقوم المنتج الحرفي بإنتاج كامل السلعة .
إلا أنه كان لتقسيم وتخصص العمل في المانيفكتورة دوراً هاماً في تطور القوى المنتجة وزيادة الإنتاج وتطور علاقات السوق . لأن زيادة إنتاجية العمل التي خلقها تقسيم العمل أدى بدوره إلى تطور وسائل الإنتاج وارتفاع الطلب على قوى العمل والسلع المختلفة في السوق . وبالرغم من أهمية هذا الدور إلا أنه بقي محدوداً بالمقارنة مع الدور الذي لعبه الإنتاج الآلي . لأن نظام المانيفكتورة لم يتمكن من السيطرة الكاملة على جميع مجالات الإنتاج في المجتمع نظراً لبقاء العمل اليدوي واستمراره كشكل وحيد من أشكال الإنتاج في نظام المانيفكتورة . لأن العمل اليدوي خلافاً للعمل الآلي لا يفسح المجال كثيراً لتوسع علاقات الإنتاج الرأسمالي . حيث يبقى المجال إلى حد كبير مفتوحاً أمام العمال اليدويين وخاصة المهرة منهم للانتقال من المانيفكتورة إلى العمل الفردي الحرفي المستقل .
إلا أن أهمية نظام المانيفكتورة في تطور النظام الرأسمالي برزت في كونه يمثل مرحلة تمهيدية هامة في عملية الانتقال إلى الإنتاج الآلي . فقد هيأ شروط الانتقال إلى الآلة لأن تقسيم العمل داخل المانيفكتورة إلى مراحل أو أجزاء عملية العمل وكذلك التخصص في استخدام وسائل العمل خلقت الشروط المناسبة والضرورية لاستخدام الآلة . ذلك أن استخدام الآلة يستلزم تخصصاً دقيقاً في العمل أكثر ما تتطلبه شروط العمل اليدوي .
4- الإنتاج الآلي الرأسمالي الكبير :
3-1- طبيعة وسمات الإنتاج الآلي :
بصورة عامة يشكل الانتقال إلى الإنتاج الآلي مرحلة نوعية جديدة في التطور لقد تم اكتشاف الآلة البخارية في القرن السابع عشر . إلا أن استعمال الآلة في عملية الإنتاج بدأ في أواسط القرن الثامن عشر . وكانت إنكلترا قد سبقت غيرها من البلدان الأوروبية الأخرى في الانتقال إلى الإنتاج الآلي . وكان ذلك إيذانا ببدء ما يسمى عادة بالثورة الصناعية . ونتيجة لهذا التطور نشأت شروط موضوعية اقتصادية جديدة تختلف عن تلك التي كانت قائمة في نظام التعاون الرأسمالي البسيط ونظام المانيفكتورة [2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2).

أولاً – إن اكتشاف الآلة واستعمالها في عملية الإنتاج يشكل بدون شك تطوراً هاماً وجديداً في وسائل العمل لم يسبق له مثيل في الحياة الاقتصادية . فقد احدث ذلك ثورة في الشروط التكنيكية والاقتصادية المحيطة بعملية الإنتاج .
ثانياً – من البديهي أن يخلق الإنتاج الآلي علاقات جديدة بين رأس المال والعمل تختلف عن علاقات الإنتاج التي كانت سائدة في ظل الإنتاج اليدوي . كما ساعد استعمال الآلة على انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالي وأصبحت تدريجياً هي العلاقات الاقتصادية السائدة في المجتمع الرأسمالي ، الشيء الذي لم يتمكن من تحقيقه تقسيم العمل اليدوي في نظام المانيفكتورة .
ثالثاً – إلا أن الآلة أخذت تنافس قوة العمل في مجال الإنتاج . فقد أدى استعمالها إلى ظهور البطالة ، وأصبح من الممكن الاستغناء عن قوة العمل كلما حدث تطور جديد في المستوى التقني للآلة . كما أدى ظهور الآلة إلى إفلاس عدد كبير من المنتجين الحرفيين الصغار الذين لم يعد بوسعهم مسايرة الإنتاج الآلي في السوق .
وباختصار كان لاستعمال الآلة أثار عميقة شملت جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي . وقد ظهر ولأول مرة المشروع الآلي الذي أصبح الإطار العام لعملية الإنتاج الرأسمالي .
3-2- المشروع الآلي الرأسمالي :
كما هو معلوم فإن المشروع أو المصنع الآلي يضم عدداً من الآلات يقوم بتشغيلها عدد مناسب من العمال يجمعهم التعاون القائم على تقسيم العمل والتخصص المهني . وقد يكون هذا التعاون بين العمال مقتصراً على عملية إنتاج ذات طبيعة واحدة مثل إنتاج الغزل ويطلق عليه التعاون الآلي البسيط. وأما أن يشمل عمليات إنتاج مختلفة مثل عمليات الغزل والنسيج معاً الذي يعتمد على تشغيل مجموعة متنوعة من الآلات ويطلق على هذا الشكل من التعاون لفظ التعاون الآلي المعقد أو المركب. ويتميز المشروع الآلي عن ورشات العمل اليدوي بعدد من الصفات أهمها:
أولاً: إن شكل التعاون بين عمال المشروع الآلي يمثل مرحلة متطورة قياساً على التعاون في أسلوب التعاون الرأسمالي البسيط وأسلوب المانيفكتورة . كما أن تقسيم العمل يختلف من حيث طبيعته عن تقسيم العمل اليدوي داخل نظام المانيفكتورة .

وكما لاحظنا فإن تقسيم العمل داخل المانفكتورة كان يعتمد على تجزئة الأعمال اليدوية البسيطة وعلى تخصص أدوات العمل اليدوي . أما في الإنتاج الآلي ، فإن تقسيم العمل يجب أن يتكيف مع تقسيم الآلة نفسها . لأن طبيعة العمل الآلي تقوم على تعاون عدد كبير من الآلات . كما أن كل آلة تنقسم عادة إلى أجزاء الآلة . وكل جزء منها يتطلب تخصصاً معيناً في العمل أو بكلمة أخرى فإن طبيعة الآلة هي التي تفرض نوعاً خاصاً من تقسيم العمل بحيث أصبحت قوة العمل خاضعة لمتطلبات العمل الآلي . وبينما كانت أداة العمل اليدوي في الإنتاج تخضع لمتطلبات الإنسان أصبح على الإنسان التكيف مع متطلبات الآلة وخصائصها .
ثانياً : لقد أدت عملية الإنتاج في المشروع الآلي إلى تعميق الهوة بين العمل العضلي والعمل الذهني. وأصبح المشروع يضم عدداً من العمال يتسم عملهم بصورة أساسية بالطابع العضلي إلى جانب فئة أخرى من المهندسين والفنيين المتخصصين بأعمال الإشراف التقني على الآلية .
ثالثاً : إن هذا التخصص والتقسيم بين العمل الذهني والعمل العضلي أدى بدون شك إلى تسهيل عملية العمل . إلا أنه من ناحية أخرى أدى إلى الحد من عملية الإبداع الفردي فقد كان العمل اليدوي قبل ظهور الآلة يتيح الفرصة لإظهار المهارة الفردية في عملية الإنتاج .
رابعاً : خلافاً للعمل اليدوي فإن العمل في المشروع الآلي لا يتطلب عادة قوة جسدية كبيرة . وقد سهل ذلك دخول الطفل والمرأة إلى عملية الإنتاج وقد حقق صاحب رأس المال من جراء ذلك مزايا كثيرة . من أهمها أن تشغيل المرأة والطفل ساعد على تخفيض الأجر . لأنه أصبح بإمكان العائلة الواحدة الاعتماد على دخول أفرادها مجتمعة بدلاً من الاعتماد على دخل فرد واحد كما كان الحال سابقاً . أن مجموع الدخول الفردية للعائلة الواحدة أصبح كافياً لتجديد طاقة عمل أفراد العائلة .
خامساً: لقد فتح المشروع الآلي مجالاً واسعاً لزيادة إنتاجية العمل وآفاقاً جديدة لتحقيق الربح . ولكن هذا يشترط تكثيفاً شديداً في العمل فقد أصبحت الآلة تشكل دافعاً جديداً لزيادة وقت العمل وتكثيفه حتى يكون بالمستطاع تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة واستهلاك قيمة الآلة بأقصى سرعة ممكنة. لأن مشكلة الاستهلاك الأمثل للآلة لم تبرز في السابق عندما كانت وسائل العمل اليدوي تلقى تطوراً بطيئاً . بينما يواجه المشروع الآلي تطوراً سريعاً في مستوى الآلة ويتوجب عليه مسايرة هذا التطور عن طريق الاستهلاك السريع للآلة ومن ثم تستبدل بها آلة جديدة متطورة .

فالاستهلاك السريع للآلة يجنب صاحب رأس المال الكثير من المفاجآت كأن تنخفض قيمة الآلة في السوق أو قد تظهر آلة جديدة ذات إنتاجية أعلى من إنتاجية الآلة القديمة .
ذلك أن استهلاك قيمة الآلة لا يجري دفعة واحدة وإنما على دفعات وخلال سنوات عديدة . ففي كل سنة ينتقل جزء واحد فقط من قيمة الآلة ( 10 % مثلاً ) إلى قيمة السلع الناتجة . وفي الأحوال العادية يعود هذا الجزء إلى صاحب الآلة بعد بيع السلعة الناتجة في السوق .
3-3- حدود استعمال الآلة :
لقد أوضحنا في فقرات سابقة أن الربح هو القانون الاقتصادي الأساسي الذي يحكم حركة رأس المال في النظام الرأسمالي . والربح هو المعيار الأساسي لنشاط رأس المال . وهذا ينطبق أيضاً على استخدام الآلة في عملية الإنتاج . فصاحب رأس المال يلجأ إلى استخدام الآلة بدلاً من وسائل العمل اليدوي لأن ذلك يحقق له مزيداً من الربح . وإذا لم تؤدي الآلة هذه الغاية فلا يكون هناك أي مبرر لاستعمالها في عملية الإنتاج وإن ما يحدد استخدام أية آلة جديدة أكثر تطوراً من الآلة السابقة هو الإمكانية التي يتيحها مثل هذا الاستخدام لتحقيق المزيد من الربح .
إن صاحب رأس المال يجري عادة مفاضلة بين سعر الآلة وسعر قوة العمل ( الأجر ) اللذين يتأثران بعلاقات العرض والطلب من قوة العمل في سوق العمل . فإذا كان العرض من قوة العمل محدوداً والطلب عليها مرتفعاً فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأجر وبالعكس . إن صاحب رأس المال يوازن بين تكلفة الآلة وبين تكلفة قوة العمل اللازمة . فإذا وجد أن استخدام آلة جديدة يزيد من حجم الربح فإنه يفضل شراءها ولو أدى إلى بطالة جزء من قوة العمل . وفي جميع الأحوال فإن صاحب رأس المال يبحث باستمرار عن التناسب الأمثل بين عناصر الإنتاج المادية وبين عنصر العمل بهدف تحقيق الحد الأقصى والأمثل من الربح .
ويلاحظ في بعض البلدان الرأسمالية التي تكون فيها الأجور مرتفعة أن المستوى التقني للآلة أعلى منه في البلدان الأخرى . ففي الولايات المتحدة الأمريكية ونظراً لفقدان قوة العمل في السابق واعتمادها على قوة العمل المهاجرة نجد أن المستوى التكنولوجي حقق تقدماً كبيراً لتعويض النقص في قيمة العمل .



3-4- الثورة الصناعية والثورة العلمية التقنية :
بالنسبة للتطور التاريخي للإنتاج الآلي يجري عادة التمييز بين مرحلتين . الأولى هي مرحلة الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر . والثانية هي المرحلة الحالية التي يشهدها التطور التكنولوجي في البلدان المتطورة والتي يطلق عليها لفظ الثورة التقنية العلمية .
لقد بدأت الثورة الصناعية في إنكلترا ويرجع ذلك إلى عوامل موضوعية تتعلق بخصائص التطور التاريخي لإنكلترا ومن أهم هذه العوامل :
أولاً : انهيار الاقتصاد الإقطاعي بصورة مبكرة ، إذ سبق انهيار الإقطاع في إنكلترا انهياره في البلدان الأوربية الأخرى . وكان هذا النظام الذي يقوم أساساً على الاقتصاد الطبيعي والاكتفاء الذاتي يشكل عقبة رئيسية أمام الاقتصاد السلعي الرأسمالي الذي يتطلب توسعاً في علاقات التبادل لعلاقات السوق الداخلي والخارجي .
ثانياً : توفر قوة العمل في السوق ، فكان ذلك نتيجة طبيعية لتفتت علاقات الإقطاع وتحرير اليد العاملة في الريف وكانت اليد العاملة الريفية مصدراً أساسياً من مصادر قوة العمل في النظام الرأسمالي .
ثالثاً : مستوى التراكم النقدي نتيجة التوسع في مجال التجارة الخارجية بصورة أساسية فقد أحكمت إنكلترا سيطرتها على السوق الخارجية العالمية وحققت من وراء السيطرة والتجارة الاستعمارية أرباحاً طائلة كانت مصدراً أساسياً من مصادر التراكم النقدي فيها .
لقد بدأت الثورة الصناعية في مجال الصناعة النسيجية والغزلية نتيجة ارتفاع الطلب على هذه المنتجات في السوق الداخلي والخارجي . كما أدى تطور الآلة إلى تحسين وسائل النقل والاتصال الداخلي والخارجي معاً وبالتالي إلى توسع وامتداد السوق . وتدريجياً بدأ انتشار الآلة في الدول الأوروبية الأخرى وخاصة في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا التي بدأت طريق التطور نحو الرأسمالية .
وفي الوقت الحاضر تشهد الدول الرأسمالية وغيرها من الدول المتطورة ثورة صناعية علمية جديدة . إن الثورة العلمية الحالية تفتح أفاقاً جديدة أمام التطور الاقتصادي العالمي . إن الأتمتة ستسهم في حل الكثير من الصعوبات الاقتصادية القائمة في مجال الطاقة وتنمية الموارد الطبيعية . كما بإمكانها أن تسهم في تجاوز الحدود الطبيعية الفيزيولوجية والذهنية لقوة العمل .
إن التطور التكنولوجي الحديث والثورة العلمية يحدثان تغيرات هامة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتثير في نفس الوقت الكثير من المسائل النظرية أمام علم الاقتصاد. وتجري في هذا المجال حالياً محاولات جادة لتفسير هذه الظواهر الجديدة وتأثيرها على احتمالات التطور الاقتصادي والاجتماعي المقبل .
5- أشكال رأس المال :
4-1- رأس المال الصناعي :
هو أهم أشكال رأس المال في الاقتصاد الرأسمالي ، وتنبثق أهمية رأس المال الصناعي من إنجازه عملية الإنتاج المادي وبصورة خاصة في قطاع الصناعة . وهو بذلك يختلف عن رأس المال التجاري أو التسليفي اللذين يتخصصان في مجال التداول ومن الوجهة التاريخية يعد رأس المال التجاري والربوي أقدم من رأس المال الصناعي ، إلا أن رأس المال الصناعي أضحى وبعد ظهور الإنتاج الآلي على وجه الخصوص أهم أشكال رأس المال بحيث يمكن القول بأن بقية أشكال رأس المال أصبحت تابعة بشكل أو آخر لرأس المال الصناعي . وفي الفقرات السابقة أوضحنا المراحل التي مرت بها عملية الإنتاج الرأسمالي . وتشكل مرحلة الانتقال إلى الإنتاج الآلي بدون شك أهم مراحل تطور النظام الرأسمالي وتطور علاقات الإنتاج للرأسمالي . وقد كان لرأس المال الصناعي دور أساسي في هذا التطور وكان تطور علاقات الإنتاج الرأسمالي يعتمد أساساً على الأشكال والمراحل التي اتخذها تطور رأس المال الصناعي .
4-2- رأس المال التجاري :
أشرنا في البحث الخاص بنظام الرق إلى الظروف التي أحاطت بنشوء رأس المال التجاري ورأس المال الربوي في مرحلة اتسمت باتساع مجال التبادل السلعي وازدياد دور النقد في الحياة الاقتصادية وفيما بعد ازدادت أهمية رأس المال التجاري والربوي في الاقتصاد الإقطاعي كنتيجة طبيعية لازدياد الإنتاج والتبادل. وفي الأساس فقد كان ظهور رأس المال التجاري مرتبطاً بانفصال عملية التبادل عن عملية الإنتاج. فبعد أن كان التبادل يتم مباشرة بين المنتجيــن (المقايضة) فإن صعوبة التبادل فيما بعد والناشئة عن ازدياد عدد المنتجين وتبعثرهم أدى إلى ضرورة وجود فئة وسيطة من التجار متخصصة بعمليات التبادل أي شراء وبيع السلع في السوق .
إن الاقتصاد الرأسمالي كما هو معروف اقتصاد تبادلي . ومن الطبيعي أن يكون للتبادل فيه أهمية اقتصادية خاصة هي أكبر بكثير من مكانة التبادل في الاقتصاديات السابقة للرأسمالية .
وبالنسبة لدور ووظيفة رأس المال التجاري في الاقتصاد الرأسمالي فمن الممكن التمييز بين مرحلتين . في المرحلة الأولى لنشوء الاقتصاد الرأسمالي لم يكن لرأس المال التجاري دور أساسي في عملية التبادل في السوق . وهذا يقود إلى أن رأس المال الصناعي كان يقوم بعملية الإنتاج والتداول في السوق معاً . ذلك لأن السوق في تلك المرحلة كان ضيقاً بسبب الضآلة النسبية للإنتاج وبالتالي كمية السلع الخاضعة للتداول .
في المرحلة الثانية ومع تطور الإنتاج الآلي وزيادة الإنتاج السلعي الكبير اتسعت عملية التبادل في السوق مما أدى إلى ضرورة انفصال عملية الإنتاج عن عملية التداول وأصبح رأس المال الصناعي متخصصاً في عملية الإنتاج بينما عهد إلى رأس المال التجاري مهمة القيام بعملية التداول في السوق .
وقد تميزت هذه المرحلة بالذات بتعدد مراكز الإنتاج واتساع التخصص والتنوع في إنتاج السلع كما تباينت الفترات الزمنية بين فترات الإنتاج وفترات الاستهلاك . فقد تستمر المصانع في إنتاج سلعة ما طوال السنة بينما يكون الطلب على استهلاكها منحصراً في فصل واحد من فصول السنة ( كإنتاج الألبسة الشتوية مثلاً ) كما تباعدت مراكز الإنتاج عن مراكز الاستهلاك نتيجة تبعثر المستهلكين بعد أن اتسعت المدن اتساعاً كبيراً . واتسعت علاقات السوق الداخلي والخارجي في آن واحد، كل هذه الظروف اقتضت أن يكون لرأس المال التجاري دوراً هاماً في عمليات نقل السلعة وتخزينها وحفظها للوقت المناسب لبيعها في السوق .
لقد اتخذت الوساطة التي يقوم بها رأس المال التجاري أشكالاً مختلفة . وتعددت الحلقات الوسيطة بين مركز إنتاج السلعة وبين مراكز البيع النهائي . وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى تجارة الجملة وتجارة للفرق . أو التجزئة كمراحل وسيطة في عملية تداول السلعة . فقد تخصصت بعض رؤوس الأموال التجارية بتجارة الجملة وهي التي تقوم بدور الوسيط بين مراكز الإنتاج ومراكز بيع السلعة كما تخصصت رؤوس أموال تجارية أخرى بعملية التجارة بالمفرق . أي إيصال السلعة إلى المستهلك النهائي .
4-3- رأس المال التسليفي :
يتعامل هذا النوع من أنواع رأس المال بالنقد. ويحصل مالك النقد مقابل التسليف على عائد يسمى بالفائدة. وكان رأس المال الربوي قد ظهر ولأول مرة في اقتصاد الرق. إلا أن رأس المال التسليفي الذي نشأ مع ظهور الرأسمالية حل مكان رأس المال الربوي وأصبح جزءاً أساسياً من رأس المال الاجتماعي .
من البديهي أن يكون للنقد في الاقتصاد الرأسمالي السلعي – النقدي دور تميز وأكثر فعالية منه في الاقتصاديات السابقة الرأسمالية . وعادة لا يقوم صاحب رأس المال التسليفي بنفسه بتوظيف النقد في استثمارها . وإنما يمنح هذا الحق لأصحاب رؤوس الأموال الصناعية والتجارية مقابل معدل معين من الفائدة .
ويقوم النظام المصرفي حالياً بإنجاز وظائف رأس المال التسليفي والإشراف على الحركة النقدية وتوجيهها وفق متطلبات السياسة المصرفية المقررة . إن الأجهزة المصرفية لا تعتمد عادة على رؤوس أموالها الخاصة في منح القروض وإنما تعتمد على الأموال الفائضة عن حاجة المجتمع خلال فترة ما من الزمن . وتتكون الأموال الفائضة عادة من النقد غير الموظف في مجال الاستثمار أو الاستهلاك . ويرجع وجود مثل هذه النقود إلى التفاوت الزمني بين عملية الشراء وعمليات البيع أو إلى وجود أقساط استهلاك رأس المال الثابت كأقساط استهلاك الآلة المتراكمة حتى يحين وقت استبدال الآلة. أو قد تكون نتيجة الادخارات التي يودعها بعض الأفراد في المصارف .
إن المصارف تقوم بتوظيف هذه النقود الحرة لفترة معينة وذلك في منح القروض مقابل الفائدة. وقد تكون هذه القروض قصيرة لأجل تمنح لفترة وجيزة أو متوسطة الأجل أو طويلة الأجل. كما أصبح خصم السندات والكمبيالات وغيرها من الأدوات التجارية إحدى الوظائف الأساسية للأجهزة المصرفية .
لقد مرت أشكال رأس المال في مراحل مختلفة من التطور . إلا أن ما يميز مرحلة الاحتكار الحالية هو التعاون والترابط الوثيق فيما بين أشكال رؤوس الأموال المختلفة بحيث لا يجوز الفصل بين رأس المال الصناعي الذي ما يزال أهم أشكال رأس المال وبين رأس المال التجاري والتسليفي .


[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) أشكال رأس المال – مرجع سابق.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) أدوين مانسفيلد – عالم الاقتصاد- مركز الكتب الأردني عام 1988 صفحة 115
البحث السادس
الأجر في النظام الرأسمالي
1- تمهيـــــــد :
في الفصول السابقة أشرنا أكثر من مرة إلى أن هناك شرطاً أساسياً يجب أن يتوفر حتى يمكن تحقيق الإنتاج الرأسمالي أو عملية تجديد الإنتاج الرأسمالي وهو وجود قوة العمل وذلك بالإضافة إلى ضرورة توفر وسائل الإنتاج المختلفة ( البناء والآلات والمواد الأولية وغيرها ) في السوق .
إذن لا بد من وجود أناس يعرضون قوة عملهم للبيع في سوق العمل مقابل ما يسمى بأجر العمل . والأجر كإحدى الظواهر الاقتصادية للنظام الرأسمالي يعبر من حيث المحتوى عن علاقة اجتماعية بين من يملك رأس المال من جهة وبين من يملك قوة العمل من جهة أخرى .
والأجر كغيره من العلاقات الاقتصادية يحتاج للبحث والتحليل بهدف الكشف عن القوانين التي يخضع لها في ظل الاقتصاد الرأسمالي . إن دراسة نظام الأجور في النظام الرأسمالي يعد من المواضيع الهامة التي تعرض لها علم الاقتصاد. وقد ظهرت نظريات متعددة حول موضوع الأجر . وهذه النظريات تختلف أيضاً في تفسيرها لمحتوى وجوهر الأجر الذي اتخذ أشكالاً مختلفة في النظام الرأسمالي .
2- أشـــــــكال الأجر :
لقد اتخذ الأجر في النظام الرأسمالي منذ نشوئه أشكالاً مختلفة. ويرجع تعدد أشكال الأجر إلى أسباب واعتبارات شتى ترتبط بطبيعة المراحل التاريخية للاقتصاد الرأسمالي وظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . والفقرات القادمة تبحث في الأشكال الأساسية للآجر في النظام الرأسمالي
3- 1- أجر الوقت :
حسب هذا الشكل يعد الوقت الذي يستغرقه عمل العامل مقياساً لتحديد الأجر ويشكل معدل أجر الساعة الواحدة والذي يرمز إليه عادة بسعر العمل وحدة قياس الأجر . وتتخذ وحدة قياس الأجر أساساً لحساب الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري ، حيث يكون أجر العامل في اليوم أو الأسبوع أو الشهر عبارة عن سعر العمل ( سعر ساعة العمل الواحدة ) مضروباً بعدد ساعات العمل اليومي أو الأسبوعي فإذا كان سعر العمل أو سعر ساعة العمل الواحدة نصف دولار فإن أجر العامل اليومي يكون أربعة دولارات إذا بلغت ساعات العمل اليومي ثماني ساعات في اليوم الواحد .
إن نظام الوقت القائم على أساس أجر الساعة الواحدة يحقق لصاحب رأس المال عدة مزايا منها :
أولا - إطالة ساعات العمل اليومي :
يمكن إطالة ساعات العمل اليومي عن طريق إنقاص سعر العمل في الساعة الواحدة . ففي هذه الحالة قد يقبل العامل بإطالة ساعات العمل اليومي وذلك من أجل زيادة مقدار الأجر اليومي الضروري لتحديد قوة عمله اليومية والإنفاق على أفراد عائلته . فإذا تحدد سعر ساعة العمل الواحدة أربعين سنتاً بدلاً من خمسين سنتاً ففي هذه الحالة فإن على العامل أن يقوم بعشر ساعات عمل في اليوم بدلاً من ثماني ساعات حتى يتمكن من المحافظة على مقدار الأجر اليومي الضروري وهو يعادل حسب الافتراض أربعة دولارات في اليوم الواحد .
وحتى إذا افترضنا أن سعر ساعة العمل الواحدة بقي على حاله دون تغيير ( خمسين سنتاً حسب المثال السابق ) فإن ساعات العمل اليومية قد ترتفع من ثماني ساعات إلى عشر ساعات ، وعندها يحصل العامل على ما يسمى بأجر العمل الإضافي إن ما يحصل عليه العامل من أجر إضافي قدره (50 سنت ×2 ساعتين = 1 دولار واحد ) لا يعادل ما يفقد من الطاقة المبذولة في الساعات الأخيرة من العمل ، لأن الساعات الأخيرة من العمل تتطلب تكثيفاً لطاقة العمل وبجهد العامل أكبر مما تتطلبه ساعات العمل الأولى . لأن قوة العمل تستهلك تدريجياً خلال العمل .
ثانياً - تحقيق المرونة التي تتطلبها مقتضيات الإنتاج :
إن تحديد الأجر على أساس الساعة الواحدة يتيح إمكانية تحقيق المرونة في الإنتاج التي تتطلبها شروط العرض والطلب في السوق . إذ باستطاعة صاحب رأس المال أن يقلل من ساعات العمل اليومي أو الأسبوعي إذا تقلص الطلب على السلعة في السوق في فترة ما من الزمن . وفي مثل هذه الحالات لا يحصل العامل على نفس الأجر طالما أن سعر ساعة العمل هو مقياس الأجر وليس سعر العمل اليومي أو الأسبوعي الثابت . لأن مقدار الأجر يتوقف على عدد ساعات العمل الفعلي .


ثالثا - تكثيف العمل :
إذ أن تحديد سعر ساعة العمل الواحدة كمقياس لحساب الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري يتيح الفرصة لتكثيف العمل . فقد يلجأ صاحب رأس المال أحياناً إلى تخفيض ساعات العمل اليومي لأسباب لا تتعلق بتحقيق المرونة المطلوبة في الإنتاج وإنما يكون هذا التخفيض بهدف تحقيق تكثيف العمل . حيث أن تخفيض ساعات العمل اليومي يساعد في المحافظة على طاقة العمل لفترة قصيرة . وخلال هذه الفترة القصيرة من العمل يكون العامل في حالة من النشاط الجسدي والذهني تساعده على تكثيف العمل وتركيز الجهد الذي ينعكس في النهاية في زيادة إنتاجية العمل خلال وحدة الزمن أي زيادة عدد الوحدات المنتجة من السلع خلال الساعة الواحدة .
إلا أن نظام أجر الوقت لا يعطي العامل أي حافز مادي لزيادة إنتاجية العمل إلى أقصى حد ممكن لأن الأجر يتحدد وفق سعر ساعة العمل الواحدة . ولذلك لا بد من اللجوء إلى استخدام نظام دقيق للرقابة على العمل بهدف الاستغلال الكامل لوقت العمل . كما يقوم صاحب رأس المال بمنح مكافآت إضافية للعمال المهرة الذين يحققون معدلات عالية في إنتاجية العمل . ولكن مهما يكن الأمر فقد يرى صاحب رأس المال أنه من الأفضل في بعض الظروف التخلي عن نظام أجر الوقت واستبداله بشكل آخر وهو شكل أجر القطعة .
2-2- أجر القطعة :
حسب هذا الشكل من أشكال الأجور فإن مقدار الأجر اليومي أو الأسبوعي يتحدد على أساس كمية أو عدد القطع المنتجة التي يحققها العامل أو يتوقف على عدد المراحل التي ينجزها العامل في عملية الإنتاج . إذ خلافاً لشكل أجر الوقت فإن الأجر الذي يحصل عليه العامل لا يتحدد وفقاً لسعر ساعة العمل كوحدة القياس الأجر وإنما يرتبط تحديده بعدد الوحدات السلعية المنتجة أو يعدد مراحل محددة من العمليات الإنتاجية خلال فترة ما من الزمن .
فإذا كان سعر ساعة العمل مضروباً بعدد ساعات العمل هو الذي يحدد بالنتيجة مقدار الأجر اليومي أو الأسبوعي حسب نظام أجر الوقت فإن الأجر يختلف عند حسابه وفقاً لنظام أجر القطعة ، إذ أن وحدة القياس حسب نظام أجر القطعة هي معدل أجر القطعة الواحدة . ويتحدد هذا المعدل عادة وفقاً لمعايير ومقاييس فنية تحدد بالتالي عدد القطع أو السلع الواجب إنتاجها خلال وحدة الزمن .
ويمكن الاستنتاج بأن شكل أجر القطعة ما هو إلا عبارة عن مقياس ظاهري لتحديد الأجر اليومي أو الأسبوعي أو الشهري . حيث تبقى وحدة الزمن هي المقياس الأساسي والجوهري لحساب وتحديد الأجر . ذلك لأن إنتاج القطعة الواحدة يجسد كمية من الزمن اللازم بنتاجها . وأن معايير إنتاج القطعة تتحدد بالزمن الذي يستغرقه إنتاج هذه القطعة كأن تقول إن قطعة ما تحتاج إلى نصف ساعة لإنتاجها. وباختصار يمكن القول بأن أجر القطعة ما هو إلا شكل معدل لأجر الوقت . فإذا كان أجر الوقت لا يربط بين الوحدة الزمنية ( الساعة ) وبين عدد القطع أو الوحدات الناتجة فإن نظام أجر القطعة يربط بين عدد القطع أو الوحدات المنتجة وبين الزمن الذي يتطلبه إنتاج هذه القطع أو الوحدات .
إلا أن معدل أجر القطعة لا يبقى ثابتاً ، ويخضع تغير هذا المعدل لعاملين أولهما زيادة إنتاجية العمل أي زيادة عدد الوحدات أو القطع الناتجة خلال الساعة الواحدة وذلك عن طريق إدخال وسائل تكنيكية حديثة على عملية الإنتاج وثانيهما تكثيف العمل إلى أقصى حد ممكن أي تكثيف وتركيز طاقة العمل بهدف زيادة عدد القطع المنتجة ضمن ظروف الإنتاج القائمة دون إدخال وسائل حديثة ، أي العمل على استغلال الطاقة الإنتاجية للآلة إلى أقصى حد ممكن .
أولاً - سهولة الرقابة :
إذ أن وضع معايير للعمل يتحدد بموجبها عدد القطع الواجب إنتاجها خلال وحدة ما من الزمن يسهل عملية الرقابة على كمية ونوعية المنتجات التي يحققها العامل في عملية الإنتاج ، حيث لا تخضع الرقابة إلى الأسلوب العشوائي وإنما تتم في مثل هذه الحالة بالمقارنة مع المقاييس الإنتاجية المحددة .
ثانيا – ربط الأجر بالإنتــــــاج :
ففي نظام أجر القطعة لا يدفع الأجر مقابل أي جهد من العمل ما عدا الجهد أو العمل الذي يحقق المقاييس التي يحددها صاحب العمل . فإذا افترضنا على سبيل المثال أن معيار إنتاج القطعة الواحدة ستون دقيقة وأن معدل أجر القطعة الواحدة نصف دولار ، فلو استغرق عامل ما في إنتاج هذه القطعة وقتاً يفوق المعيار الزمني المحدد وكان على سبيل المثال ثمانين دقيقة ، فلا يتقاضى هذا العامل أي أجر إضافي مقابل الجهد الإضافي الذي بذله خلال العشرين دقيقة الأخيرة . وبذلك تصبح الغاية من اللجوء إلى استخدام نظام أجر القطعة أكثر وضوحاً إذ أن استخدام هذا الأسلوب يحث العامل على التقيد بمعايير العمل المحدد ويدفعه إلى تكثيف العمل وبذل أقصى طاقته حتى يحقق إنتاج عدد القطع المطلوبة ويضمن بالتالي الأجر الضروري لتجديد قوة عمله .
إن لكل من شكل أجر الوقت وأجر القطعة مزاياه ومساوئه بالنسبة لصاحب رأس المال . فإذا كان نظام أجر الوقت بالرغم من مزاياه يفتقر إلى مزية ربط الأجر بالإنتاج فأن إحدى مساوئ نظام أجر القطعة هي صعوبة تغيير معايير نتائج العمل بين فترة وأخرى إذ أن مثل هذا التغيير يستلزم دراسة فنية دقيقة فضلاً عن الانعكاسات السلبية التي يسببها تخفيض أجر القطعة الواحدة في أوساط العاملين وقد يصطدم أي تخفيض في معدل أجر القطعة الواحدة بمعارضة عمالية يصعب معها إجراء أي تغيير في المعدل المقرر للقطعة الواحدة .
إذن يتوقف تطبيق كل من نظام أجر الوقت ونظام أجر القطعة على الكثير من الاعتبارات الاقتصادية والفنية والسياسية. ومن هذه الاعتبارات تطور المستوى التكتيكي وانعكاسه على الأجور ومنها أيضاً الدور الذي تلعبه النقابات العمالية في تحديد الأجر في النظام الرأسمالي.
ومن الوجهة التاريخية كان استخدام نظام أجر الوقت ممكناً في المراحل الأولى المبكرة في تاريخ النظام الرأسمالي . ففي هذه المراحل كان العمل اليدوي هو الشكل الشائع في عملية الإنتاج . ونتيجة لاستخدام العمل اليدوي لم تكن إنتاجية العمل مرتفعة بحيث تتطلب وضع معايير دقيقة لعدد القطع الواجب إنتاجها . ومن أجل ذلك كان تطبيق نظام أجر الوقت ممكناً . وفي مرحلة متقدمة من الإنتاج ومع دخول الآلة بصورة خاصة إلى عملية الإنتاج ، أصبح استخدام أجر القطعة ضرورياً نظراً للاهتمام بزيادة إنتاجية الآلة واستغلالها استغلالاً كاملاً .
في الظروف الحالية التي تحيط بعملية الإنتاج في النظام الرأسمالي والتي تتميز بإحداث ثورة علمية – تقنية في أساليب وطرق الإنتاج عن طريق استخدام الآلات الأوتوماتيكية وغيرها من الأساليب التكنولوجية الحديثة ، في مثل هذه الظروف الجديدة فإن إنتاج أكبر كمية ممكنة من السلع يرتبط مباشرة بسرعة العمل الآلي في إنجاز العمليات الإنتاجية المختلفة . وفضلاً عن ذلك فإن أولى النتائج المترتبة على إدخال تغييرات مستمرة في الأساليب التكنولوجية هي الزيادة المستمرة في إنتاجية العمل. وفي ظل هذه الظروف المتغيرة باستمرار يصبح من الصعوبة بمكان وضع معايير ثابتة ودقيقة لعدد القطع أو السلع الواجب إنتاجها خلال وحدة الزمن . أضف إلى ذلك تضاؤل دور العمل الجسدي في عملية الإنتاج . كل هذه العوامل تجعل من استخدام نظام أجر القطعة أمراً في غاية الصعوبة . ويصبح نظام أجر الوقت أكثر ملاءمة منه في ظل هذه الظروف . ففي الولايات المتحدة تتقاضى نسبة كبيرة من العمال الجر على أساس أجر الوقت . ويتضاءل استخدام نظام أجر القطعة في الفروع الإنتاجية التي تلجأ إلى إدخال الوسائل التقنية الحديثة على عملية الإنتاج .
-الأجر الاسمي والأجر الحقيقي وعوامل تغيير أجر العامل
1- الأجر الاسمي والأجر الحقيقي :
تضمنت الفقرات السابقة دراسة أشكال الأجر . وهذه الدراسة أوضحت مختلف الأسس التي تتخذ في تحديد الأجر في النظام الرأسمالي . كما أصبح واضحاً أن الهدف الأساسي من تغير أشكال الأجر والانتقال من شكل إلى آخر هو تكثيف العمل وزيادة إنتاجية العمل إلى أعلى مستوى تسمح به ظروف الإنتاج.
ولكن مهما اختلف شكل الأجر سواء أكان على أساس الوقت أم القطعة أم غيرها فإننا في جميع الأحوال يجب أن نميز بين نوعين من الأجر ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)).
الأول : - الأجر الاسمي :
وهو يمثل الأجر النقدي أو كمية النقود التي يحصل عليها العامل ويطلق عليه أحياناً بالأجر النقدي الاسمي .
الثاني - الأجــــر الحقيقي :
أما الأجر الحقيقي فهو يمثل كمية ونوعية السلع والخدمات استهلاكية المختلفة التي يتمكن العامل من الحصول عليها عندما يقوم بعملية تحويل الأجر النقدي إلى سلع وخدمات ضرورية في السوق . وأن كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل هي التي تحدد المستوى المعيشي الحقيقي وتحدد الظروف المختلفة التي يتم فيها تجديد قوة العمل .
ويمكن الإشارة أيضاً إلى أنه في المراحل الأولى من تطور النظام الرأسمالي انتشر وبدرجات متفاوتة ما يسمى بالأجر الطبيعي ، وحسب الأجر الطبيعي فإن العامل لا يحصل على كامل أجره على شكل نقدي . فقد كان يدفع القسم الأول على شكل نقدي والقسم الثاني على شكل سلع مختلفة . وقد ظل الأجر الطبيعي قائماً في روسيا حتى عام 1910حيث كان يدفع 1/10
من أجر العامل على شكل سلع استهلاكية. وكانت تقوم بهذه المهمة محلات تجارية تابعة مباشرة للمؤسسات الصناعية . وكانت هذه المحلات هي التي تحدد سعر ونوعية هذه السلع . وتدريجياً اختفى الشكل الطبيعي للأجر في الدول الرأسمالية . وأصبح الأجر النقدي هو الشكل الشائع للأجر في هذه الدول.
بعد تقسيم الجر إلى نوعين . الأجر النقدي والجر الحقيقي يصبح بديهياً القول بأنه لا يجوز النظر إلى مستوى الأجر من زاوية الأجر النقدي الذي يتقاضاه العامل . لكن ما هو أهم من الأجر الاسمي هو الأجر الحقيقي أي القيمة الحقيقية التي يمثلها الأجر النقدي والتي تتمثل في كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل مقابل الأجر النقدي في السوق .
إن تحليل العلاقة القائمة بين الأجر الاسمي النقدي وبين الأجر الحقيقي يقودنا إلى الكشف عن وجود علاقة غير ثابتة وغير متوازية بين نوعي الأجر الاسمي والحقيقي إذ أن هذه العلاقة بين الأجر النقدي والجر الحقيقي تظهر بأشكال مختلفة .
الأول: زيادة الأجر الاسمي النقدي مع بقاء أسعار السلع استهلاكية ثابتة في السوق ففي هذه الحالة يمكن القول أن هناك زيادة في الأجر الحقيقي لأن العامل يستطيع الحصول على كمية أكبر من السلع والخدمات نتيجة زيادة الأجر النقدي مع ثبات السعار في السوق .
الثاني: زيادة اجر اسمي النقدي بنسبة أقل من زيادة الجر الحقيقي . فلو ارتفع الأجر الاسمي النقدي بنسبة 5 % وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية في السوق إلى 10% ففي في مثل هذه الحالة انخفاض في مستوى الأجر الحقيقي . ذلك لأن الزيادة في أسعار السلع الاستهلاكية تكون في هذه الحالة أكبر من الزيادة النسبية في الأجر الاسمي . أي أنه بالرغم من ارتفاع الجر الاسمي النقدي فإن العامل سيحصل على كمية أقل من السلع والخدمات .
الثالث: زيادة الأجر الاسمي النقدي بنسبة متوازية مع زيادة الأجر الحقيقي . فلو ارتفع الأجر الاسمي النقدي بنسبة 5% . وبالمقابل ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بنفس النسبة أي 5% فإن العامل يحافظ في هذه الحالة على مستوى الأجر الحقيقي بالرغم من زيادة الأجر الاسمي وذلك نظراً لارتفاع الأسعار بنفس نسبة زيادة الجر الاسمي .
وهكذا يصبح من البديهي عند دراسة وتحديد العلاقة بين الأجر الاسمي النقدي وبين الأجر الحقيقي أن نأخذ بالاعتبار العوامل التالية .
العامل الأول: وهو كمية النقد التي يحصل عليها العامل والتي تمثل مستوى الأجر الاسمي النقدي .
العامل الثاني : مستوى أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية الضرورية لتجديد قوة العمل ولحياة عائلة العامل . لأن ارتفاع أو انخفاض أسعار هذه السلع والخدمات هي التي تحدد المستوى المعاشي للعامل وعائلته ، ليصبح بالتالي من الخطأ النظر إلى مستوى الأجر من زاوية الأجر الاسمي النقدي فقط .
العامل الثالث : معدل أو نسبة الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة التي تؤدي إلى تخفيض الرواتب والأجور. فمن المعلوم أن شكل الضريبة المباشرة يكون على شكل اقتطاع مباشر من الرواتب والأجور بنسبة قد تختلف بين حين وآخر كأن نقول مثلاً أن نسبة الضريبة المباشرة على دخل الرواتب والأجور هي 10% من القيمة الكلية للأجر كما قد تفرض الضرائب والرسوم بصورة غير مباشرة مثلاُ فرض ضريبة أو رسم على أسعار بعض السلع الاستهلاكية ( كالرسوم المفروضة على السكر أو غيره ). وهذه الأشكال الضريبية المباشرة وغير المباشرة تؤدي إلى تخفيض الأجر النقدي والجر الحقيقي وتتحول إلى شكل من أشكال إيرادات الميزانية العامة للدولة .
إن هذه العوامل مجتمعة هي التي تحدد مستوى الدخل الحقيقي والفعلي . ولتوضيح العلاقة بين هذه العوامل نفترض ، على سبيل المثال ، أن الأجر النقدي في فترة ما بلغ –500- دولار وبلغت الضرائب المباشرة والحسميات الأخرى مثل حسميات التأمين الاجتماعي والصحي – 100- دولار فإن الأجر النقدي الصافي يصبح في هذه الحالة – 400- دولار ، وهو الدخل أو الأجر الصافي الذي يتصرف به العامل في شراء السلع والخدمات الضرورية في السوق . وباختصار فإن كمية ونوعية السلع والخدمات التي يحصل عليها العامل في السوق هي التي تحدد المستوى المعيشي للعامل أو بكلمة أخرى هي التي تحدد الدخل الحقيقي . فلو افترضنا أن تغيراً ما حدث في مستوى الأجر النقدي بحيث ارتفع بنسبة 10% فإن الدخل النقدي يصبح في هذه الحالة –550- دولار . فإذا بقيت العوامل الأخرى على حالها أي دون تغير في مستوى السعار ونسب الضرائب فلا شك أن العامل يستطيع في هذه الحالة شراء كمية أكبر من السلع والخدمات في السوق مما يؤدي إلى ارتفاع في مستوى الأجر أو الدخل الحقيقي . أما إذا رافقت هذه الزيادة في الدخل النقدي زيادة أكبر منها في أسعار السلع والخدمات أو زيادة جديدة في النسب الضريبية بحيث بلغت نسبة ارتفاع الأسعار 15% فإن العامل لا يتمكن من الحصول على نفس الكمية السابقة من السلع والخدمات ، مما يؤدي إلى انخفاض في مستوى الدخل أو الأجر الحقيقي وذلك بالرغم من ارتفاع الأجر الاسمي النقدي . أما إذا ارتفعت الأسعار والضرائب بنفس نسبة الزيادة في الأجر الاسمي النقدي فإن العامل في هذه الحالة سيحافظ على المستوى السابق للدخل الحقيقي .
إن ظاهرة التضخم المتمثلة في ارتفاع أسعار السلع والخدمات تؤثر بدون شك تأثيراً سلبياً على مستوى الدخل الفردي الحقيقي فيما لو كانت معدلات زيادة التضخم أي معدلات زيادة أسعار السلع والخدمات أعلى من زيادة معدلات ارتفاع الأجر الاسمي النقدي . أما إذا تعادلت معدلات زيادة التضخم مع معدلات زيادة الأجر النقدي اسمي فلا يحدث عندئذ أي تغير في مستوى الدخل الحقيقي. كما أن زيادة الدخل النقدي الاسمي وفق معدلات أعلى من زيادة معدلات التضخم ستؤدي إلى ارتفاع في مستوى الدخل الحقيقي .
2- العوامل الأساسية في تغير قيمة ومستوى أجر العمل :
بعد أن ميزنا بين مفهوم الأجر الاسمي النقدي ومفهوم الأجر الحقيقي وأوضحنا العلاقة المتبادلة بينهما لا بد من البحث في العوامل المختلفة التي تؤدي إلى تغير في مستوى وقيمة أجر العمل . إذ يلاحظ في الحياة العملية أن أجر العمل لا يبقى ثابتاً وإنما يتغير باستمرار بفعل الكثير من العوامل . فإذا كانت الغاية النهائية من استخدام أجر العمل هي تجديد طاقة وقوة العمل فإن تحقيق هذه الغاية لا يتم في ظروف اقتصادية ثابتة لأن هذه الظروف خاضعة لمجموعة من التغيرات في المستوى والتطور الاقتصادي . وطالما أن الظروف والعلاقات الاقتصادية في تغير ديناميكي مستمر فإن مقدار وقيمة أجر العمل كإحدى الظواهر والعلاقات الاقتصادية لا يبقى بالتالي في حالة الثبات وإنما في حالة التغير المستمر . فقد يزداد أو ينقص مقدار أجر العمل . إذن لا بد من معرفة العوامل التي تؤدي إلى مثل هذا التغير في أجر العمل . وفي الواقع هناك عوامل متعددة ذات تأثير مختلف على تغير مستوى أجر العمل . ومن هذه العوامل ما يساعد على تخفيض أجر العمل ومنها ما يستلزم زيادة أجر العمل وهذه العوامل هي :
آ - عوامل انخفاض أجر العمل :
يرجع هذا العامل بصورة أساسية إلى زيادة إنتاجية العمل . وبعد زيادة إنتاجية العمل أي العامل الرئيسي الذي يساعد على تخفيض الأجر النقدي الضروري لتجديد قوة العمل . فقد أشرنا مراراً إلى أن زيادة إنتاجية العمل تعني زيادة السلع المنتجة خلال وحدة الزمن وهي الساعة الواحدة . فلو افترضنا أن إنتاجية العمل كانت وحدتين من السلع في الساعة الواحدة ثم تضاعفت نتيجة لتحسين شروط الإنتاج كإدخال وسائل حديثة على عملية الإنتاج بحيث أصبح عدد الوحدات المنتجة خلال الساعة الواحدة أربع وحدات بدلاً من وحدتين ، فإن إنتاجية العمل تكون قد تضاعفت وفي حالة تضاعف إنتاجية العمل على هذا الشكل فإن إنتاج الوحدة الواحدة يتم خلال ربع ساعة بدلاً من نصف ساعة ، وهكذا تتناقص تكلفة الإنتاج وتكلفة العمل المبذول في إنتاج السلعة الواحدة ، ومن جهة أخرى فإن انخفاض التكلفة يعني انخفاضاً في قيمة وسعر السلعة في السوق .
فلو حدث مثل هذا الأمر في إنتاج السلع الاستهلاكية بحيث تضاعفت إنتاجية العمل في إنتاج هذا النوع من السلع فمن المنطقي والطبيعي أن تنخفض أسعار سلع الاستهلاك الفردي إلى نصف الأسعار السابقة والتي كانت سائدة في السوق . وفي وجود مثل هذه الحالة فإن العامل لا يحتاج إلى نفس الكمية من الأجر الذي كان يتقاضاه سابقاً لشراء السلع الاستهلاكية الضرورية . حيث أن نصف مقدار الأجر السابق يكفيه في حال انخفاض السعار إلى النصف للحفاظ على مستوى الدخل الحقيقي . فإذا انخفضت أسعار السلع بنسبة 50% فإن 50% من الأجر النقدي السابق يكون كافياً لشراء نفس الكمية من السلع الاستهلاكية الضرورية لتجديد قوة العمل .
إلى جانب هذا العامل الأساسي في انخفاض أجر العمل يوجد هناك أيضاً عوامل أخرى تساعد في تخفيض أجر العمل . فمن المعلوم أن زيادة الطلب على قوة العمل في النظام الرأسمالي قد دفعت إلى دخول المرأة وبعض أفراد العائلة الواحدة كالأطفال إلى عملية الإنتاج . إن اشتراك عدد أكبر من أفراد العائلة في عملية الإنتاج سيزيد بدون شك من مجموع الدخول النقدية الاسمية للعائلة الواحدة . إن زيادة عدد الدخول الفردية للعائلة الواحدة سيتيح الفرصة إلى إنقاص الأجر النقدي الاسمي للفرد الواحد طالما أن تزايد عدد الدخول الفردية يصبح كافياً لاستمرار حياة العائلة الواحدة . بينما لو اعتمد مستوى الحياة العائلة على دخل فرد واحد فقط من أفرادها فلا بد في هذه الحالة من أن يكون الأجر النقدي لهذا الفرد الواحد مرتفعاً حتى يلبي المتطلبات المعيشية الضرورية للعائلة واحتياجاتها المختلفة .
ب – عوامل زيادة أجر العمال :
إلى جانب وجود العوامل التي تساعد على تخفيض الأجر النقدي توجد عوامل أخرى تستدعي زيادة قيمة أجر العامل . وفي هذا الصدد يمكن ذكر العوامل التالية التي تساعد على زيادة أجر العمل :


أولاً - عامل تزايد الاحتياجات الفردية :
من المعلوم أن الاحتياجات الفردية وكذلك وسائل إشباعها لا تبقى ثابتة وإنما هي في حالة تغير مستمر. فمع مرور الزمن تتطور وتزداد هذه الاحتياجات الفردية كماً ونوعاً . ففي مرحلة معينة تصبح بعض الحاجات التي كانت تعد كمالية في السابق من الحاجات الضرورية . وهكذا تتغير مع التقدم الاقتصادي والاجتماعي الحاجات الفردية المادية والثقافية الضرورية لتجديد قوة العمل . إذ يلاحظ في الوقت الحاضر تزايد الحاجات الفردية المختلفة مع تزايد وتنوع المنتجات المختلفة . وهذا التطور الكمي والنوعي في المستوى المعاشي للفرد يؤدي إلى ضرورة زيادة الأجر حتى يمكن مواجهة المتطلبات الاستهلاكية الفردية المتزايدة .
ثانيا - عامل تكثيف العمل :
لقد أشرنا سابقاً إلى أن صاحب رأس المال يلجأ إلى تكثيف العمل إلى أقصى درجة ممكنة وذلك بهدف الاستغلال السريع والأمثل لوسائل الإنتاج وتحقيق الحد الأقصى من إنتاجية العمل والربح . ومن أجل ذلك يستخدم صاحب رأس المال كل الوسائل الممكنة للرقابة على العمل والحوافز المختلفة من أجل تكثيف العمل أي زيادة وتركيز الجهد الذي يبذله العامل في عملية العمل . إلا أن تكثيف العمل المبذول في عملية العمل يستلزم تزايداً في إنفاق الطاقة الجسدية والذهنية . ومن جهة أخرى فإن تزايد الإنفاق في الطاقة الجسدية والذهنية يتطلب تزايد في كمية السلع والخدمات الضرورية لتعويض الاستهلاك الكثيف في طاقة العمل . أي أن ذلك يستدعي زيادة أجر العمل .
إن التطور التقني والعلمي يتطلب مستوى معيناً من المعرفة العلمية والتأهيل الفني . وفي الوقت الحاضر يتزايد هذا التطور بوتائر سريعة وهو يفرض باستمرار ارتفاعاً في مستوى العاملين الفني والعلمي . فالشروط التكتيكية المنتجة تجعل عملية الإنتاج أكثر تعقيداً من السابق . وهي تتطلب من العاملين تركيزاً ذهنياً وتكثيفاً شديداً في العمل حتى يمكن التحكم في العمليات الإنتاجية المعقدة . إن هذه الشروط الجديدة تستلزم بدون شك زيادة الأجر التعويض استهلاك الطاقة الذهنية التي يستلزمها التكثيف المتزايد في عملية العمل .
ثالثا - عامل مستوى التأهيل والمهارة :
إن أجر العمل يتحدد وفق اعتبارات تتعلق بدرجة التأهيل الفني والخبرة والمهارة ومع اختلاف درجات التأهيل والمهارة تختلف بالتالي أجور العمال . فمن الطبيعي أن يرتفع مقدار الأجر كلما ارتفع مستوى التأهيل والمهارة . ولهذا الاعتبار أهمية في الوقت الحاضر في تحديد مقدار الأجر . فكما أشرنا إلى أن المتطلبات الحالية لعملية الإنتاج التي يفرضها ارتفاع المستوى التكتيكي والعلمي تستلزم وجود مستوى معيناً من المعرفة والخبرة العلمية . يلاحظ حالياً التضاؤل النسبي لدور العمل اليدوي وتزايد المكانة التي يحتلها العمل الذهني في عملية الإنتاج . وهذا التغير النوعي في طبيعة العمل يشترط في نفس الوقت زيادة في أجر العمل .
رابعاً - تأثير عوامل العرض والطلب في سوق العمل :
بالإضافة إلى العوامل السابقة التي يساعد البعض منها على تخفيض أجر العمل بينما يستدعي البعض الآخر زيادة أجر العمل توجد عوامل أخرى لها أيضاً تأثيرها على أجر العمل وهي عوامل العرض والطلب على قوة العمل في سوق العمل .
ومن المفيد قبل أن نتطرق إلى تأثير هذه العوامل التذكير بتأثير عوامل العرض والطلب على سعر السلع في السوق . فإذا ازداد الطلب على سلعة ما عن العرض على هذه السلعة فإن السعر يرتفع في السوق وعلى العكس فإن انخفاض الطلب عن العرض سيؤدي إلى انخفاض القيمة أو السعر في السوق . إن عوامل العرض والطلب تؤثر على سعر السلعة في السوق . فقد ينحرف السعر عن القيمة ارتفاعاً عندما يزداد الطلب عن العرض بينما ينحرف السعر عن القيمة انخفاضاً إذا قل الطلب عن عرض السلعة في السوق .
إن هذه القاعدة تنطبق بشكل أو بآخر على أجر العمل في النظام الرأسمالي ، حيث يتأثر تحديد أجر العمل بعوامل عرض قوة العمل والطلب على هذه القوة في سوق العمل . وأن لهذا التأثير الذي تمارسه عوامل العرض والطلب في قوة العمل جوانب مختلفة ، وهذا يعني :
أولا : في حال زيادة الطلب على قوة العمل عن العرض الموجود منها في السوق فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع مقدار أجر العمل في النظام الرأسمالي .
ثانيا : في حالة زيادة العرض في قوة العمل عن الطلب عليها في سوق العمل فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض مقدار الأجر في النظام الرأسمالي . أن زيادة العرض من قوة العمل على الطلب عليها هو ما يدعى في علم الاقتصاد بالبطالة في سوق العمل . وتعني البطالة وجود فائض من قوة العمل . أي وجود أناس يبحثون عن مكان لهم في عملية الإنتاج الاجتماعي . وهكذا يكون للبطالة تأثير سلبي على مقدار أجر العمل إذ يساعد على انخفاض هذا الأجر في سوق العمل .
إلا أنه يجب معرفة وتحديد الأسباب والعوامل التي تحدد وجود أو عدم وجود البطالة أو فائض قوة العمل في سوق العمل . ونظراً للطبيعة الخاصة بقوة العمل الإنساني فإنه مما لا شك فيه إن وجود أو عدم وجود الفائض في قوة العمل أو البطالة يخضعان إلى أسباب وعوامل واعتبارات تختلف عن العوامل التي تحدد وجود فائض في عرض السلع أو زيادة في الطلب عليها في السوق. حيث أن عرض السلع في السوق يتحدد وفق الاعتبارات والظروف التي تحيط بعملية الإنتاج كما يتأثر الطلب على السلع بعدد المشترين أو المستهلكين للسلعة في السوق . ويمكن القول بأن العوامل والاعتبارات التي تحدد وجود أو عدم وجود فائض في قوة العمل والتي تؤثر على تحديد مقدار الأجر هي :
أولا : العلاقة بين نسبة العاملين فعلاً ونسبة العاطلين عن العمل .
ثانياً : معدلات النمو السكاني .
ثالثا : التقدم التقني .
رابعا : الدورات الموسمية لعملية الإنتاج .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) الان تورين – انتاج المجتمع – دمشق – وزارة الثقافة 1977 – صفحة 214










أسئلة نموذجية للتفكير والمساعدة على استيعاب محتويات الفصل:
- ما هو الفرق بين الاقتصاد الطبيعي والاقتصاد السلعي؟
-متى يتخذ الناتج شكل السلعة؟
- ما هو المقصود بالقيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية؟
- من الناحية التاريخية هناك أربعة أشكال للقيمة التبادلية؟ ما هو الفرق بين كل من هذه الأشكال؟
ـ كيف تفرق بين مفهوم النقد ومفهوم رأس المال؟
- ما هي المعادلة العامة للتداول السلعي الرأسمالي؟ ما هو الفرق بينها وبين معادلة التداول السلعي الصغير؟
- ما هو الفرق بين التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي والتعاون البسيط في اقتصاديات ما قبل الرأسمالية ؟
- ما هي مزايا التعاون البسيط في الإنتاج الرأسمالي ؟
- ما هو الفرق بين شكل الإنتاج في التعاون البسيط وشكل الإنتاج في المانيفكتورة ؟
- ما هي مزايا المانيفكتورة ودورها في تطور الرأسمالية ؟
- ما هي الصفات الخاصة بالإنتاج الآلي ؟ و ما هي مزايا وآثار المشروع الآلي الرأسمالي ؟
- ما هي أشكال رأس المال ؟ ما هو دور ووظيفة رأس المال الصناعي ؟
- ما هو دور كل من رأس المال التجاري والتسليفي ؟
- ما هو المقياس الذي يتخذ في حساب أجر الوقت؟ ما هي مزايا ومساوئ نظام أجر الوقت؟
- كيف يحدد الأجر في نظام أجر القطعة؟ هل يوجد مقياس مشترك بين حساب أجر الوقت وحساب أجر القطعة؟ ما هي مزايا ومساوئ أجر القطعة؟
- ما هي الغاية من نظام الحوافز في تحديد الأجر؟ وما هي أشكال هذه الحوافز؟ وما هو المقصود بالتقييم التحليلي للأجر؟
- ما هو الفارق بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي؟ كيف تتحدد أشكال العلاقة بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي؟
– هل تختلف عوامل انخفاض الأجر عن عوامل زيادة الأجر؟
الفصل الثالث
رأسمالية المنافسة – الرأسمالية الاحتكارية
البحث الأول
رأسمالية المنافســـة
1- مفهوم المنافســـــــة :
يقصد بمفهوم المنافسة بصورة عامة المزاحمة بين المنتجين الفرديين أو أصحاب رؤوس الأموال على تصريف منتجاتهم في السوق حتى تحقق القيمة الفردية الخاصة بكل من المنتجين أو أصحاب رؤوس الأموال اعترافاً اجتماعياً . وأن تكون القيمة الفردية متعادلة أو متقاربة مع القيمة الاجتماعية العادية . وعلى أن يعتبر العمل الفردي جزءاً من العمل الاجتماعي العام والمبذول في إنتاج كمية السلعة ذات النوع الواحد والمعروضة للتبادل في السوق ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)).
إن المنافسة حين تكتسب هذه الشمولية، وتصبح القاسم المشترك بين المنتجين الفرديين أو أصحاب رؤوس الأموال الخاصة ، فإنها تفتح المجال للقوانين الاقتصادية لأن تقوم بفعلها و تأثيرها الخاص في آلية الاقتصاد السلعي.إن قانون المنافسة هو أحد قوانين الاقتصاد الرأسمالي وهو يكتسب صفة القانون الموضوعي الذي يمارس عمله وتأثيره بمعزل عن إدارة الأفراد الذين يزاولون عملية التبادل السلعي في السوق .وكما سنرى فإن العمل العشوائي لهذا القانون يظهر بصورة خاصة في شروط المنافسة الرأسمالية الحرة.
وبغية التخفيف من التأثير العشوائي لقانون المنافسة ، فقد لجأ المنتجون الصغار أو الحرفيون والتجار في مرحلة العصر الوسيط التي سبقت ظهور الرأسمالية في أوروبا إلى تشكيل ما يسمى بالطرائق الحرفية أو المهنية التي كانت تسعى إلى ضمان مصالح أعضائها من الأضرار التي تنجم عن المنافسة العشوائية في السوق. وبهذا الشكل اتخذت المنافسة بين المنتجين والتجار في تلك المرحلة طابعاً خاصاً ومنظماً ومميزاً عن المنافسة الحرة التي ظهرت فيما بعد في النظام الرأسمالي.
إن السمة الأساسية للمنافسة الرأسمالية تبرز في هدف تحقيق أقصى ربح ممكن وهو الذي يسعى إليه كل من أصحاب رؤوس الأموال، وبهذا الشكل فإن المنافسة الرأسمالية تعبر عن المحتوى الحقيقي لطبيعة رأس المال .إن التنافس الرأسمالي حول الربح يتخذ لهذا السبب بالذات طابعاً أكثر حدة وأكثر تنوعاً واتساعاً مما قد تكون عليه المنافسة بين المنتجين الحرفيين الصغار. إن التنافس بين عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال والتجار يشمل مجالات واسعة تتعدى الحدود الوطنية إلى السوق العالمي وتؤدي بالنتيجة إلى إزاحة بعض رؤوس الأموال التي تعجز عن الاستمرار في السوق وإلى القضاء تدريجياً على المنتجين الحرفيين الصغار بسبب ضآلة حجم الاستثمار لديهم والإمكانيات المحدودة والعاجزة عن مسايرة متطلبات وشروط المنافسة في السوق.
2 - أشكال المنافسة الرأسمالية:
من الممكن تحديد أشكال المنافسة الرأسمالية وفق مقاييس عديدة. أولاً إذا اتخذنا من طبيعة النشاط الاقتصادي الإنتاجي مقياساً للتحديد يمكن القول بوجود نوعين من المنافسة.
أ‌- المنافسة داخل الفرع الاقتصادي الواحد.
ب‌- المنافسة بين الفروع الاقتصادية المختلفة.
إن المنافسة بين أصحاب رؤوس الأموال داخل الفرع الاقتصادي الواحد تؤدي في النتيجة إلى تشكيل قيمة اجتماعية وسطية للسلعة الواحدة في السوق تقترب أو تبعد بهذا القدر أو ذاك عن القيمة الفردية لهذه السلعة والخاصة بكل من المشاريع الرأسمالية المنتجة لها. أما المنافسة بين الفروع الاقتصادية المختلفة فهي تظهر في المزاحمة بين أصحاب رؤوس الأموال المختلفة على تحقيق الشروط المثلى للربح، وفي التنافس حول المجالات الفضلى للاستثمار. إن حركة رأس المال وانتقاله من فرع اقتصادي ما إلى فرع اقتصادي آخر ما هي إلا عبارة عن الأشكال التي تعكس طبيعة المنافسة في الفروع الاقتصادية المختلفة. إلا أن حركة رؤوس الأموال هذه وانتقالها من فرع إلى آخر سعياً وراء الربح الأقصى ستؤدي في النتيجة إلى إعادة التوازن بين معدلات الربح المتفاوتة التي تحققها الفروع الاقتصادية المختلفة ، لتشكل معدل وسطي واحد للربح الرأسمالي. أو بكلمة أخرى فإن الأرباح العالية والأرباح المنخفضة والمتحققة في الفروع الاقتصادية المختلفة تتوازن نتيجة حركة وانتقال رؤوس الأموال بين هذه الفروع وتشكل ما يسمى بالربح الوسطي السائد في السوق.
ويستنتج من ذلك بأن المنافسة في هذه الحالة تقوم بوظيفة المنظم العشوائي للسعر ويسود في سوق المنافسة ما يطلق عليه عادة بسعر المنافسة. إلا أن المنافسة الحرة في السوق لا تظهر في الواقع كنتيجة لحركة وانتقال رؤوس الأموال بين الفروع الاقتصادية الاقتصادية ،وإنما تأخذ من الناحية الظاهرية أشكالاً للمنافسة في السوق بين أطراف عديدة.
أ‌- منافسة بين البائعين.
ب‌- منافسة بين المشترين.
ج- منافسة بين البائعين والمشترين.
وتتحدد الطبيعة التنافسية بين هذه الأطراف ، كما يبدو ذلك في السوق بتأثير فعل وقوانين وعلاقات العرض والطلب .فإن زيادة العرض عن الطلب أو العكس تؤثر بدون شك في تحديد قدرة أحد الأطراف على المنافسة وتأثيره على تحديد سعر المنافسة في السوق. إن التأثير الذي يمارسه هذا الطرف في مجال السوق يظهر في هذه الحالة بصورة احتكار نسبي أو مؤقت . فباستطاعته أن يزيد أو يخفض من سعر المنافسة في السوق . وهذا الاحتكار يكون نسبياً ومؤقتاً لأن استمرارية المنافسة الحرة لا تسمح باستمرارية الاحتكار .
ثانياً: قد تكون طبيعة أو نوع السلعة مقياساً لتحديد أنواع وأشكال المنافسة. وعلى أساس هذا المقياس تبدو المنافسة الحرة في السوق وفق الأشكال التالية :
أ‌- منافسة حول نوع واحد من السلع .
ب‌- منافسة بين سلع بديلة مثل المنافسة بين الفحم وبين البترول أو بين السلع البلاستيكية و بين السلع المعدنية . ويطلق على هذا النوع من المنافسة بين أنواع مختلفة من السلع ( المنافسة البديلة ) .
جـ- المنافسة حول توسيع نطاق تصريف السلعة في السوق على حساب نوع آخر من السلع . وخاصة في حالة الطلب المرن أي الطلب الذي لا يتصف بالثبات المطلق أو النسبي مثل المنافسة بين الألبسة والتلفزيون والسيارات ... إلخ .
ثالثاً : إن العلاقات الاجتماعية تشكل مقياساً آخر لتحديد أشكال المنافسة ، وهنا نجد أن المنافسة التي يخلقها رأس المال في السوق تؤدي إلى نشوء أنواع من المنافسة لها طبيعة اجتماعية تتمثل في:
أ‌- المنافسة بين العمال .
ب‌- المنافسة بين العمل ورأس المال .
إن إدخال وسائل إنتاج حديثة في عملية الإنتاج يشكل عنصر منافسة يهدد استمرار العامل في عملية الإنتاج حين يؤدي ذلك إلى إخراجه من مجال الإنتاج ، ويتشكل جيش العاطلين عن العمل وهذه البطالة تؤدي بدورها إلى نشوء المنافسة بين العمال أنفسهم بغية الحصول على أماكن عمل جديدة . والنتيجة الوحيدة لهذا النوع من المنافسة هي الضغط على الأجر وانخفاضه عن المستوى السابق .
ومن ناحية أخرى فإن المنافسة بين أصحاب رؤوس الأموال على شراء قوة العمل تؤدي إلى زيادة الأجر. إلا أن القانون الأساسي للتراكم الرأسمالي وزيادة رأس المال يقوم إلى حد ما بتنظيم العلاقة بين العرض والطلب على قوة العمل حتى لا يكون لزيادة الأجر تأثيراً سلبياً على زيادة معدل حجم الربح الرأسمالي . ويكون ذلك ممكناً بواسطة تأثير بعض القوانين الاقتصادية والإجراءات التي يلجأ إليها أصحاب رؤوس الأموال للتصفيف من حدة المنافسة فيما بينهم على قوة العمل .
وليس بالإمكان في جميع الأحوال استبعاد المنافسة بين رأس المال والعمل بصورة كلية والتي تتحول إلى شكل من أشكال الصراعات الاجتماعية . وعندما يلجأ العمال إلى تنظيم أنفسهم في النقابات ، فإن ذلك يجسد رد الفعل الطبيعي للتصفيف من شدة الانعكاسات السلبية التي تنجم عن المنافسة سواء أكانت بين العمال أنفسهم أم بين العمل ورأس المال .
2- المنافسة الحرة والمذهب الحر :
ففي المنافسة الحرة لا يقف أمام منافسة رأس المال أي نوع من أنواع الاحتكار الطبيعي أو المصطنع . ورأس المال في هذه الظروف يتمتع بالحرية التامة في الانتقال والحركة بدافع تحقيق أقصى ما يمكن من الربح . وفي ظل المنافسة الحرة تشتد التناقضات نتيجة للفعل العشوائي للقوانين الاقتصادية . إلا أن المنافسة الحرة تمثل مرحلة موضوعية في تاريخ الرأسمالية وهي وليدة الثورة التي أطاحت بالعلاقات الإقطاعية .. وشهدت مرحلة ازدهارها بعد نشوء الصناعة الكبيرة خلال الثلث الثاني من القرن الماضي . وكان من أبرز ملامحها وشروطها ما يلي :
أ‌- حرية الحركة المطلقة لرأس المال أو الانتقال السهل من فرع اقتصادي إلى فرع اقتصادي آخر وإزالة أي شكل من أشكال الاحتكار .
ب - تطور النظام المصرفي .
جـ- إخضاع معظم القطاعات الاقتصادية إلى سيطرة رأس المال .
د- توفر كثافة سكانية معينة ترفد القطاعات الاقتصادية بقوة العمل .
إن هذا التطور الموضوعي في نشوء وتطور الاقتصاد الرأسمالي قد ساهم في تطور الفكر الاقتصادي الذي تبلور في ظهور المذهب الحر أو ما يسمى أحياناً بالمدرسة الاقتصادية الحرة التي سادت الفكر الاقتصادي خاصة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وبنما كانت المذاهب والتيارات المعدنية والتجارية في الماضي تنادي بضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية فإن المذهب الحر يرتكز أساساً على فكرة إبعاد الدولة عن التدخل في النشاط الاقتصادي . إن المذاهب والتيارات المعدنية والتجارية التي مثلت الفكر الاقتصادي الذي كان سائداً في أوروبا وخصوصاً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر وحتى بدايات القرن الثامن عشر ،كانت تعبر موضوعياً عن المرحلة التي سبقت الثورة الصناعية ونشوء الرأسمالية الأوروبية . تلك المرحلة التي تميزت بضرورة تجميع النقد المعدني الثمين وتراكم الربح الذي تحققه التجارة الخارجية بهدف زيادة الثورة الوطنية . وقد انبثق عن تلك التيارات اتجاه ينادي بضرورة وجود سياسة اقتصادية للدولة . كما برزت في إطار هذه السياسة ثلاثة اتجاهات . أولها السياسة المعدنية التي اتبعتها بصورة خاصة كل من البرتغال وإسبانيا والتي كانت تنادي بمنع تصدير المعادن الثمينة إلى الخارج واستيفاء ثمن البضائع المصدرة بالمعادن الثمينة ، وثاني هذه الاتجاهات برز في فرنسا وتمثل بالسياسة الصناعية التي اتبعها رجل الـدولة ( كولبير ) ، وكان الهدف منها تحقيق فائض في الميزان التجاري يتمثل بالذهب أو فضة وكان تحقيق هذا الهدف حسب رأي كولبير مرهوناً باتباع سياسة تقوم الدولة بتنفيذها وهي ترمي إلى تشجيع الصناعة الحرفية وتشجيع الصادرات الصناعية .
وبرز الاتجاه الثالث في إنكلترا والذي أطلق عليه حينذاك اسم السياسة التجارية ووضع هذه السياسة رجل الدولة كرومويل . وكان يهدف من جراء اتباع هذه السياسة إلى زيادة الصادرات و الحد من المستوردات والحصول عن طريق التجارة مع العالم الخارجي على أكبر كمية من المعادن الثمينة. وقد ظل المذهب التجاري سائداً حتى منتصف القرن الثامن عشر إلا أن السياسة الاقتصادية التي اتبعتها بعض الدول لم تحقق النتائج المرجوة منها .
إلا أن هذه السياسة التي كانت تهدف أساساً إلى تشجيع التجارة وتجميع النقد قد ألحقت أضراراً ببعض القطاعات الاقتصادية الأخرى كالزراعة التي لم تلق من السياسة الاقتصادية التشجيع الكافي. وقد لقي اتجاه تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية معارضة شديدة وبرزت الرغبة في العودة إلى النظام الاقتصادي الحر .
وقد ظهر أنصار المذهب الحر في كل من فرنسا وإنكلترا حيث انتقدوا بشدة مبدأ التدخل في النشاط الاقتصادي . كما انتقدوا كذلك المذهب المعدني والتجاري القائل بأن ثروة الأمم تتمثل بالحجم المتوفر من المعدن الثمين .
وبالرغم من أن بعض علماء الاقتصاد أمثال وليم بيتي ( 1623 – 1687) كان قد دعا إلى منع الدولة من التدخل في الشؤون الاقتصادية . إلا أن المدرسة الاقتصادية الحرة نشأت وتبلورت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . ويعد كيني مؤسس المدرسة الفيزيوقراطية أو الطبيعية في فرنسا وآدم سمث مؤسس المدرسة الكلاسيكية في إنكلترا على سبل المثال لا الحصر من أنصار المذهب الحر . ومما ساعد على ظهور المدرسة الاقتصادية الحرة التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته أوربا وعلى وجه الخصوص في بدايات الثورة الصناعية . حيث اختلفت النظرة إلى مفهوم الثروة حيث يسود الاعتقاد القائل بأن ثروة الأمة لا تتمثل بالنقد وإنما بزيادة الإنتاج في المجتمع .
ويعتقد مؤسسو المدرسة الاقتصادية الحرة بوجود نظام طبيعي أو قوانين طبيعية تحكم الحياة الاقتصادية . وليس هناك بالتالي أن مبرر لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية . ويشترط سير هذا النظام الطبيعي سيادة الحرية الفردية وتأمين الحرية للأفراد والمشاريع الاقتصادية . كما تؤكد هذه المدرسة على انسجام المصالح الخاصة أو الفردية مع مصالح المجتمع العامة بظل النظام الطبيعي وسيادة الحرية الاقتصادية .
وعلى الرغم من أهمية المكانة التي احتلتها المدرسة الحرة في الفكر الاقتصادي والحياة الاقتصادية إلا أنها واجهت في الوقت نفسه تيارات اقتصادية أخرى مناوئة لها . نذكر منها المدرسة التاريخية والمذهب الاقتصادي القومي وتدخل الدول والتيارات الاشتراكية على اختلاف أنواعها . وفي بدايات القرن العشرين بدأ المذهب الحر بالانهيار والتلاشي وبصورة خاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية ما بين أعوام 929 – 932 ، والتي جاءت تجسيداً لمبدأ سيادة الحرية الاقتصادية وعفوية النشاط الاقتصادي في المجتمع . كان من أهم الاستنتاجات التي أدت إليها هذه الأزمة ضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والتحكم في آلية النشاط الاقتصادي .
لقد أدت المنافسة الحرة في النتيجة إلى ظهور الاحتكار الرأسمالي . والاحتكار الرأسمالي يخضع بسبب تمركز الإنتاج ورأس المال إلى نوع من التنظيم يخفف من بأثير الانعكاسات السلبية التي تسببها المنافسة لأن المنافسة تظل صفة ملازمة للنظام الرأسمالي وتحل المنافسة الاحتكارية مكان المنافسة الحرة أو التامة .

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) و. روستو – مراحل النمو الاقتصادي – بيروت 1960- صفحة 125



[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) مرجع سابق.
1- لسعر والربح في رأسمالية المنافسة :
حتى يتحقق هذا الهدف فلابد من تحقيق عملية بيع السلعة في السوق وهذه تتوقف عليها استمرارية عملية الإنتاج الرأسمالي . إذ تشكل عملية التبادل أو البيع في السوق شرطاً أساسياً من شروط دورية وإعادة الإنتاج في الاقتصاد الرأسمالي . ونحن إذ نتعرض إلى دراسة تشكل السعر والربح في رأسمالية المنافسة فلأن عملية تكون السعر والربح هذه تخضع إلى شروط وآلية المنافسة الحرة في السوق .
أن القيمة أو سعر السلعة لا يظهران إلا في السوق حين تدخل السلعة عملية التبادل . وأن سعر السلعة حسب نظرية العرض والطلب يحدد من خلال تفاعل عوامل العرض والطلب ، أو ما يطلق عليها في هذه النظرية قوانين العرض والطلب في السوق ... وعلى الرغم من أن هذه النظرية في مرحلة نشوئها لم تعط تفسيراً دقيقاً لكل العوامل التي تتحكم في تحديد سعر السلعة في السوق ، فإن معظم النظريات الرأسمالية الحديثة في القيمة لم تهمل تأثير عوامل العرض والطلب على تحديد السعر في السوق . إلا أن هذه النظريات نفسها لم تقلل في الوقت نفسه من أهمية المنفعة الحدية للسلعة ولا من أهمية تكاليف الإنتاج وخاصة أهمية هذه التكاليف في تحديد السعر على المدى البعيد.
إلا أن نظرية القيمة في العمل تميز بين مفهوم القيمة ومفهوم السعر . إن قيمة السلعة حسب هذه النظرية هي عبارة عن كمية العمل الضروري اجتماعياً لإنتاجها . أن كمية العمل الضروري اجتماعياً لإنتاج السلعة تحدد بكمية العمل اللازمة في الشروط الوسطي للإنتاج . أن السعر قد لا يتطابق تطابقاً تاماً مع القيمة وخاصة بشروط المنافسة الحرة في السوق الرأسمالي . حيث أن آلية السوق في مثل هذه الشروط التي تتميز بتعدد المنتجين لابد أن يكون لها تأثير خاص في تحديد سعر السلعة في السوق الحرة .


البحث الثاني
الرأسمالية الاحتكارية
1- الاحتكارية الرأسمالية ( تمهيد ) :
تميزت المرحلة التي بدأت مع نشوء الرأسمالية وانتهت في أواخر القرن التاسع عشر بسيادة المنافسة الحرة في الاقتصاد الرأسمالي . وعلى عتبة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين حدثت تغييرات نوعية هامة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي عندما ظهرت الرأسمالية الاحتكارية لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرة الاقتصاد الرأسمالي .
في مرحلة المنافسة الحرة كان الإنتاج السلعي في الاقتصاد الرأسمالي موزعاً كما لاحظنا بين مجموعة متعددة من المشاريع الرأسمالية التي كانت تقوم بعملية الإنتاج بصورة منعزلة بعضها عن البعض مع غياب الصورة الدقيقة عن آفاق وعلاقات ومتطلبات السوق الرأسمالي . خلافاً لما تتصف به الرأسمالية الاحتكارية من مكانة الاحتكارات في عملية الإنتاج والسوق . إلا أن مثل هذه التغيرات النوعية لا تغني نفياً للقوانين الأساسية التي ترتكز إليها آلية الاقتصاد الرأسمالي ، ومن أهميها قانون الربح الذي يبقى المحرك الأساسي لنشاط رأس المال الاحتكاري .
2- حتمية الاحتكار – تمركز رأس المال والإنتاج :
كان من المحتم من الناحية الموضوعية أن تؤدي المنافسة الرأسمالية إلى نشوء الاحتكار الرأسمالي. أو بكلمة أخرى فإن الاحتكار هو وليد المنافية . ففي شروط المنافسة الرأسمالية الحرة أو كما لاحظنا سعي كل من أصحاب رؤوس الأموال إلى تحقيق أقصى ما يمكن من حجم ومعدل الربح. إلا أن التمايز في شروط الإنتاج الرأسمالي الفردي في ظل المنافسة يؤدي إلى تمايز آخر في معدلات الربح التي يحققها أصحاب رؤوس الأموال . إن المنافسة داخل الفرع الإنتاجي الواحد الذي ينتج نوعاً واحداً من السلع تدفع كلاً من أصحاب رؤوس الأموال ليسعى أن تكون القيمة الفردية والخاصة به أقل من القيمة السوقية . إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يكون مؤكداً وبالتالي فإن بعض أصحاب رؤوس الأموال يحققون أرباحاً عالية وغير عادية والبعض الآخر يحقق أرباحاً متوسطة بينما يتعرض الآخرون إلى الخسارة والإفلاس
كما أن المنافسة بين فروع الإنتاج المختلفة ولو كانت بالنتيجة تؤدي إلى وجود معدل وسطي من الربح للحجوم المتساوية من رأس المال ، إلا أن كلاً من أصحاب رؤوس الأموال يسعى إلى تخفيض نفقات الإنتاج عن طريق تحسين وسائل وشروط الإنتاج وذلك بهدف زيادة معدلات الربح . وباختصار فإن المنافسة في ظل تمايز شروط الإنتاج بين أصحاب رؤوس الأموال تؤدي إلى تمايز في تحقيق حجوم ومعدلات الربح ، وبالتالي إلى تركز رأس المال والإنتاج في المشاريع ذات الربحية العالية . بينما تضطر بعض المشاريع التي تحقق الخسارة إلى الخروج من عملية الإنتاج .
" إن المنافسة الحرة تؤدي إلى تمركز الإنتاج . وهذا التمركز في مرحلة معينة من تطوره يؤدي من ناحية أخرى إلى نشوء الاحتكارات وعلى هذا الأساس يمكن استنتاج مقومات تشكل الاحتكار.
- إن المنافسة على تحقيق الحد الأقصى من الربح تقود تدريجياً إلى تمركز رأس المال عن طريق تحويل الربح إلى رأس المال .
- إن تركز رأس المال يعني بالضرورة تركز الإنتاج . لأن توسيع المشاريع الرأسمالية يمكن تحقيقه فقط وبصورة أساسية عن طريق تمركز رأس المال .
- ومن ناحية أخرى فإن تمركز الإنتاج يساعد بدوره على تمركز رأس المال . ذلك لأن زيادة نصيب المشاريع الرأسمالية الكبيرة من الإنتاج الاجتماعي يتيح لها إمكانية تحقيق أرباح غير عادية ، وبالتالي تحقيق توسع مستمر في رأس المال . لأن المشاريع الكبيرة تمتاز عن المشاريع الصغيرة بقدرتها على المنافسة سواء أكان في مجال الإنتاج أم في مجال التداول في السوق .
- إن تمركز رأس المال في المشاريع الرأسمالية الكبيرة يتيح الفرصة لهذه المؤسسات لاستخدام التقنية الحديثة وذلك بهدف تحقيق المزيد من الربح .
ومن ناحية أخرى فإن استخدام التقنية الحديثة يساعد على تراكم الخبرة العلمية والمكتسبات التقنية في هذه المشاريع ، مما يجعلها رائدة في مجال الاستفادة من التحولات والتطورات التقنية .
لقد تطور المستوى التقني خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر . وكان من أهم هذه المنجزات التقنية ، ظهور وسائل صناعية مثل صب الفولاذ والأفران العالية . وظهور أساليب جديدة في الصناعات الكيميائية وتطور وسائل الاتصال مثل استخدام الهاتف أو السيارة ، وإلى جانب ذلك فقد ظهرت بدايات استخراج النفط كما ظهرت صناعة الهندسة الكهربائية . وهذه التحولات في المجال التقني أدت إلى تحولات مماثلة في هيكل الصناعة فبينما كانت الصناعات الخفيفة مثل الصناعة النسيجية تشكل القاعدة الصناعية ، فإن ظهور الصناعة الثقيلة نتيجة هذه التحولات كان حدثاً هاماً في مجال التصنيع وخاصة في مجال تصنيع الآلات التي بدأت تحتل المكانة الأولى وفي القطاع الصناعي
وباختصار فإن تطور القوى الإنتاجية في نهاية القرن التاسع عشر قد ساعد على نشوء الاحتكار. لأن مثل هذا التطور يتطلب مؤسسات صناعية كبيرة وزيادة حجم رأس المال . وإن استخدام التكنيك الحديث يصبح ممكناً في المؤسسات ذات الإنتاج ورأس المال الكبير . بينما لم يكن ذلك ممكناً في المشاريع الرأسمالية الصغيرة مما ساعد المشاريع الكبيرة على تحقيق أرباح عالية جديدة وتركز الإنتاج ورأس المال في هذه المشاريع .
ومن مظاهر هذا التركز في هذه المؤسسات نمو قوة العمل فيها وزيادة حصتها من الإنتاج القومي. فالمؤسسات الرأسمالية في الولايات المتحدة في عام 1904 والتي زاد فيها الإنتاج السنوي عن مليون دولار كانت تضم 1.4 مليون من القوى العاملة أي ما يساوي 25.6% وقد ارتفع هذا العدد إلى مليونين في عام 1909 أي ما يساوي 30.5% من القوى العاملة ، وهذه المؤسسات كانت تنتج 38% من الناتج القومي عام 1904 بينما بلغت هذه النسبة 43.8% في عام 1909 . ويلاحظ هنا أن نسبة الإنتاج هي أكبر من نسبة القوى العاملة . وذلك يعود إلى استخدام الوسائل التقنية الحديثة ووسائل تكثيف العمل مما أدى إلى زيادة نصيب العامل الواحد من الإنتاج 1 ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1) .
إن توظيف الوسائل التقنية الحديثة في الصناعة الثقيلة يزيد من أهمية وزن رأس المال الأساسي أكثر مما هو عليه في مؤسسات الصناعة الخفيفة . وكان من الصعوبة بمكان الاعتماد فقط على رأس المال افردي . وكان لابد من الاستعانة بالقروض وتشكيل شركات المساهمة ودمج وتمركز عدد من رؤوس الأموال ممكناً بل وضرورياً لتحديد السعر في السوق وتحقيق الأرباح العالية بينما كان هذا التمركز في السابق مستحيلاً في شروط انخفاض مستوى تركز الإنتاج وتبعثره بين عدد أصحاب رؤوس الأموال كما كان عليه الوضع في النصف الأول من القرن التاسع عشر . وهكذا ساعد نشوء مؤسسات الصغيرة إلى الانضمام لهذه المؤسسات ، لضمان مصالحها والتخفيف من آثار المنافسة في السوق .
واختصاراً لما سبق فإن المنافسة على الربح تؤدي إلى تركز رأس المال الذي يعتبر شركاً أساسياً لتركز الإنتاج . إلا أن تركز الإنتاج من ناحية أخرى يساعد على تدعيم تركز رأس المال .
إن تطور القوى المنتجة وخاصة ظهور الصناعة الثقيلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد فتح مجال التوظيف أمام رؤوس الأموال الكبيرة ، وكل هذه العوامل بالإضافة إلى عامل اندماج رؤوس الأموال أدت إلى زوال المنافسة الحرة وتشكل الاحتكارات الرأسمالية الكبيرة منذ بداية القرن العشرين حيث أخذ دورها منذ ذلك الحين يتعاظم في الحياة الاقتصادية .
3- الخصائص الجوهرية للاحتكار الرأسمالي :
في المفهوم الضيق للكلمة فإن الاحتكار يعني امتيازاً اقتصادياً يتيح إمكانية تحقيق مزايا يؤدي إلى أرباح غير عادية . ولقد عرف التاريخ الاقتصادي قبل نشوء الرأسمالية الاحتكارية أشكالاً من الاحتكار ، نذكر منها على سبيل المثال احتكار الأرض في الاقتصاد الإقطاعي الذي كان يمنح الإقطاعي مزايا تحقيق أشكال الريع المختلفة إلا أننا في هذا المجال لسنا بصدد الحديث عن هذه الأشكال من الاحتكار بقدر ما يدور الحديث حول خصائص الاحتكار الرأسمالي :
أولاً : إن الاحتكار في أسلوب الإنتاج الرأسمالي يعني احتكار طبعة أو مجموعة من الأفراد لملكية وسائل الإنتاج واحتكار نتائج عملية الإنتاج . ويعد هذا الشكل من أشكال الملكية هو الأساس الموضوعي لتحقيق الربح الرأسمالي .
ثانياً : إن الاحتكار الرأسمالي يشمل معظم أو جميع السلع التي يمكن إنتاجها بصورة مستمرة سواء أكانت سلعاً استهلاكية مثل القميص والأحذية أم سلعاً إنتاجية مثل الآلات والمواد الأولية . وقبل نشوء الاحتكارات الرأسمالية في بداية هذا القرن عرف إنتاج بعض السلع نوعاً من الاحتكار . وكان هذا الاحتكار يقتصر على السلع النادرة التي لا تدخل ضمن نطاق السلع المألوفة والعادية والتي يمكن إنتاجها بصورة مستمرة ومن قبل عدد كبير من المنتجين .
وكان باستطاعة منتجي هذه السلع النادرة أن يتحكموا بشروط إنتاجها وتحقيق أرباح مرتفعة غير عادية . أما الاحتكار الذي نشأ مع بداية هذا القرن فهو لا يقوم على الاستفادة من بعض الشروط الخاصة والنادرة وإنما يمثل احتكاراً للشروط العادية التي تتحقق فيها عملية إنتاج معظم وأنواع السلع المختلفة .
ثالثاً : من الخصائص الأساسية للاحتكار الرأسمالي قدرة هذا الاحتكار على التدخل في علاقات السوق والتأثير على تحديد السعر في حدود معينة تضمن له تحقيق أرباح غير عادية . إ، هذه القدرة التي تتمتع بها الاحتكارات لا تستند إلى الاستفادة المؤقتة من بعض المكتشفات التقنية أو بعض الحقوق السياسية أو مجموعة من الصدف العابرة ، وإنما تنبع أساساً من القاعدة الموضوعية لتركز الإنتاج ورأس المال في المؤسسات الاحتكارية .
رابعاً : إن الاحتكار الرأسمالي لا يشكل ظاهرة مؤقتة بقدر ما يعبر عن مرحلة تاريخية وظاهرة ثابتة بشكل نسبي . لأن تاريخ الرأسمالية عرف على الدوام أشكالاً من الاحتكار المؤقت . ففي موحلة التراكم الأولى لرأس المال حققت الشركة التجارية لشرق الهند على سبيل المثال أرباحاً غير عادية . عن طريق بيع السلع بأسعار تفوق قيمتها . إلا أن مثل هذا الاحتكار كان لا يتجاوز حدود مجال التداول السلعي بين مجموعة من الدول . وكان بمثابة ظاهرة مؤقتة . وذلك خلافاً للاحتكار الرأسمالي الحالي الذي أصبح يشكل السلة الأساسية في النظام الرأسمالي الذي يعتد في تحقيقه للأرباح غير العادية على سيطرته على مراكز الإنتاج الرئيسية وتحكمه بالرقابة على بيع وتصريف السلع في السوق .
خامساً : إن ما يحدد صفة وطبيعة الرأسمال هي درجة التمركز في رأس المال والإنتاج فإن كل شركة من الشركات الرأسمالية الموجودة حالياً لا تشكل بالضرورة احتكاراً ففي الولايات المتحدة يوجد عدد كبير من الشركات المساهمة . لكن هذه الشركات لا تأخذ صفة الاحتكار إلا عندما ترتفع درجة التركز في رأس المال والإنتاج فقد يكون الاحتكار مشروعاً فردياً أو شركة رأسمالية أو اتحاداً من شركات عديدة ، إلا أ،ه يشترط فيها أن تشكل قسماً أساسياً من رأس المال العامل في المجتمع حتى تكتسب صفة الاحتكار . أو بكلمة أخرى يشترط فيها أن تمثل قدرة اقتصادية تفوق قدرة المشارق المتوسطة والصغيرة . إذن لا يجوز إلصاق صفة الاحتكار بأية شركة أو مجموعة من الشركات إلا إذا توفر فيها شرط التركز الشديد في الإنتاج ورأس المال والقدرة على أن يكون لها تأثير ما في تحديد أسعار السوق وتحقيق أرباح غير عادية .
وباختصار يوجد هناك مجوعة من الخصائص والشروط التي تحدد جوهر ومحتوى الاحتكار . وذلك مهما اتخذ الاحتكار من أشكال مختلفة جديرة أيضاً بالدراسة والبحث .
3- أشكال الاحتكارات الرأسمالية :
لقد اتخذ الاحتكار أشكالاً وظيفية مختلفة ، وكل من هذه الأشكال يتخذ طابعاً قانونياً واقتصادياً محدداً . وهذه الأشكال هي :


أولاً : الكارتل :
يشكل الكارتل اتفاقاً بين عدد من أصحاب رؤوس الأموال يتحدد بموجبه شكل علاقات تصريف السلعة في السوق وحسب هذا الاتفاق فإن الأعضاء المشتركين في الكارتل يلتزمون عادة بعدم بيع سلعهم في السوق بأسعار لا تقل عن الأسعار التي نص عليها الاتفاق ، كما يصدف قي كثير من الكارتلات أن يتحدد لكل مشترك مجال معين لتصريف سلعة أو نصيب معين من مجموع السلع الخاضعة للتصريف في السوق . ويترتب عادة على من يتجاوز هذه الحدود دفع غرامة نقدية عن هذه المخالفة لاتفاق الكارتل .
ثانياً : السينديكات :
خلافاً للكارتل فإن عملية بيع السلعة لا تتم بصورة منفردة من قبل أعضاء الكارتل وحسب الشروط المحددة في الاتفاق ، وإنما تتم في السنديكات بصورة مركزية حيث يوجد هنا تمركز في عمليات التصريف . إن إدارة أو غرفة السنديكات هي التي تقوم بتوزيع الطلبات والتعهدات على الأعضاء المشتركين، وهكذا تقوم إدارة السنديكات بتنظيم عملية بيع السلع أو شراء المواد الأولية التي يتطلبها نشاط كل من الأعضاء المشتركين . وبهذا الشكل تستطيع السنديكات عن طريق الاحتكار تحقيق بعض المزايا لأعضائها حين تقوم ببيع السلع العائدة لهم بأسعار مرتفعة وشراء المواد الأولية بأسعار مناسبة.
ثالثاً : التروست :
يعد التروست شكلاً متقدماً من أشكال احتكار الكارتل والسنديكات . فعندما ينضم فرد أو مشروع ما إلى التروست ، فهو لا يتنازل فقط عن استقلاليته الخاصة في مجال التداول ، كما هو الحال في الكارتل والسنديكات وإنما يتنازل أيضاً عن استقلاليته في مجال عملية الإنتاج . وبهذا الشكل يكتسب العضو المشارك صفة المساهم في التروست ، ويخضع إلى إدارة مركزية واحدة . وبالمقارنة مع الكارتل والسنديكات فإن التروست يتمتع من خلال التمركز الشديد في رأس المال والإنتاج بقدرة خاصة على المنافسة مع الاحتكارات الأخرى ، ويستطيع بالتالي ضمان تحقيق أرباح عالية لأعضائه .
وقد يتخذ التروست نفسه أشكالاً مختلفة . ففي غالب الأحيان يكون التروست على شكل اندماج كامل للمؤسسات الرأسمالية المكونة له . إلا أنه في حالات أخرى تبقى المؤسسات مستقلة . هذه الاستقلالية تكون شكلية لأنها من الناحية الاقتصادية تخضع في الواقع للشركة القائدة في التروست. التي تمتلك عادة الحق المطلق في الرقابة الكاملة على الأسهم وغيرها من أصول وممتلكات التروست. والشركة القائدة بهذا المعنى يجب أن تمثل أكبر المساهمين ويعود إليها في طبيعة الحالة أكبر نسبة من الأرباح التي يحققها التروست .
رابعاً : الكونسيرن :
يعد الكونسيرن من أكثر أشكال الاحتكارات تطوراً وتعقيداً . ومع مقارنته بأشكال الاحتكارات السابقة فهو يشمل مشاريع ومؤسسات متعددة ليست تابعة لفرع اقتصادي معين ، وإنما لفروع عديدة تشمل الصناعة والنقل والتجارة ومجالات التأمين والمجال المصرفي ، وقد يضم الكونسيرن بعض الرأسماليين الأفراد وشركات مساهمة وتروستات . وقد يبقى أعضاء أو مساهمو الكونسرن مستقلين . ولكن تبقى هذه الاستقلالية شكلية . إذ أن مركز الكونسرن وقد يكون إحدى التروستات صناعياً أو مؤسسة مصرفية كبيرة يبقى هو المسيطر الذي يخضع له كل الأعضاء المساهمين . وقد يأخذ هذا الارتباط أشكالاً مختلفة منها على سبيل المثال العقود التي تحدد شكل العلاقة بين الأعضاء ومركز الكونسيرن .
ومهما اختلف الاحتكار فإن الصفة المميزة له هو التمركز في رأس المال . وكما هو واضح فإن ما يميز أشكال الاحتكارات عن بعضها هو موضوع الاحتكار بالذات فإن كان موضوع الاحتكار هو التصريف في السوق فإن الكارتل والسنديكات هي الأشكال المعبرة عنه . وإذا لم يقتصر موضوع الاحتكار على التصريف بل تعدى ذلك إلى مجال الإنتاج، فإن التروست يعد الشكل الملائم لهذا النوع من الاحتكار .
وعندما لا يقتصر موضوع الاحتكار على مجالي التصريف والإنتاج وإنما يشمل أيضاً مجالات التسليف المصرفي والتأمين بحيث تقوم المشاريع المساهمة بالعمل في فروع عديدة فإن الكونسيرون يشكل الصيغة المناسبة لمثل هذا النوع من أنواع الاحتكار .
إن ما يتصف به الاحتكار هو تحكم الفئة العليا من الطبقة الرأسمالية بالقسم الأكبر من عمليات الانتاج والتصريف . ففي الماضي لم تقف أمام المنافسة الحرة بين أصحاب رؤوس الأموال أية حدود . وكانت المنافسة تخضع للقوانين الاقتصادية الفاعلة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي . أما في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية فلا أحد يستطيع أن يتجاهل تأثير الاحتكارات على تحديد السعر في السوق وتأثيرها على فعل القوانين الاقتصادية وفرض إرادتها على رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة .
وإذا كان تمركز رأس المال والإنتاج نشأ في أحضان المنافسة الحرة . فإن أشكال التمركز الاحتكاري لا تبقى ثابتة وإنما تتطور كلما استجدت شروط اقتصادية وتقنية جديدة . إن الشروط الحالية للرأسمالية الاحتكارية التي تتميز بالثورة العلمية – التقنية والتقدم التكنولوجي واندماج الدولة في الاحتكارات الرأسمالية لم تؤثر فقط على تسارع عملية تركز الإنتاج ورأس المال وإنما أيضاً على أشكال هذا التمركز الاحتكاري .
إن تمركز الإنتاج ورأس المال في بعض المشاريع الاحتكارية حين بدأت بوادرها منذ أواخر القرن التاسع عشر شكل فيما بعد الأساس المادي والموضوعي لنشوء أشكال احتكارية جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة الحالية التي أصبحت فيها عملية الإنتاج الاجتماعي نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي تتصف بالتخصص الدقيق.
إن التجمع الاحتكاري أصبح الآن أحد الأشكال الاحتكارية الشائعة في النظام الرأسمالي . فبدلاً من أن يقتصر المشروع الاحتكاري على فرع صناعي معين ، فقد أصبح التجميع الاحتكاري يشمل اتحاد فروع صناعية مختلفة بمشروع احتكاري واحد . وأن نشاط هذا المشروع لا يقتصر على مرحلة واحدة من مراحل الإنتاج ، وإنما يشمل مراحل متعاقبة مثل استخراج الحديد الخام من فلزات الحديد ثم تحويله إلى منتجات أولية للتصنيع . إن التجمع الاحتكاري الذي كان يقتصر في الماضي على مجال التعدين قد أخذ حالياً بالامتداد ليشمل معظم القطاعات بدءاً من استخراج المواد الأولية وحتى مرحلة إنتاج المنتج النهائي . إن التوجه الحالي نحو التجمع يعبر في الواقع عن مسعى الاحتكارات لوضع المراحل الأساسية لعملية الإنتاج تحت إشرافها ورقابتها . وقد أدى ذلك إلى استغناء معظم الاحتكارات عن خدمات المشاريع التي كانت تقوم بتوريد المواد الأولية وبالتالي إلى تركز الأرباح التي كانت تحققها هذه المشاريع في التجمع الاحتكاري . فضاً عن ذلك فإن كثيراً من المؤسسات الصغيرة قد أصبحت تابعة تكنولوجياً واقتصادياً للتجمعات الاحتكارية التي أصبحت أحد الأشكال الأساسية للتمركز الرأسمالي .
وقد نشأ في الموحلة الحالية باتجاه مغاير للمجمع الاحتكاري ما يسمى بالتعدد أو التنوع الاحتكاري . فقد فسح التقدم العلمي والتكنولوجي المجال أما رأس المال الاحتكاري للتنوع في الاستثمارات . فضلاً عن أن عدم استقرار السوق وسعي الاحتكارات لضمان مصالحها تجاه تقلباته هذه كلها دفعت الاحتكارات للبحث عن مجالات جديدة للاستثمار الرأسمالي .

وفي حالة التنوع فإن الاستثمارات والقوى الإنتاجية تتوزع في اتجاهات عديدة فهي لا تشكل فقط مراحل متعاقبة لدورة إنتاجية واحدة كما هو الحال في المجمع الاحتكاري وينتج عن هذا التوزع تنوع في المنتجات النهائية . هكذا يقوم الاحتكار المتنوع بتنظيم إنتاج منتجات عديدة لا تربطها أية علاقة بالمنتج الأساسي . أو يقوم بصنع أصناف عديدة من المنتجات تحت رقابة مالية موحدة ودمج الاحتكارات الكبيرة بمزيج احتكاري واحد . وقد بدأت موجة الدمج هذه بعد الحرب العالمية الثانية إلا أن المساهمة في مثل هذه الاحتكارات تتطلب رأسمالاً كبيراً واسعاً لأجل البحث والتطوير وبراءات الاختراع . ولهذا فإنه يلقى في الوقت الحاضر دعماً خاصاً من الدولة .
وإذا كان من الممكن في السابق تحديد الاتجاه الأساسي للمشروع ، فإن ذلك يصبح صعباً في المشاريع الاحتكارية المتنوعة لأن اتساع نطاق الاحتكارات الكبيرة واتحاد فروع الإنتاج التي لا تربطها الناحية التكنولوجية أية علاقة هو ما يميز الاحتكارات الحالية عن احتكارات بداية القرن العشرين . إن شركة السيارات في الولايات المتحدة مثل جنرال موتورز وكرايزلير على سبيل المثال قد أدخلت في إنتاجها منذ سنوات صناعة الصواريخ والصناعة الإلكترونية وصناعة الآلات الزراعية وآلات الاستخراج غيرها . ونظراً لتعدد الفروع الصناعية فإن تنظيم عمل هذه الاحتكارات تخضع حالياً للبرمجة المخططة وبمساعدة ودعم الدولة .


أسئلة نموذجية للتفكير والمساعدة على استيعاب محتويات الفصل:
- ما هو المقصود بالمفهوم العام للمنافسة؟ وذلك بصرف النظر عن المنافسة الحرة أو المنافسة الاحتكارية؟
- ما هي الأشكال العامة لهذه المنافسة؟
- ما هي أبرز ملامح وخصائص المنافسة الحرة؟ تكلم عن المذاهب الحرة أو المدرسة الحرة التي تعبر عن مرحلة المنافسة الحرة؟
- إن للسعر والربح آلية خاصة في رأسمالية المنافسة الحرة. تكلم عن الكيفية التي يتم بها تحديد الربح الوسطي وتشكيل سعر الإنتاج وسعر السوق النهائي !
- ما هو الاحتكار الرأسمالي؟ وما هو المقصود بحتمية الاحتكار وتركز الإنتاج ورأس المال؟
- توجد خصائص جوهرية للاحتكار الرأسمالي. ما هي هذه الخصائص التي تحدد طبيعة وآلية الاحتكار الرأسمالي؟
- عدد أشكال الاحتكارات الرأسمالية ! وما هو المقصود بالكارتل والسنديكات والتروست والكونسيرن؟ إن تجمع الاحتكارات وتنوع الاحتكارات هما إحدى السمات الجديدة والهامة من أشكال الاحتكار. تكلم عن هذا الموضوع؟
- إن الاحتكار لا يلغي المنافسة وتنشأ في الرأسمالية الاحتكارية المنافسة الاحتكارية. تكلم عن الاحتكار والمنافسة في الرأسمالية الاحتكارية وخصائص هذه المنافسة؟
- للمنافسة الاحتكارية أشكال متعددة. تكلم عن خصائص أشكال المنافسة الاحتكارية؟
- في حال وجود منافسة احتكارية يستحيل تشكل الاحتكار المطلق. ما هي العوامل التي تحدد استحالة الاحتكار المطلق؟

1 ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) الاقتصاد السياسي – الطبعة الألمانية برلين 973 صفحة 490


الفصل الرابع
النظام الاقتصادي العالمي الجديد ومكوناته


البحث الأول : النظام الاقتصادي العالمي الجديد
أولاً: مفهوم النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
يقصد بالنظام الاقتصاد العالمي الجديد: مجموعة القواعد والترتيبات التي وضعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لضبط قواعد السلوك في العلاقات الاقتصادية بين الدول المختلفة.
وخاصة إذا ما علمنا أن هذا المفهوم ينطوي على أن النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان عبارة عن ترتيب الأوضاع الاقتصادية في العالم وبالنسبة على نحو معين، هذا الترتيب يتضمن نتائج معينة بالنسبة للعلاقات بين الأجزاء المكونة للاقتصاد العالمي وبالنسبة للتطور داخل كل هذه الأجزاء.
ومن ناحية أخرى يجب التفرقة بين الاقتصاد الدولي والنظام الدولي والنظام الاقتصاد العالمي.[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)
- فاصطلاح الاقتصاد الدولي: يشير إلى ظهور العلاقات الاقتصادية بين الدول كظاهرة اقتصادية هامة لأول مرة في التاريخ في القرن السادس عشر خلال مرحلة الرأسمالية التجارية وهي الفترة التي ازدهرت فيها التجارة بين الدول، ومع الثورة الصناعية والانتقال إلى مرحلة الرأسمالية الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر واكتشاف النقود ظهرت فكرة التخصص وتقسيم العمل الدولي وتزايدت العلاقات الاقتصادية بين الدول وظهرت الحاجة في القرن العشرين إلى تنظيم العلاقات الدولية فظهر ما يعرف بالنظام الدولي.
- والنظام الدولي: يعني انتظام وتفاعل دول العالم في نظام شامل ووفقاً لنمط معين لتقسيم العمل الدولي والخضوع لبعض التنظيمات والمنظمات الدولية، ويرجع ذلك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية ويؤرخ المؤرخون له منذ إنشاء الأمم المتحدة.
- أما النظام الاقتصادي العالمي: فهو الذي بدأت ملامحه تتبلور منذ الثمانينات وتتحدد بوضوح مكوناته مع بداية التسعينات التي شملت بجانب الدول، المؤسسات الدولية أو العالمية والشركات المتعددة الجنسيات العالمية النشاط، والتكتلات الاقتصادية العالمية التأثير وغيرها من الفاعلين أو المؤثرين في العالم.
وبالتالي فإن اصطلاح عالمي يكون أكثر اتساقاً وانسجاماً عما يحدث في المرحلة الحالية من تطور هذا النظام الاقتصادي العالمي الجديد على مستوى العالم، حيث يشير اصطلاح عالمي إلى الصفة الرئيسية التي تشكل النظام في الوقت الحاضر وهي صفة العولمة، حيث تزايدت فيه درجة الاعتماد المتبادل بفعل الثورة التكنولوجية والاتصالات التي حولته إلى قرية عالمية لتختفي فيه الحدود السياسية للدول القومية وتحولت فيه الصناعة إلى محرك للنمو في كافة الدول، من حيث توجهها نحو السوق العالمية أو من حيث صنع سياساتها الإنتاجية من منظور عالمي في ظل مواصفات الجودة العالمية، كما تزايدت فيه أهمية الشركات المتعددة الجنسية على مستوى العالم.
ومن ناحية أخرى تتراجع القضايا الخاصة بالصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب لتحل محلها المشكلات والقضايا الاقتصادية لتكون في المرتبة الأولى من اهتمامات العالم مثل قضايا البطالة والتضخم والخصخصة والاستثمار والتصدير وتحرير التجارة العالمية وأسواق المال.
ثانياً: مراحل تطور النظام الاقتصادي العالمي الجديد
أ- المرحلة الأولى الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى 1973:
حيث شهدت تلك المرحلة بداية تكون النظام الاقتصادي العالمي بأقطابه ومكوناته وآلياته.
- فمن ناحية القطبية: انقسم الاقتصاد العالمي إلى قطبية ثنائية من ناحية الأنظمة الاقتصادية حيث أصبح هناك النظام الرأسمالي بأتباعه والنظام الاشتراكي بأتباعه، والعالم المتقدم والعالم النامي وعالم الأغنياء والفقراء مع اتساع الهوة الاقتصادية بين الاثنين عبر الزمن.
- ومن ناحية المكونات فقد ظهر الاتجاه واضحاً إلى قيام نظام اقتصادي عالمي جديد يتكون من ثلاثة مكونات: الأول هو النظام النقدي الدولي ممثلاً بصندوق النقد الدولي والذي أنشئ عام 1944 وبدأ مزاولة نشاطه عام 1947. والثاني هو النظام المالي الدولي ممثلاً بالبنك الدولي والذي أنشئ في عام 1944، وبدأ أعماله منتصف عام 1946، أما الثالث فهو النظام التجاري الدولي الذي لم يكتمل في تلك المرحلة واقتصر فقط على إنشاء سكرتارية الغات عام 1947، ولم يكتمل هذا النظام إلا في منتصف التسعينات بانتهاء جولة أورغواي وإتمام توقيع مراكش عام 1944 وإنشاء منظمة التجارة العالمية في بداية عام 1995.
- وقد لوحظ على ترتيب الأوضاع الاقتصادية التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية أن الدول الرأسمالية المتقدمة تسيطر على الدول النامية وتعمل على استغلال ثرواتها، وتجلت العلاقات بينهما في حصول الأولى على المواد الأولية التي تنتجها الثانية، بأسعار أو أثمان غير عادلة وبالتالي فإن معدل التبادل الدولي في صالح الأولى دائماً، وكانت سيطرة الدول الرأسمالية المتقدمة على عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع لكثير من المواد الأولية في ذلك الوقت يجعل تلك الدول تستحوذ على الجزء الأكبر من الفائض الاقتصادي الذي يتولد من الدول النامية.
وقد تكونت على كل تلك الترتيبات الاقتصادية عدد من النتائج من أهمها: تفاقم أزمة التنمية في دول العالم الثالث، وتزايد حدة التفاوت بين الدول الرأسمالية المتقدمة والدول النامية.
ب- المرحلة الثانية الممتدة من 1974 إلى 1990:
لعل نتائج المرحلة الأولى الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى 1973 قد أبرزت الحاجة الشديدة إلى نظام اقتصادية دولي جديد وخاصة تلك النتائج المتعلقة بمدى الظلم الواقع على الدول النامية والتفاوت الذي كانت تتسع هوته بين الدول الرأسمالية والدول النامية، وأدركت عناصر مستنيرة في الغرب أن الرخاء لا يمكن أن يستمر وأن السلام الدولي لا يمكن أن يستتب إذا لم تؤخذ تطلعات شعوب العالم الثالث في الاعتبار.
وهكذا تتبلور شيئاً فشيئاً الإحساس بأن تعديل نظام العلاقات الاقتصادية الدولية الراهنة تعديلاً جوهرياً يقتضي تعديلات جذرية في استراتيجية التنمية والسياسات الاقتصادية بل والاجتماعية داخل الدول المعنية، وأدى هذا إلى إحساس الدول النامية بضرورة إجراء إعادة نظرة شاملة في النظام الاقتصادي الدولي، وبالفعل تصدرت الدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي دولي جديد مقررات مؤتمر القمة الرابع لدول عدم الانحياز الذي انعقد في الجزائر العاصمة في عام 1973 وقد أسفرت المناقشات عن إقرار وثيقين مهمتين هما:[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)
- إعلام بشأن نظام اقتصادي دولي جديد بالقرار رقم 3201.
- برنامج عمل من أجل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد بالقرار رقم 3202.
ثم جاء إعلان ليما وخطة العمل للتنمية الصناعية الذي انعقد في ليما في عام 1975، وقد أوصى الإعلان بضرورة رفع نصيب الدول النامية في الإنتاج الصناعي عام 2000 إلى 25% من الإنتاج الصناعي العالمي بدلاً من 7% عام 1974.
ولعل من الملاحظ أنه إذا كانت تلك المرحلة قد شهدت بداية قوية نحو تكوين اقتصاد دولي جديد يكون أكثر عدالة ويحقق السلام الدولي، فإن نهاية هذه المرحلة أبرزت نتائج معينة ومتغيرات جديدة وقوى دافعة أخرى يبدو أنها تعلن من جديد عن تشكل نظام اقتصادي عالمي جيد قد يختلف عما نودي به في بداية هذه المرحلة، حيث أسفرت نتائج المرحلة 1974-1990 عن تفاقم أزمة المديونية الخارجية للدول النامية عام 1982 وتزايد قوة تأثير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واتفاقهما على ضرورة تنفيذ برامج التثبيت والإصلاح الهيكلي في الكثير من الدول النامية من خلال مبدأ المشروطية الدولي المتبادلة بين المنظمتين، بمعنى أن الحصول على تمويل من أحدهما يرتبط بموافقة المنظمة الأخرى، وتعد هذه التطورات والتغيرات قوى دافعة نحو دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديد يتم فيها البحث وبعمق عن نظام اقتصادي عالمي جديد بآليات جديدة.
ج- المرحلة الثالثة الممتدة من 1991 إلى القرن الواحد والعشرين:
وهي تبدأ منذ إعلان الرئيس بوش في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي في آذار 1991، أن حرب الخليج كانت المحك الأول لقيام نظام عالمي جديد، ولعل الجديد في هذه المرحلة أنه في بداية المرحلة 1974- 1990 كانت الدعوة إلى تعميق البحث عن قيام نظام اقتصادي عالمي جديد، ولعل الجديد في هذه المرحلة أنه في هذه المرحلة أصبحت الولايات المتحدة هي التي تسعى لإرساء نظام اقتصادي عالمي جديد بعد أن كانت الدول النامية هي التي تطالب بذلك، ويمكن تحديد معالم وآليات هذا النظام الذي ما زال في طور التشكل في الأمور التالية:
1- أن هناك إعادة هيكلة للنظام الاقتصادي العالمي على أساس تكنولوجي بهدف تعظيم العوائد وإعادة توطين الأنشطة الصناعية والتكنولوجية، فقد بدأ يظهر هيكل النظام العالمي من منظور تكنولوجي، تأتي في مقدمته مجموعة من الدول الصناعية المركزية.
2- انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وما له من دلالة اقتصادية في وجود قطبية اقتصادية واحدة.
3- الاتجاه إلى غلبة أيدلوجية اقتصادية وسياسية جديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة بانتصار المعسكر الرأسمالي وبالتالي انتصار اقتصاد السوق وآليات السوق والليبرالية السياسية[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn3).
4- التحول نحو الخصخصة والتخلي تدريجياً عن اقتصاد الأوامر والتخطيط المركزي والقطاع العام إلى اقتصاد السوق والقطاع الخاص والتخطيط التأثيري.
5- الاتجاه إلى عولمة الاقتصاد على نطاق كل أطراف الاقتصاد الدولي حيث يتحول العالم إلى قرية صغيرة محدودة الأبعاد متنافسة الأطراف بفعل ثورة التكنولوجيا والاتصالات.
6- إنشاء منظمة التجارة العالمية في بداية عام 1995 وبذلك يكتمل الضلع الثالث المكون لمثلث النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ليقوم على إدارة النظام الاقتصاد العالمي ثلاث منظمات عالمية: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
د- المرحلة الرابعة الممتدة من فشل مؤتمر سياتل وحتى أحدث الحادي عشر من أيلول وما بعدها:
ظهرت في تلك المرحلة مجموعة جديدة من القوى والاتجاهات الدافعة التي تشكل هي وغيرها عملية الانتقال للنظام الاقتصادي العالمي الجديد في مرحلته المستقبلية، ويلاحظ أن الدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد تأتي هذه المرة من كل من الدول النامية والدول المتقدمة عدا الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظهرت هذه الدعوة من خلال مجموعة من التغيرات الجذرية التي تعتبر بحد ذاتها قوى دافعة بدأت تعلن عن بداية قيام نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر وضوحاً وأكثر عدالة، وهذه المتغيرات هي:
1- فشل مؤتمر سياتل الخاص بمنظمة التجارة العالمية والذي عقد بنهاية عام 1999،ومؤتمر سياتل هو المؤتمر الوزاري الثالث منذ نشأة منظمة التجارة العالمية، وقد فشل مؤتمر سياتل لعدة أسباب منها تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موضوع الدعم المقدم للمنتجات الزراعية ، حيث كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق أقصى قدر من التحرير في القطاع الزراعي، بينما رفض الاتحاد الأوروبي تحمل التزامات جديدة تتطلب تغيير السياسة الزراعية لأعضائه، كما تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة واليابان، حيث طالبت الأخيرة بضرورة مراجعة القوانين الأمريكية لمكافحة الإغراق حيث ترى اليابان أن هناك مبالغة في هذه القوانين، ناهيك عن معارضة الدول النامية أيضاً لهذه القوانين المتعلقة بقضايا الإغراق، كما تصاعد الخلف بين الدول النامية والولايات المتحدة الأمريكية حول قضايا صادرات المنسوجات والملابس الجاهزة ونفتح الأسواق فيما يتعلق بتلك السلع، حيث رفضت الدول النامية هذا المطلب الأمريكي بشكل قاطع وتمسكت بعدم الربط بين تحرير التجارة وحقوق العالمة.
3- تصاعد المظاهرات المناهضة للعولمة، تلك المظاهرات التي نادت بأن تكون العمالة التي تعتبر الناتج الرئيسي للنظام الاقتصادي العالمي الجديد أكثر وضوحاً وأكثر عدالة، والأهم أن المظاهرات المناهضة للعولمة انطلقت من سياتل، المدينة التي تصدر على ما يربو على 42 مليار دولار والتي تقع في قلب الولايات المتحدة ، لتشير إلى أن العولمة والنظام الاقتصادي العالمي الجديد أصبحا بالنسبة للمجتمع المجني في أمريكا وفي الدول المتقدمة رمزاً بعدم العدالة في توزيع الدخل وسبباً للبطالة والتعدي على حقوق الإنسان.
3- انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ولاشك ان انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية احتاج إلى مفاوضات شاقة وصعبة وهو يحمل دلالات كبير فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد، حيث يشير إلى أن هناك فاعلاً رئيسياً جديداً يأخذ مكانه بقوة في الاقتصاد العالمي حيث وصل الناتج المحلي الإجمالي الصينية حوالي أكثر من 2 تريليون دولار عام 2000ليتبوأ المرتبة السابعة عالمياً، كما أن الاقتصاد الصيني ما يزال يحقق أسرع معدل نمو اقتصادي في العالم كله.
4- أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 والتي أثرت سلبياً بقوة على الاقتصاد العالمي بسبب موجة المخاوف التي سادت العالم في أعقاب تلك الأحداث وتداعياتها وتأثيرها السلبي على حركة الاستثمارات والسياحة، وقد أشارت التقديرات الدولية إلى أن معدل نمو الاقتصاد الأمريكي لم 1% في عام 2001 وبلغ نحو 0.7% في عام 2002 وهو يمثل أسوأ أداء منذ الركود الأخير في عام 1991.
ثالثاً: مكونات النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
1- النظام النقدي الدولي:
وهو ذلك النظام الذي يحكم ويضبط قواعد السلوك في كل ما يتعلق بأسعار الصرف وموازنين المدفوعات ومصادر تمويل العجز ونوعية السياسيات التصحيحية التي يجوز للدولة العضو إتباعها وتطبيقها لعلاج مثل هذا العجز عند وقوعه، وبالتالي فإن هذا النظام يفترض أنه يكفل تحقيق الاستقرار النقدي العالمي في النظام الاقتصادي العالمي الجيد، ويعتبر صندوق النقد الدولي هو الحارس والقائم على إدارة النظام النقدي.
2- النظام المالي الدولي:
وهو ذلك النظام الذي يحكم قواعد السلوك في كل ما يتعلق بالتحركات أو الانتقالات الدولية لرؤوس الأموال سواء في صورة مساعدات أجنبية أو قروض خارجية سواء كانت رسمية أو تجارية أو في صورة استثمارات أجنبية مباشرة أو غير مباشرة، ويقوم البنك الدول بمفهومه الشامل بدور قيادي في إدارة النظام المالي الدولي.
3- النظام التجاري الدولي:
وهو ذلك النظام الذي يحكم قواعد السلوك في كل ما يتعلق بتصدير واستيراد السلع، وتحديد ما يجوز وما لا يجوز من الإجراءات الحمائية أو إعانات التصدير بل والعمل من خلال هذا النظام على تحرير التجارة العالمية لزيادة التبادل الدولي، وقد قامت سكرتارية الغات بالمحافظة على استمرارية هذا المكون من مكونات النظام الاقتصادي العالمي، إلى أن قامت منظمة التجارة العالمية على أثر جولة أوروغواي للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف لتتولى إدارة النظام التجاري الدولي اعتباراً من بداية عام 1995.
رابعاً: خصائص وملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
1- النظام الاقتصادي العالمي الجديد يتسم بالديناميكية والقطبية الأحادية:
تأكدت الخاصية الديناميكية للنظام الاقتصادي العالمي الحديد يوماً بعد يوم بدليل احتمالات تبدل موازين القوى الاقتصادية القائم وبدليل أيضاً وجود أكثر من سيناريو لما سيكون عليه النظام الاقتصادي العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين، فالبعض يطرح سيناريو القطب الواحد، والبعض الآخر يطرح سيناريو الشكل الهرمي والبعض الثالث يطرح سيناريو الكتل المتوازنة.
يأخذ النظام الاقتصادي العالمي الجديد الشكل الهرمي فيما يتعلق بترتيب مراكز القوى الاقتصادية الثلاثة، ويسمح هذا الوضع بأن تتوحد هذه القوى فيما بينها بحيث تغلب على علاقاتها عوامل التجانس مع قبول مبدأ الصراع فيما بينها وخاصة من الناحية التجارية والاقتصادية واقتسام أسواق العالم الثالث، ولكنها تترتب الديناميكية التي يتسم بها النظام الاقتصادي العالمي الجديد فقد يشهد النصف الثاني من القرن الحادي تبدلاً في الأدوار على القمة الهرمية للنظام الاقتصادي العالمي ، إذ من المحتمل أن تنفرد أوروبا أو الاتحاد الأوروبي بالقمة إذا نجحت المساعي الأوروبية في استيعاب بقية أوروبا في الاتحاد إلى جانب ما يحتفظ به الاتحاد من عناصر القوة حالياً ترشحه لاعتلاء القمة الاقتصادية العالمية في القرن الواحد والعشرين ثم يليه اليابان ثم الولايات المتحدة.؟
2- الثورة العلمية في المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا وتعميق العولمة الاقتصادية:
تمثل الثورة الصناعية الثالثة والتي تمثل ثورة علمية في المعلومات والاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا كثيفة المعرفة الأساس المادي للنظام الاقتصادي العالمي الجديد في المرحلة الحالية أو المعاصرة، وقد ترتب على هذه الثورة العديد من النتائج لعل من أهمها: [4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn4)
1- ثورة في الإنتاج تمثلت في اختلال المعرفة والمعلومات الأهمية النسبية الأولى في عملية الإنتاج، كما انعكست في ظهور أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي، حيث ظهر تقسيم العمل داخل السلعة الواحدة.
2- ثورة في التسويق نتيجة لعجز الأسواق المحلية عن استيعاب إنتاج المشروعات العملاقة ونتيجة للثورة في عالم الاتصال والمواصلات.
3- النمو الكبير والمتعاظم في التجارة الدولية والتدفقات المالية الناتجة عن الثورة التكنولوجية من ناحية وتحرير التجارة الدولي من ناحية أخرى.
4- تزايد الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل وشاركت في ذلك أيضاً الثورة التكنولوجية والنمو المتزيد للتجارة الدولية وحركات رؤوس الأموال عبر الدول.
3- تعاظم دور الشركات متعدية الجنسيات:
هناك العديد من المؤشرات الدالة على تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات والعالمية النشاط أيضاً في تشكيل وتكوين الاقتصاد العالمي الجديد، لعل من أهمها:
1- يشير التقرير الذي نشرته مجلة فورشن في عام 1995 عن أكبر 500 شركة متعدية الجنسيات في العالم أن إجمالي إيراداتها يصل إلى حوالي 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتستحوذ الشركات المتعدية الجنسيات في مجموعها على حوالي 40 % من حجم التجارة العالمية.
2- أن حوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال الشركات متعدية الجنسيات.
3- كذلك تجاوزت الأصول السائلة م الذهب والاحتياطيات النقدية الدولي المتوافرة لدى الشركات المتعدية الجنسيات حوالي ضعفي الاحتياطي الدولي منها.
4- الدور الكبير الذي تلعبه الشركات متعدية الجنسيات في الصورة التكنولوجية، فهي مسؤولة عن نسبة كبيرة من الاكتشافات التكنولوجية التي يرجع معظمها لجهود البحث والتطوير التي قامت بها هذه الشركات.
4- تزايد التكتلات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية الجديدة:
يكفي للدلالة على تأكيد خاصية تزايد التكتلات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية الجديدة أن إحدى الدراسات التي أجراها صندوق النقد الدولي خلال عام 1995 تشير إلى أنه يوجد على مستوى العالم حوالي 45 من أنظمة التكامل الاقتصادي ومن ثم التكتل الاقتصادي في مختلف مراحلها وصورها، تشمل حوالي 75 % من دول العالم، وحمالي 80 % من سكان العالم وتسيطر على حوالي 85 % من التجارة العالمية.
ثامناً: تزايد دور المؤسسات الاقتصادية العالمية في إدارة النظام الاقتصادي العالمي الجديد: لعل من الخصائص الهامة للنظام الاقتصادي العالمي الجديد هو تزايد دور المؤسسات الاقتصادية العالمية في إدارة هذا النظام بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بتفكك الاتحاد السوفيتي وبالتالي تلاشي المؤسسات الاقتصادية لهذا المعسكر، حيث أصبحت هناك ثلاث مؤسسات تقوم على إدارة النظام الاقتصادي العالمي وهي:
صندوق النقد الدولي: وهو المسؤول عن إدارة النظام النقدي الدولي.
البنك الدولي وتوابعه: وهو المسؤول عن إدارة النظام المالي الدولي.
منظمة التجارة العالمية، وهي المسؤولة عن إدارة النظام التجاري الدولي.
ويلاحظ على هذه المؤسسات العالمية في العقد الأخير من القرن العشرين أنها تتجه إلى إدارة النظام الاقتصادي العالمي من خلال آليات جديدة في إطار من التنسيق فيما بينها لضبط إيقاع المنظومة العالمية.
5- ملامح هيكلية جديدة للنظام الاقتصادي العالمي الجديد:
لم يعد تقسيم الدول في ظل النظام العالمي الجديد خاضعاً للنظام القديم، أي وجود دول متقدمة ودول نامية فقط أو غنية وفقيرة فقط، بل أصبحت الهيكلة الجديدة للنظام الاقتصادي العالمي الجديد تستوعب التقسيمات والتكوينات التالية:
1- مجموعة الدول الأعلى تطوراً: وهي على وجه التحديد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان، وتعتبر من البلدان الأعلى دخلاً.
2- البلاد النامية والساعية على طريق النمو، وتشمل البلاد حديثة التصنيع في شرق آسيا بالإضافة إلى الصين وبعض دول أمريكا اللاتينية، وتعتبر فئة البلدان ذات الدخل المتوسط في العالم.
3- البلاد المتخلفة اقتصادياً وهي ما يمكن أن يعبر عنها بالبلاد الأقل نمواً وتقع ضمن الشريحة الدنيا من فئة الدخل الأوسط والشريحة العليا من فئة الدخل المنخفض.
4- البلاد المتأخرة اقتصادياً وتنقسم إلى قسمين:
- أقل البلاد نمواً وتقع تقريباً ضمن الشريحة الوسطى من الفئة منخفضة الدخل
- وفي أدنى القاع يوجد القسم الذي نسميه أقل البلاد نمواً وهي الشريحة الدنيا من الفئة منخفضة الدخل وتشمل الأجزاء الأشد فقراً من العالم الثالث.

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) أحمد شرف: مسيرة النظام الدولي الجديد قبل وبعد حرب الخليج، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ، 1992، ص13-29

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) د. إسماعيل صبري عبد الله، نحو نظام اقتصادي عالمي جديد، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1977- ص16.

[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref3) Francis Fakyama. The end of History. The national interest international Affair. 1991

[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref4) د. سمية فوزي، النظام العالمي الجديد وانعكاساته الاقتصادية على الوطن العربي ، مجلة البحوث والدراسات العربية، العدد 22، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1994، ص43-44.
البحث الثاني: المؤسسات الاقتصادية الدولية
تأسست المؤسسات الاقتصادية الدولية الثلاث: صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي لإعادة الإعمار والتنمية (البنك الدولي) ومنظمة التجارة العالمية والتي تطورت أساساً عن الجات، تأسست كلها في ظروف انقسام العالم إلى معسكرين ونظامين متنافسين على قيادة العالم: النظام الرأسمالي وتتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الاشتراكي وكان يتزعمه الاتحاد السوفيتي السابق.
في مثل هذه الظروف كان الهدف من إقامة المؤسسات الاقتصادية الدولية، التي اقتصرت عضويتها على دول المعسكر الرأسمالي والبلدان التابعة لها أو السائر في ركابها، كان الهدف يتمثل في تنظيم اقتصاد الدول الأعضاء في المؤسسات بشكل يضمن له التفوق في المنافسة الاقتصادية بين المعسكرين.
أما بعد انهيار النظام الاشتراكي وتحقق الغلبة إلى نظام اقتصاد السوق فقد تغيّرت مهمة هذه المؤسسات وتحولت إلى تنميط(standardization) الاقتصاد العالمي في نموذج واحد أو ما تمكن تسميته عولمة الاقتصاد (Economic globalization) فقد رست قيادة العالم على الولايات المتحدة الأمريكية وتحققت المنافسة الاقتصادية للنظام الرأسمالي أو ما نسميه باقتصاد السوق، في هذه الحالة أصبحت المؤسسات الاقتصادية الدولي مهمته بترتيب البيت الداخلي العالمي.[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)
وسنوضح دور وآليات هذه المؤسسات والمنظمات كما يلي:
أولاً- صندوق النقد الدولي
النشأة والأهداف:
يمكن تعريف صندوق النقد الدولي على أنه المؤسسة العالمية النقدية التي تقوم على إدارة النظام النقدي الدولي.وتطبيق السياسات النقدية الكفيلة بتحقيق الاستقرار وعلاج العجز المؤقت في موازين المدفوعات للدول الأعضاء فيه[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2).
أنشى صندوق النقد الدولي في 25 ديسمبر عام 1945 من حوالي 45 دولة
ويهدف إلى :
1- تثبيت الأوضاع النقدية العالمية وتعزيز التعاون النقدي الدولي بما يكفل الاستقرار النقدي وسعر الصرف، وقد نجح في ذلك، بدرجات متفاوتة حتى بداية السبعينات حيث تم الأخذ بمبدأ تعويم العملات.
2- توسيع نطاق التجارة الدولية والعمل على زيادتها ونموها وتسهيل مجرى التحول للتجارة العالمية.
3- تقليل درجة الاختلال في ميزان المدفوعات.
وفي الواقع لقد تضمنت اتفاقيات بريتون وودز إقامة نظام أسعار الصرف الثابتة، حيث أن النتائج المؤلمة لسياسات تعويم أسعار الصرف كانت قد أقنعت الأطراف الدولية بأن تثبيت أسعار الصرف يعد من أهم عناصر استقرار التجارة الدولية، وعليه قد وافقت جميع الدول على تثبيت القوة الشرائية لعملاتها مقومة بالذهب والمحافظة على سعر الصرف بحدود 1% أقل أو أكثر من تلك القوة الشرائية، وضمت شروط الاتفاقية نظام من الصرف المفتوح بحيث أعطت الدول معه إمكانية تحويل العملة المحلية إلى عملات أخرى وكان صندوق النقد الدولي يعد بمثابة الحافظ الأمين لتلك القوانين والأداة الرئيسية للإدارة الدولي للنقد.
مهام الصندوق:
يقدم الصندوق النصح والمشورة حول السياسات التي تؤثر على النظام النقدي في بعض الدول ، والأكثر أهمية أن صندوق النقد يقدم المساعدات لبعض الدول التي تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها، ويمكن تقنين مهام الصندوق في النقاط الرئيسية التالية:
- تدعيم استقرار أسعار الصرف ومنع تخفيض قيمة العملات.
- إقامة نظام دولي متعدد الأطراف.
- تمويل العجز المؤقت في موازين المدفوعات للدول الأعضاء، وتوفير السيولة اللازمة لتسوية المدفوعات الدولية.
- اقتراح سياسات تصحيحية لتحقيق التوازن الخارجي.
- التعاون مع البنك الدولي لعلاج الاختلالات الهيكلية.
- إبداء المشورة للدولة العضو فيما يتعلق بالأمور النقدية والاقتصادية ذات العلاقة.
إدارة الصندوق:
يرتكز منطق سياسة الصندوق وآليات العمل فيه على نظام الحصص، حيث تم تخصيص كل بلد فيه بحصة تعكس قوته الاقتصادية ومقدار مساهمته في تمويل رأسمال المصرف، وعدد الأصوات التي يتمتع بها وسقف الاقتراض اللازم له من المصرف، وسنعرض فيما يلي توزيع السلطات في الصندوق من حيث : الحق في التصويت وإدارة الأجهزة واللجان الاستشارية.[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn3)
آ- حقوق التصويت: يحدد مقدار الحصة وزن كل بلد عضو في سلطة اتخاذ القرارات،وهذه محددة في نص الفقرة الخامسة من المادة الثانية عشر من نظام الصندوق إذ لكل عضو 250 صوتاً، يضاف لها صوت واحد لكل جزء من حصته معادلاً لـ 100 ألف وحدة حقوق سحب خاصة.
فالفكرة السائدة في هذا المجال أن تكون القوة التصويتية المتعلقة باتخاذ القرارات لاستعمال الموارد المالية لهذه المؤسسة، متناسقة مع أهمية المساهمات المالية لمختلف الدول الأعضاء، حيث يعتمد الأمر على الحجم النسبي للحصة، وهذا ما يجعل هذه الآلية أداة فعالة في يد البلدان التي تملك قوة اقتصادية كبير وبالتالي قوة تصويتية موازية، وتكمن أهمية الحصص في النقاط التالية:
- تحدد مدى مساهمة البلد الراغب في العضوية في تمويل الصندوق.
- تحدد حق البلد العضو في الاستفادة من موارد الصندوق.
- تحدد القوة التصويتية لكل بلد عضو وتوزع على أساسها حقوق السحب الخاصة التي ينظمها الصندوق[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn4)
ب- الأجهزة التي تدير الصندوق: يتشكل الجهاز صاحب السلطة لدى الصندوق النقدي الدولي من:
1- مجلس الحكام أو المحافظين: يسمى كل بلد عضو حكماً لدى الصندوق ويسمى نائباً، ولمجلس الحكام سلطة القبول لأعضاء جدد وتحديد حصة كل منهم، وكذلك إمكانية فصل أحد الأعضاء، ويحق لمجلس الحكام تفويض صلاحياتهم إىل مجلس المدراء التنفيذيين.
2- مجلس المدراء التنفيذيين: الذي يعد الجهاز الدائم والمستمر والمسؤول عن سير الأعمال الجاري للصندوق وإدارة معاملاته، ويتشكل مجلس المدراء التنفيذيين من مدراء معينين ومدراء منتخبين، بالنسبة للمدراء الخمس المعنيين تسميهم خمس دول أعضاء أما المنتخبين وعددهم 15 فيتم انتخابهم كل سنتين من قبل الدول الأعضاء على أساس الطرق المعتمدة في التصويت، يتطلب اتخاذ بعض القرارات بالفوز بالأغلبية من 70-85% من مجموع الأصوات.
3- الأجهزة واللجان الاستشارية:
إلى جانب ما تقدم هناك أجهزة ولجان استشارية تعمل داخل إطار الصندوق ومحدثة بموجب قرار من مجلس الحكام أو المحافظين وهي:
- اللجنة الانتقالية:وهي المكلفة بتقديم المشورة والتقارير لمجلس الحكام لمساعدته في مراقبة إدارة وتكيف تسيير النظام النقدي الدولي واتخاذ الإجراءات اللاازمة لدى حدوث اضطرابات فجائية.
- لجنة التنمية: أحدثت في الشهر العاشر من عام 1974، عدد الأعضاء 22 ويكون أعضائها عادةً من وزارة المالية وتتم تسميتهم على أساس من التناوب ومدة سنتين من قبل البلدان الأعضاء في الصندوق وفق المبدأ ذاته المذكور بالنسبة للجنة الانتقالية.
- مجموعة العشرة: أحدثت عام 1962 تعبر هذه المجموعة عن وجهات نظر ومواقف أهم البلدان الصناعية حول مختلف القضايا المتعلقة بالتنظيم النقدي والمالي.
- مجموعة الـ24: أحدثت تحت اسم ( مجموعة الـ24) الحكومية لمتابعة معالجة الشؤون النقدية الدولية وهي مُشكَّلة على أساس من التوازن الإقليمي بواقع 8 دول لكل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، مهمتها العمل على خدمة مصالح هذه البلدان.
موارد الصندوق:
تتكون موارد الصندوق من:
أ- خصائص ومساهمات الدول الأعضاء:
منذ تكوين الصندوق ولغاية عام 1978 كان يتعين على العضو أن يدفع 25 % من حصته ذهباً و 75 % المتبقية بعملته الوطنية، ثم بعد هذا النظام فيما بعد أصبح 75% من حصة العضو بعملته الوطنية والباقي يسدد بوحدات حقوق سحب خاصة.
ب- استقراضات الصندوق:
طبقاً للفقرة من المادة السابعة من نظام الصندوق يمكن له أن يستقرض من مؤسسات رسمية( خزينة عامة أو مصرف مركزي)سواء كانت بلدانها أعضاء أم غير أعضاء، كما يحق له الاستقراض من القطاع الخاص( المصارف التجارية)
بدأت استقراضات الصندوق ( التي سميت اتفاقيات عامة للاستقراضات) عام 1962، حيث تعاقد مع الدول الصناعية الكبرى( الولايات المتحدة الأمريكية- كندا- ألمانيا- إنكلترا- فرنسا- إيطاليا- بلجيكا- هولندا- السويد- اليابان) على قروض، ثم لجأ مرة ثانية إلى الاستقراض عام 1974 بموجب قرض قدمته تسع دول أعضاء، قدره 3 مليار دولار من وحدات السحب الخاصة، وقرض آخر قدمته لتطبيق سياسة اللجوء الموسع كسياسة مكملة لآلية التمويل الموسع عام 1981، وذلك بهدف توفير موارد أكثر للدول الأعضاء ومساعدتها على مواجهة الصعوبات التي تتعلق باقتصادياتها.[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn5)
ج- حقوق السحب الخاصة:
التسهيلات والقروض التي يقدمها الصندوق:
يجري حساب التسهيلات الائتمانية التي يقدمها الصندوق على أساس مبادلة العملات، إلا أن هناك أشكال مختلفة جرى تطويرها بغية تقديم المساعدات المالية، أهمها:
- نظام السحوبات على الصندوق: يقدم البلد المستقرض- بموجب هذا النظام- إلى الصندوق مقداراً من عملته الوطنية، ليتمكن من شراء أو سحب عملة لا يكون هو الذي أصدرها ( على أساس سعر الصرف السائد) ولدى حلول موعد التسديد يدفع البلد المستقرض للصندوق مقداراً مقابلاً من العملة الأجنبية ليتمكن من إعادة شراء عملته،باختصار أنها عملية مبادلة، أي شراء عمل مقابل أخرى مع شرط الالتزام بإعادة الشراء بشكل معاكس وبتاريخ محدد مسبقا.
- من خلال سياسات وآليات المساعدات المالية وتتمثل بـ:
1- آليات السحب على الموارد العادية: وتتمثل بالسحب على الشريحة الاحتياطية، والسحوبات على هذه الشريحة لا تخضع لشروط اقتصادية أو واجب إعادة الشراء ولا إلى دفع عمولات ويجب أن لا يتجاوز أكثر من 125 % ، أما الشرائح الائتمانية العادية فتخضع لدفع عمولات ويجب أن يعاد شراؤها خلال فترة 3 إىل 5 سنوات.
وهناك آليات جديدة أضافها الصندوق هي:
* آلية التمويل التعويضي وآلية التمويل ضد الطوارئ:
أحدثت هذه الآلية عام 1963 وتستخدم للتعويض عن تكاليف إضافية أو خسارة أرباح متوقعة بمعنى تقديم العون للدول التي تعاني موازين مدفوعاتها من صعوبات خارجة عن نطاق إرادتها وسياساتها.
* آلية تسهيل تمويل المخزون الناظم أو الاحتياطي:
تم إحداث هذه الآلية عام 1969 للمساهمة في استقرار أسعار المواد الأولية عن طريق تمويل المخزون الناظم أو الاحتياطي، ويتم بواسطة اتفاقيات يوافق عليها مجلس المدراء التنفيذيين ويستطيع البلد العضو الحصول على سحوبات تصل إلى 45 % من حصته.
* آلية التسهيل الائتماني الموسع أو الممتد:
تقررت هذه الآلية عام 1974-1975، وكانت موجهة للبلدان النامية التي تعاني من عدم توازن حاد في ميزان مدفوعاتها مرتبط بخلل في هيكل الإنتاج والتجارة، وتصل هذه السحوبات إلى 140 % من الحصة ومدتها أطول.
2- آليات السحب على الموارد المستقرضة:
* آليات خاصة: حسابات يديرها الصندوق:
- التسهيلان النفطيان: عامي 1974-1975 بهدف تصحيح العجز في موازين المدفوعات الناجم عن زيادة تكاليف الواردات النفطية من جراء ارتفاع الأسعار.
- آلية التمويل الإضافي: خصصت لتقديم المساعدات للدول الأعضاء لمعالجة الاختلالات في موازين المدفوعات مما لا يمكن إصلاحه بالتسهيلات الائتمانية الأخرى.
- المساهمة في إعادة جدولة الديون المصرفية:
يحصر مندوب عن صندوق النقد الدولي في اجتماع جبهة الدائنين المنعقدة لإعادة جدولة الديون المترتبة على الدول الطالبة لإعادة جدولة ديونها، ويقوم بدور أساسي من خلال الاتفاق مع البلد المدين بأن يتعهد (البلد المدين) بتنفيذ جملة من السياسات والتوجيهات الاقتصادية والاجتماعية تنصب على التجارة الخارجية والإنفاق العام والسياسة الاستثمارية للدولة، وبالتالي تعد موافقة الصندوق ضرورية من أجل إعادة جدولة الديون لأي دولة مدينة، وعلى تلك الديون أن تنفذ شروط معينة وبرامج تكييف وتصحيح غالباً ما تكن مجحفة بحق الدولة.
الشروط التي يفرضها الصندوق على الدول المدينة من أجل إعادة ديونها في إطار برنامج التثبيت والتصحيح والهيكلي:
يفرض الصندوق في سياق إعادة جدولة الديون مع البلدان النامية المدينة، تنفيذ مجموعة إجراءات تتمثل في ثلاثة محاور أساسية هي:[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn6)
1- محور يتعلق بالسياسة المالية:
- القضاء على العجز في ميزان المدفوعات.
- تخفيض القيمة الخارجية لعملة البلد.
- إلغاء الرقابة على الصرف الأجنبي أو تقليلها إلى الحد الأدنى.
- تحرير الاستيراد من القيود وخصوصاً بالنسبة للقطاع الخاص.
- إلغاء الاتفاقيات التجارية الثنائية.
- العمل على تحقيق سوق تجارية للنقد الأجنبي.
- خفض العجز بالموازنة العامة للدولة.
- وضع حدود عليا للائتمان المصرفي المسموح به للحكومة وللقطاع العام.
- ضرورة العمل على زيادة موارد الحكومة من خلال:
- زيادة الضرائب غير المباشرة:
- زيادة أسعار بيع منتجات القطاع العام ورسوم خدمات المرافق العامة.
- بيع أو تصفية المؤسسات العامة التي تحقق خسارة وفتح الباب للرأسمال الأجنبي للاستحواذ على المؤسسات العامة الناجحة.
- زيادة أسعار الطاقة:
- الحرص على تقليل معدلات نمو الإنفاق العام الجاري وذلك من خلال إلغاء الدعم السلعي المخصص للمواد التموينية.
2- محور يتعلق بالسياسة النقدية:
- الحد من نمو عرض النقود وتنمية السوق النقدي المالي.
- تطوير القوانين المتعلقة بالبورصات.
- تكوين احتياطي نقدي دولي مناسب لمواجهة أعباء ما بعد إعادة جدولة الديون.
- زيادة أسعار الفائدة ( المدينة والدائنة).
- حقوق السحب الخاصة.
الاتجاهات الجديدة في سياسات الصندوق:
مع ارتفاع حدة مشكلات المديونية الخارجية للعديد من الدول النامية وتوقف بعضها منذ مطلع الثمانينات عند سداد المستحقات المترتبة عليه( أقساط+ فوائد)، فقد اتجه صندوق النقد الدولي إلى التشدد إلى حد كبير في عملية الإقراض والتمويل، كما أنه اتجه إلى وضع وصفة معينة تدعى( وصفة صندوق النقد الدولي) وهي بمجملها تدعى برامج التثبيت الاقتصادي وتركز على التكيف مع الأجل القصير وتنص على خفض سعر صرف العملة الوطنية وإلغاء الدعم وتحرير الأسعار وتشجيع الصادرات.. هي غالباً ما قوبلت بالرفض أو التحفظ أو القبول على مضض لاعتقاد البعض على أنه تدخل في الشؤون الداخلية سيقود إلى نتائج وآثار سلبية على المستوى السياسي والاجتماعي.
- ملاحظات ضرورية على سياسات وأداء صندوق النقد الدولي:
تشير كثير من التحليلات فيما يتعلق بتقييم سياسات وأداء صندوق النقد الدولي إلى أن هناك العديد من الملاحظات والتحفظات التي تسجل في هذا المجال، والتي إن دلت على شي فإنما تدل على احتمالات أن تشهد تلك المؤسسة الاقتصادية العالمية، بعض الإصلاحات التي تجعلها أكثر كفاءة في أداء دورها في النظام الاقتصادي العالمي خلال القرن الحادي والعشرين ومن هذا المدخل يمكن أن نلاحظ أو أن نسجل بعض أوجه التقصير على سياسات وأداء صندوق النقد الدولي( على سبيل المثال لا الحصر) :
1- أن الدول المتقدمة الخمسة الكبرى تسيطر على إدارة صندوق النقد الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفرد بحوالي 20% من القوة التصويتية و 20% من رأسماله.
2- منذ انهيار نظام النقد الدولي عام 1971 الذي اتفق عليه في بريتون وودز وتقنين نظام التعويم للعملات الرئيسية في 16 آذار 1973، وتحول العالم إلى نظام أسعار الصرف المترتبة، أصبح النظام النقدي منذ ذلك التاريخ بلا قاعدة وهي مسألة تحتاج إلى علاج وإصلاح قد تجيب عليها الإصلاحات النقدية المتوقعة في السنوات القادمة وخاصة في ظل نمو التكتلات الاقتصادية العملاقة.
3- إن معظم القروض والتسهيلات الممنوحة من صندوق النقد الدولي موجهة إلى الدول المتقدمة، وحتى حقوق السحب الخاصة التي ابتدعت عام 1969 كنقود ( أصول) دولية لم تنل الدول النامية منها إلا القليل.
4- تزايد استخدام صندوق النقد الدولي لما اصطلح على تسميته بالمشروطية، ومنها أنه يشترط إتباع سياسات معينة للإصلاح الاقتصادي في مجال علاج عجز ميزان المدفوعات. وعجز الموازنة، وتخفيض معدلات التضخم وإصلاح سعر الصرف وتحديد الأسعار وتحديد التجارة الدولية في شكل برامج للإصلاح الاقتصادي يغلب عليها إدارة الطلب وخاصة في الأجل القصير والمتوسط، وبالتالي تميل سياسات الإصلاح الاقتصادي التي يضعها الصندوق في برامجه إلى أن تكون سياسات انكماشية تحتاج إلى إعادة نظر وإجراء التحسينات عليها وذلك استناداً إلى ما أسفرت عنه التجارب في هذا المجال، وخاصة أن من الجوانب الخاصة بالمشروطية أن الدول النامية صارت – بعد أزمة المكسيك عام 1982 لا تستطيع الحصول على المساعدات والقروض من جهات أخرى إلا بعد الرجوع للصندوق وإبرام الاتفاقات المناسبة معها.[7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn7) والحصول على شهادة الصلاحية الاقتصادية والجدارة الائتمانية.
5- تترتب على سياسات الإصلاح الاقتصادي آثار اجتماعية مرتفعة التكاليف، لا تراعي ظروف الدول النامية، وقد حاول صندوق النقد الدولي أن يخفف من تلك الآثار عندما قرر إجراء تعديلات في برامجه وأدخل ما يسمى بشبكة الضمان الاجتماعي بالتعاون مع البنك الدولي، وأنشأ أيضاً ما يسميها بالصندوق الاجتماعي للتنمية، إلا أن الأمر يحتاج أن يراعي الصندوق ظروف الدول النامية بصورة أفضل، وأن تلائم سياساته بدرجة أكثر الأوضاع الاقتصادية للدول الرأسمالية المتقدمة بالرغم من أن الأوضاع الاقتصادية للدول النامية ذات طبيعة خاصة وتحتاج إلى معالجات خاصة.
البنك الدولي: هو مؤسسة دولية مختصة بإدارة النظام المالي الدولية، أنشئ في عام 1944 بهدف إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، ومعاونة الدول النامية لاستخدام مواردها، وتشجيع حركة الاستثمارات الدولية الخاصة في سبيل تحقيق تنمية اقتصادية للدول الأعضاء فيه من خلال تقديمه المشورة والنصح للدول بإتباع سياسات التنمية والاستثمارات وسياسات الإصلاح الهيكلي وتخصيص الموارد وهو لذلك يهتم- على عكس الصندوق بالمدى الطويل بتحركات رؤوس الأموال على المستوى الدولي، فيقدم قروضاً طويلة الأجل أو استثمارات مباشرة أو غير مباشرة بغرض رفع مستويات التنمية الاقتصادية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي في الدول التي دمرتها الحرب.
إلا أنه يشترط بالنسبة لعمليات التكييف الهيكلي أن يسبق ذلك مرحلة التثبيت التي هي الشغل الشاغل للصندوق وأي تخفيض معدل التضخم وتقليل عجز الموازنة وتصحيح سعر الصرف، باعتبارها شروط تمهيدية لكي تنجح عمليات التكييف الهيكلي في الأجل المتوسط والطويل، ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبهذا الوضع يمكن لنشاط البنك الدولي أن يكمل الأهداف الأساسية لنشاط البنك الدولي أن يكمل الأهداف الأساسية لنشاط صندوق النقد الدولي ويساعد على الاستقرار في مجالات تمويل التنمية. ثم تغيرت وظيفته، بعد أن أنجز مهامه على صعيد تنمية الاقتصادات الرأسمالية، ليتولى مهمة دمج اقتصاديات البلدان النامية ضمن منظومة تنمية الاقتصادات الرأسمالية، ليتولى مهمة دمج اقتصاديات البلدان النامية ضمن منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي.[8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn8)
تتألف هذه المجموعة من عدة مؤسسات دولية:
1- البنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRD .
2- مؤسسة التمويل الدوليةIDA .
3- مؤسسة التمويل الدوليةIFC.
4- الوكالة المتعددة الأطراف لضمان الاستثمار.

الانتساب والمساهمة:
بموجب اتفاقية إنشاء البنك، يشترط في الدول الراغبة في الانتساب إلى البنك أو الطالبة الاستفادة من موارده المالية، أن تكون عضواً في صندوق النقد الدولي، كما أن نسب اكتتاب البلدان الأعضاء في رأس مال البنك مرتبطة كل منها في الصندوق، والهدف من ذلك إظهار القدرة النسبية لاقتصاد البلد المعني.[9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn9)
لكل دولة من الدول الأعضاء في البنك عدد معين من أسهم رأس المال، ولكل منها 250 صوتاً زائداً صوتاً إضافياً عن كل 100000 من أسهم رأس المال الذي اكتتبت به الدولة العضو، وتتخذ القرارات بأغلبية الاصوات ما عدا بعض الاستشارات، ويقسم الاكتتاب في حصة كل دولة إلى ثلاثة أقسام.
- 2% يدفع بالذهب أو بالدولار الأمريكي وللبنك أن يستخدمه بحرية في أي عملية من عملياته.
- 18 % بالعملة المحلية ولا يستطيع البنك إقراض هذا الجزء إلا بموافقة الدولة العضو.
- 80% لا تلزم الدولة بدفعها وإنما تكون تحت تصرف البنك لعمليات الإقراض ولا يطلب البنك هذا الجزء إلا إذ دعت الحاجة للوفاء بالتزاماته سواءً في منحه للقروض أو ضماناتها.
إدارة البنك:
يتولى إدارة البنك رسمياً:
مجلس المحافظين: وكل دولة عضو لها محافظ في هذا المجلس.
المديرون التنفيذيون يقومون بالأعمال اليومية ويبلغ عددهم اثنان وعشرون عضو يتولى تعين خمسة منهم.
الأعضاء الخمسة الذين يمتلكون أكبر عدد من الأسهم أما الباقي فينتخبهم الأعضاء الباقين، أما الرئيس فيتم تعيينه من قبل المدراء التنفيذيين.
1- سياسة البنك:
يعد البنك الدولي المؤسسة التوأم لصندوق النقد الدولي منذ ميلاده في ضوء اتفاقية بريتون وودز، فقد أنشئ البنك أساساً لكي يكمل مهمة صندوق النقد الدولي حيث استهدف تقديم القروض الدولية طويلة الأجل لتشجيع حركة الاستثمارات الدولية للدول الأعضاء والعمل على تحقيق النمو المتوازن، الطويل الأجل للتجارة الدولية وبالرغم من دخول معظم الدول المتخلفة كأعضاء في هذا البنك، إلا أنه نظراً لسيطرة الدول الرأسمالية القوية على أغلبية رأسماله وبالتالي على الشطر الأعظم من القوة التصويتية في إدارته، فإن البنك كان دوماً في خدمة مصالح رأس المال المالي الدولي ولذا فإن الأموال الفائضة التي تجمعت بالبنك سواءً كانت عن طريق رأسماله المدفوع أم عن طريق السندات التي يطرحها للاكتتاب لدى الحكومات أو في الأسواق المالية الدولية قد اتجهت بصورة أساسية للاستثمار في الدول الأوروبية خلال النصف الثاني من الأربعينات والخمسينات والستينات، حيث ركز البنك نشاطه في هذه الدول لمساعدتها في مواجهة مشكلات إعادة التعمير والبناء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخلال تلك الفترة لم تخط الدول المتخلفة الحديثة الاستقلال على قروض تذكر من البنك رغم اشتراكها في عضويته ولو بحصص ضئيلة في رأسماله.
وفي الواقع إن السيطرة التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية على البنك وإدارته من خلال ما تملكه من حصة مرتفعة في رأسماله، وما ينجم عنها من قوة تصويتية كبيرة تمكنها من التحكم في قراراته، فقد لوحظ أن القرارات التي قدمها البنك الدولة إلى الدول الدول المتخلفة خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كان يقدمها إلى تلك الدول التي توجد بها مصالح اقتصادية أمريكية أو الدول التي تتعاظم بها المصالح الاستراتيجية الأمريكية العسكرية ولم تكن هذه الدول هي الأكثر فقراًَ في مجموعة الدول المتخلفة، كما أنه ونتيجة لسيطرة الأيديولوجية الرأسمالية على البنك فإن قروضه وبالذات خلال الخمسينات والستينات لم تذهب إلى تلك الدول التي كانت ترفع شعارات التنمية المخصصة والعمل على بناء مجتمع اشتراكي أو إلى تلك الدول التي انتهجت سياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تتفق والرؤية الأمريكية. كما أن سياسة الإقراض التي ينتهجها البنك كانت ولا تزال تتدخل فيها الاعتبارات السياسية والعلاقات الخاصة.
وفي إطار الإقراض يتبع البنك سياسة تتسم بالحذر والحيطة والاهتمام الزائد بمصالح المستثمرين، فهدف الإقراض يبقى في النهاية هو الربح واستعادة القروض بضمانات شديدة.
وعلى صعيد آخر فإنه لما كان البنك يهدف إلى تشجيع حركة الاستثمارات الخارجية الخاصة، فإنه يسعى في الواقع إلى خلق أفضل الظروف الممكنة أمام تلك الاستثمارات، وهو لذلك يتبع سياسة الباب المفتوح والتي تتزايد فيها الاستثمارات الأجنبية ولهذا فهو لا يمتنع عن تقديم القروض لتمويل بناء البنى التحتية لرفع كفاءة الأداء الاقتصادي والكفاية الإنتاجية باعتبارها ضرورية لأي نشاط استثماري مربح، وقبل كل ذلك فإن البنك يجري دراسات دقيقة ومتشددة لعملية الإقراض والتمويل، وهذا ما يجعل الدول الرأسمالية القريبة تفضل الإقراض عن طريقه.
* أنواع القروض:
يقدم البنك الدولي عدة أنواع من القروض أنها:[10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn10)
- قروض المشروعات الخدمية: أو مشروعات البنى التحتية.
- قروض البرامج: تمنح لتمويل برنامج إنمائي أو قطاعي يتناول عدة مشروعات، تعطى في ظروف استثنائية.
- قروض التصحيحات الهيكلية: ويجب تحقيق شرطين أساسيين للحصول على القروض:
* ضرورة وجود خلل خطير في ميزان المدفوعات للدولة المدينة( طالبة القرض).
* وجود رغبة لدى تلك الدولة في تنفيذ برامج التكييف الهيكلي خلال فترة زمنية معينة.
- القروض القطاعية: تمنح لتصحيح السياسات الاقتصادية في البلد المقترض وتختلف عن قروض التصحيحات الهيكلية في أنها تقتصر على السياسات المتعلقة بقطاع معين مثل الزراعة أو الصناعة.
2- مضمون برنامج الإقراض من أجل التكييف الهيكلي:
من المعروف أن البنك الدولي قدم القروض طويلة الأجل التي تدعم عملية التكييف على المدى الطويل، وهذه القروض لا تختلف لا من حيث مضمونها ولا من حيث أهدافها عن القروض التي يمنحها صندوق النقد الدولي لدعم برامجه، بل إن سياسات البنك تتكامل مع سياسات الصندوق ومهما يكن الأمر فإن ثمة قضايا أساسية يركز عليها برنامج البنك ( برنامج التكييف الهيكلي) أهمها:
أ- تحديد صريح للأهداف التي يتعين تحقيقها خلال فترة تراوح من 3-5 سنوات.
ب- تحديد واضح للإجراءات التي لابد وأن تجري خلال خمس سنوات.
ج- جملة من الإجراءات الأخرى التي يتعين على البلد تنفيذها لضمان الحصول على القروض.
3- عناصر البرنامج:
يشتمل برنامج البنك على جملة من العناصر تشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية ومنها بالطبع السياسة التجارية( سعر الصرف، الجمارك، سياسات الاستيراد والتصدير) والسياسات القطاعية المتعلقة بالطاقة والزراعة والصناعة والاستثمار والقطاع العام والسياسات الخاصة بتعبئة الموارد( الموازنة العامة وسياسات أسعار الفائدة) فضلاً عن إدارة الدين الخاص إلا أن الأبرز والأهم من بين هذه العناصر يتمثل بـ:
أ- تحجيم دور القطاع العام:
يعتبر البنك الدولي أن القطاع العام هو المشكلة الأساسية بالنسبة لمشكلات الاقتصاديات المتخلفة ويحمله مسؤولية كافة التشوهات والاختلالات الهيكلية الداخلية والخارجية ويعتبر أن السوق المنافسة هي البديل الأفضل عبر توزيع وتخصيص الموارد، هو يعتبر أن معظم ديون الدول النامية سببها القطاع العام ولذا فهو يقوم في هذا الإطار بثلاث توصيات هي:
* تصفية هذه المشروعات وبخاصة الخاسرة منها.
* بيع المشروعات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص وإشراك الرأسمالية في ملكيتها.
* تخفيف العبء المالي لتوفير وتوزيع الخدمات ذات الطابع العام التي تقدمها الحكومة مثل خدمات الإنارة ومياه الشرب والصرف الصحي والأمن الداخلي والإسكان وخدمات التلفزيون والطرق..
ب- الترحيب وفتح المجال للاستثمارات الأجنبية الخاصة:
تستند المطالبة بفتح المجال للاستثمارات الأجنبية على قاعدة أن هذه البلاد تفتقر إلى الموارد الكافية ومصادر التمويل اللازمة، وبالتالي فإن فتح المجال لاستثمارات الأجنبية يمكن أن يسد النقص، كما أن الاستثمار الأجنبي سيضمن لهذه البلدان الحصول على التكنولوجيا المتقدمة والمعارف والخبرات والإدارة الرفيعة ويساعد على استخدام الموارد المحلية ونمو الناتج وخلق فرص التوظيف فضلاً عن أنه يساعدها على إجراء عمليات التكييف الهيكلي.
ملاحظات ضرورية على سياسات وأداء البنك الدولي:
إن أهم الملاحظات على سياسات وأداء البنك الدولي هي التالي:
1- إن إدارة البنك الدولي لا زالت متوفرة على نحو كبير بنفوذ الدول الخمس الكبرى وعلى رأسها الولايات الأمريكية التي تملك 20 % من القوة التصويتة في البنك الدولي كما هو الحال في صندوق النقد الدولي.
2- لا يقدم البنك الدولي إلا القليل لتنمية المشروعات الصناعية وهي حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية في الدول النامية، وحيث يركز فقط على قطاعات الزراعة والطاقة والبيئة الأساسية.
3- تزايد المشروطية من قبل البنك الدولي وخاصة في برامج الإصلاح الهيكلي التي تحتاج إلى إعادة نظر من قبل البنك لتكون أكثر ملائمة لظروف الدول النامية، ويكفي الإشارة إلى أن عامل الوقت والعنصر الاجتماعي في تطبيق برامج الإصلاح الهيكلي لا تعطي الوزن اللازم، وهو ما دأبت الدول النامية مجتمعة على المطالبة به، وما نتج عن ذلك من صعوبات ومخاطر قرضت على البنك( وكذلك الصندوق) ضرورة مراجعة سياساته والقبول بسياسات التدرج، وإدماج المتطلبات الاجتماعية في إطار البرامج الحالية مثل شبكة الأمان الاجتماعي والصندوق الاجتماعي للتنمية.
4- يعاب على مؤسسة التمويل الدولية وهيئة التمويل الدولية ( وهما من مؤسسات مجموعة البنك الدولي) وبصفة خاصة الأخيرة أن مواردها محدودة وبالتالي ففائدتها ليست كبيرة للدول النامية.
- ملاحظات ضرورية على سياسات وأداء البنك الدولي.
ثالثاً- منظمة التجارة العالمية WTO:
مقدمة:
تعد منظمة التجارة العالمية الركيزة الثالثة لنظام الاقتصادي العالمي، تقوم مع كل من الصندوق والبنك على تحديد معالم هذا النظام، تهتم بإدارة وإقامة دعائم النظام التجاري الدولي وتقويته وزيادة التبادل الدولي ورفع وتيرة النشاط الاقتصادي العالمي وبالتالي تعمل WTO مع كل من البنك والصندوق على إقرار وتحديد معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي أصبح يتميز بوحدة السوق العالمية ويخضع لإدارة وإشراف مؤسسات اقتصادية عالمية تعمل بصورة متناسقة.[11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn11)
أنشئت هذه المنظمة في عام 1994 لتحل محل سكرتارية (الجات) بحيث تنامي دورها لتشمل مجالات أوسع في النظام التجاري الدولي، مثل تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية وقوانين وإجراءات الاستثمار ذات الأثر على التجارة الدولية، وغيرها واستطاعت تدويل بعض القضايا التي كانت إلى عهد قريب قضايا محلية تعالجها كل دولة وفق منظورها الخاص، كما قامت بمراجعة موسعة للعديد من السياسات وآليات العمل الاقتصادي المطبقة( حماية، دعم، قيود) ونجحت في إلغاء بعضها وتخفيض البعض الآخر، وبالتالي نجحت في خلق نظام تجاري دولي وفق قواعد جديدة ذات طابع عالمي).
آ- النشأة:
قبل الحديث عن منظمة التجارة العالمية WTO التي كانت تعرف حتى تاريخ انعقاد جولة الأورغواي عام 1993 بـ الاتفاقيات العامة للتعريفات والتجارة لابد من التذكير بالجذور التاريخية التي بدأت مع اتفاق هافانا.
لقد كان اتفاق هافانا بحق أول محاولة لبناء نظام دولي للتجارة، حيث بدأ مع مفاوضات ومباحثات طويلة استغرقت منذ عام 1943 ولغاية 1947 واتفاقية هافانا كانت في الواقع معقدة، حيث أنه وبالرغم من تطبيقها لرغبات جميع الأطراف( الأوروبية والأمريكية والبلدان النامية)، إلا أنها لم ترضِ رغبة أي من الأطراف الثلاثة وذلك لقناعة كانت قد تولدت من جميع الأطراف بأن الاتفاق لا يلبي الطموح الذي خلق نظام تجارة حر. ومهما يكن الأمر فإن اتفاق هافانا كان نقطة الارتكاز الأساسية التي تم التأسيس عليها لعقد عدة جولات من المفاوضات اختتمت في 15/12/1993 وذلك في وقائع أعمال الجولة الثامنة من جولات المفاوضات التجارية متعددة الأطراف التي عقدت في إطار الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة GATT وفقد عرفت هذه الجولة بجولة الأورغواي نسبة إلى الدولة التي اجتمع فيها المؤتمر الوزاري.
ب- ما هي منظمة التجارة العالمية WTO:
لقد تمخضت جولة الأورغواي عن نتائج متعددة كأن تغير اسم المنظمة من GATT أي ( الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة) إلى WTO أي منظمة التجارة العالمية، وهي عبارة عن منظمة دولية تهدف إلى تنظيم وتحرير المبادلات التجارية بين الدول التي تسعى أو تقبل الانضمام إليها، وتسمى الدول الداخلية إليها بـ ( الأطراف المتعاقدة). قد بلغ عدد الجولات ثماني جولات بما فيها الجولة الأخيرة التي اختتمت أعمالها في 15/12/1993 والمعروفة بجولة الأورغواي.
إن أهم ما يميز منظمة التجارة العالمية عن الجات:
1- أنها حلت محل (الجات) لتتولى إدارة النظام التجاري العالمي بصورة أكثر شمولاً ( على نطاق السلع الزراعية والصناعية والخدمات والملكية الفكرية والاستثمار والجوانب البيئية).
2- إن شرط الانضمام ( أو العضوية) أصبح يحتاج إلى الموافقة على اتفاقيات (الجات) بكل ما فيها دفعة واحدة على مبدأ اقبلها أو ارفضها كلها.
3- تتميز بآلية أفضل لحل المنازعات وتتمتع بصلاحيات أقوى من (الجات) في هذا المجال يقوم نظرياً على المساواة بين القوي والضعيف في الحقوق.
أهداف WTO:
إن مجموعة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها WOT تدور حول هدف رئيسي هو تحرير التجارة الدولية( العالمية) أي تطبيق نظام حرية التجارة الدولية وفي هذا الإطار تسعى WTO إلى تحقيق الأهداف التالية:
1- خلق وضع تنافسي دولي في التجارة يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصيص الموارد.
2- تعظيم الدخل القومي العالمي ورفع مستويات المعيشة من خلال زيادة معدلات نمو الدخل الخفيف.
3- تحقيق التوظيف الكامل لموارد العالم، وزيادة الإنتاج المتواصل والإنجاز في السلع والخدمات بما يؤدي إلى الاستخدام الأمثل لتلك الموارد، مع الحفاظ على تلبية وحاجتها ودعم الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك.
4- توسيع الإنتاج وخلق أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي وزيادة نطاق التجارة العالمية.
5- توفير الحماية المناسبة للسوق الدولي لجعله يعمل في بيئة مناسبة وملائمة لمختلف مستويات التنمية.
6- محاولة إشراك الدول النامية والأقل نمواً في التجارة الدولية بصورة أفضل.
العضوية واتخاذ القرارات:
تقدم الدولة الراغبة في الانضمام إلى المنظمة طلب العضوية مرفق بوثيقة تفاهم تتضمن وصفاً دقيقاً وشاملاً لنظامها التجاري الاقتصادي القائم، من حيث الأنظمة والقوانين الضريبية والجمركية والتعريفات.. وعن الدول التي تتم عمليات التبادل معها وشروط هذا التبادل، والدول التي ترغب بتناسق تطبيق أحكام الاتفاقية معها.
تشكل هذه الوثيقة أساساً للمفاوضات، لاكتساب العضوية، ونتيجة هذه المفاوضات تفرض المنظمة على تلك الدولة ( الراغبة بالانضمام) الموافقة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل تشريعاتها الوطنية لتتفق مع قواعد الاتفاقيات متعددة الأطراف وتعديل أنظمتها لتسهيل وصول الخدمات الأجنبية إلى أصواتها: [12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn12)
ولكل دولة عضواً في المنظمة صوتاً واحداً يستخدم في التصويت على القرارات المتخذة في إطار المنظمة ويمكن التمييز بين نوعين من القرارات:
- قرارات تتعلق بالقواعد والمبادئ العامة وتحتاج هذه القرارات لإجماع الأعضاء.
- قرارات تتعلق بأمور أخرى يتم اللجوء إلى التصويت ويتخذ القرار بموافقة ثلثي أصوات المشاركين، وبحيث لا يقل عددهم عن 5 % من كامل البلدان الأعضاء.[13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn13)
الهيكل التنظيمي :
يأخذ الهيكل التنظيمي للمنظمة الشكل التالي:
(هون في جدول بفضل انو تشوفو رابط المادة من المنتدى لتفهمو اكتر)(faten)

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) د. مطانيوس حبيب، الوجيز في الاقتصاد السياسي- منوشرات جامعة دمشق، كلية الحقوق ، 2006-2007، ص472.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) عبد المطلب عبد الحميد ، النظام الاقتصادي العالمي الجديد وآفاقه المستقبلية ، مجموعة النيل العربية ، القاهرة 2003، ص84.

[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref3) لمزيد من الإطلاع، راجع: هشام متولي- صندوق النقد الدولي وبلدان العالم الثالث- دار طلاس، 1993، ط1، ص33 وما بعدها.

[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref4) عز الدين صالحاني- صندوق النقد الدولي والمساهمة السعودية- بيروت- معهد الإنماء العربي- 1983، ص16.

[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref5) عز الدين صالحاني، مصدر سابق، ص14-15.

[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref6) انظر رمزي زكي- الليبرالية المتوحشة- القاهرة- دار المستقبل العربي- 1993- ص196.

[7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref7) د. سامي عفيفي حاتم، الخيرة الدولية في الخصخصة – دار العلم للطباعة – القاهرة 1994، ص76.

[8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref8) د. سمير أمين- خمسون عاماً على مؤسسات بريتون وودز- النهج عدد 37 سنة 11خريف 94 ص175 وما بعدها.

[9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref9) البنك الدولي- التقرير السنوي للبنك- عام 1995، ص4.

[10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref10) عبد اللطيف عبد الحميد- مرجع سابق.

[11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref11) معهد التخطيط القومي- المستجدات العالمية ( الجات وأوروبا الموحدة) وتأثيراتها على تدفقات رؤوس الأموال والعمالة والتجارة السلعية والخدمية ( دراسة حالة مصر) سلسلة قضايا التخطيط والتنمية رقم(99)القاهرة – 1996- ص7.

[12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref12) عبد اللطيف عبد الحميد- مرجع سابق، ص98.

[13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref13) د. محمد توفيق سماحه- سياسات التصنيع في سوريا- مؤسسة علا للصحافة والطباعة والنشر- دمشق- 1996، ص111.


- المؤتمر الوزاري: يتكون من جميع الأعضاء في المنظمة- طبقاً لمبدأ المساواة في التصويت وله سلطة اتخاذ القرارات في المنظمة مثل منح العضوية- تعيين المدير العام- إنشاء اللجان- .. وغيرها.
- المجلس العام: يحل محل المؤتمر الوزاري ويقوم بمهامه في الفترة ما بين دورات انعقاده.
ويتألف من ممثلي جميع الدول الأعضاء
- جهاز فض المنازعات: يقوم بالتصدي لكافة المنازعات التجارية- الدولية وتشكيل فرق التحكيم وتقرير العقوبات اللازمة.
- جهاز مراجعة السياسات التجارية: يقوم هذا الجهاز بإجراء تقويم عام وشامل للعلاقة بين السياسات والممارسات الخاصة بكل دولة من جهة، وبين النظام التجاري الدولي من جهة ثانية، للتعرف على الآثار الإيجابية والسلبية الناجمة عن سريان قواعد هذا النظام.
- المجالس المتخصصة: يمارس كل مجلس أو لجنة مهامه في المجال الذي يتبع له، ويقوم بالإشراف على الاتفاقية التي تكون ضمن اختصاصه ومهامه.
د- الاتفاقيات والتعاقدات:
لقد تطورت الاتفاقيات التي أبرمت في إطار منظمة التجارة العالمية منذ تأسيسها وحتى جولة الأورغواي 1994 ويكمن التمييز بين:
1- اتفاقيات التعريفات: وترمي هذه الاتفاقيات إلى تمكين الدول النامية من استخدام بعض الفرص والإمكانات لتشجيع تجارتها التنموية وإعطاؤها معاملة تفضيلية وتمكينها من الوصول إلى الأسواق القريبة.
2- اتفاقيات أحرى تم التوصل إليها في نهاية مفاوضات طوكيو 1973-1979:
وتدعى بالاتفاقيات الجمعية وهي اتفاقيات لا تلزم جميع الدول المنضمة إلى GATT آنذاك، وقد حولت جولة الأورغواي هذه الاتفاقات إلى اتفاقات متعددة الأطراف منها: اتفاق مكافحة الإغراق، اتفاق الدعم، اتفاقات القيود الفنية.
3- اتفاقية الألياف المتعددة وهي اتفاقية تنظم التجارة في المنسوجات والملابس.
4- اتفاقيات خاصة بأنظمة الاستثمار وهي بمجملها اتفاقات تهدف إلى إعطاء مطلق الحرية للاستثمارات والرساميل وحرية التحويل وإلغاء شرط المكون المحلي ...الخ.
هذا وقد أدرجت جولة الأورغواي تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية في مجموعة اتفاقات وذلك نظراً للدور الذي تقوم به أو تحتله في مجمل الاقتصادات العالمية وبشكل خاض اقتصاديات الدول المتقدمة.
هـ- المبادئ الرئيسية لمنظمة التجارة العالمية:
لا تقتصر المطالب من الدول الراغبة في العضوية على إزالة الحواجز وإنما تمتد للمطالبة بإزالة هذه الحواجز وفتح الأسواق والالتزام بالمبادئ الرئيسية للمنظمة، والتي مكن أن نوجزها بما يلي:
1- الالتزام بالتعريفة الجمركية كوسيلة وحيدة للحماية.
2- التعهد باستخدام التعريفة بطريقة غير تمييزية.
3- التعهد بالتخلي عن الحماية والالتزام بخيار التحرير التجاري على المدى الطويل.
4- الالتزام بتعميم المعاملة الممنوحة للدولة الأكثر رعاية.
5- الالتزام بمبدأ المعاملة القومية.
6- التعهد بتجنب سياسات الإغراق.
7- التعهد بتجنب دعم الصادرات.
8- إمكانية اللجوء إلى إجراءات وقائية.
9- المعاملة الأكثر تفضيلاً للدول النامية.
و- جولة الأورغواي واتفاقياتها:
في جولة الأورغواي تحولت الجات GATT إلى منظمة التجارة العالمية WTO والتي أصبحت هي المنظمة الدولية الأساس في تنفيذ جميع الاتفاقيات التي أبرمت في إطار الجات GATT سابقاً وتولي عملية فض المنازعات التجاري وتنظيم المفوضات الدولية بخصوص إحراز المزيد من التقدم في تحرير التجارة العالمية.
وأبرز الاتفاقيات التي تدخل في إطار مهام منظمة التجارة العالمية الجديد WTO هي:
1- الاتفاقية الخاصة بالتجارة في المنتجات الزراعية والمنسوجات والملابس.
2- الاتفاقيات الخاصة بالقيود الفنية على التجارة والدعم والإجراءات المضادة أو التعويضية والإجراءات الوقائية.
3- الاتفاقات الخاصة بالإجراءات الصحية المؤثرة في التجارة العالمية وقواعد المنشأ للمنتجات الداخلة في التجارة وإجراءات تراخيص الاستيراد وإجراءات التفتيش على البضائع قبل الشحن.
4- الاتفاقات حول تنفيذ بعض مواد الجات مثل المادة المتعلقة بالإغراق ومواجهته والاتفاق المتعلق بقواعد التقييم الجمركي.
5- الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات CATS.
6- الاتفاق حول القضايا المتعلق بالاستثمارات الأجنبية TRIMS .
7- الاتفاق حول القضايا المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية TRIPS.
8- مذكرات تفاهم حول قواعد فض المنازعات وإجراءاتها وحول متابعة منظمة التجارة العالمية السياسات التجارية للدول الأعضاء.
9- الاتفاقات الجمعية حول التجارة في الطائرات المدينة والمشتريات الحكومية ومنتجات الألبان واللحوم.
أهمية المنظمة وآثارها العامة:
نظراً لأهمية المنظمة، كونها تؤثر بشكل مباشر- من خلال الاتفاقيات العديدة التي تشرف على تنفيذها- على مجمل الحياة الاقتصادية في البلدان المنضمة لها. ولما تتمتع به من ثقل مسيطر في قضايا الاقتصاد العالمي عامة، والتجارة الدولية على وجه الخصوص، فإن جميع الدول ستتأثر بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة، وبالنسبة للدول النامية- ومنها العربية- فإنه يمكن تحديد هذا الأثر على نوعين من الدول:
الدول المنضمة:سوف تدخل تلك الدول كشريك كامل في اتفاقيات المنظمة وبالتالي فإن تأثرها من حيث الربح والخسارة يحدده مدى المزايا والإعفاءات التي كانت تحصل عليها سابقاً في إطار الاتفاقيات الثنائية من جهة ومن جهة أخرى مدى قدرة اقتصادها على التكيف مع ظروف وشروط الاتفاقيات الجديدة في إطار المنظمة.
البلدان غير المنضمة: إن أهم الآثار الناجمة في حالة البلدان غير المنضمة إلى المنظمة تكمن في الانعزال عن الجزء الأكبر والأهم من العالم واستحالة استمرار ذلك على المدى البعيد.
- تدني القدرة التنافسية لصادرات هذه الدول إلى الأسواق العالمية، بسبب بقاء الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام صادراتها وعدم الاستفادة من المزايا والإعفاءات المتبادلة الممنوحة للدول الأطراف في الاتفاقية.
- تعثر علاقاتها مع المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
- تعرضها لممارسة ضغوط اقتصادية وغير اقتصادية من قبل القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.
إن الآثار المترتبة- السابقة- لا تعني تجديد خيار الدولة التي لم تنضم بعد بالانضمام أو بعدمه، بل لابد لكل دولة من دراسة بنود وأحكام كل اتفاقية من الاتفاقيات بدقة وتفصيل، وإجراء مقارنة مع الأوضاع الاقتصادية المحلية لمعرفة مواطن القوة والضعف فيها ومن ثم إعادة تأهيل هذه الاقتصاديات لتتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية العالمية الجديدة، وبالتالي اتخاذ القرار المناسب.


- صنع القرارات داخل WTO:
يتم صياغة القرارات في منظمة التجارة العالمية عن طريق إجماع الآراء أو في حالة عدم الحصول على الإجمال فيتم اللجوء إلى التصويت على القرارات باعتباره العرف السائد وتمثل كل دولة بصوت واحد، كما يمكن لأي عضو تقديم اقتراح بتعديل أي فقرة من فقرات الاتفاقات المدفوعة إلى المؤتمر الوزاري، ثم يتم النظر فيه وعرضه على كافة الأعضاء للحصول على موافقتهم جميعاً إذا كان موضوع التعديل خاص بالقواعد العامة، وموافقة نحو ثلثي الأعضاء في الموضوعات الأخرى.
سلطة منظمة التجارة العالمية:
لقد أدخلت دورة الأورغواي تعيدلات كبيرة على طبيعة الاتفاقية العامة ترتب عليها إحداث تغير نوعي في اتخاذ القرارات وآلية تنفيذها، وثبت معاهدة إحداث المنظمة كل هذه التعديلات. وهكذا تحولت المنظمة من نادٍ دولي كانت الجات للتوافق على المصالح إلى شبه حكومة عالمية فوق حكومات الأعضاء فيها تتناول من خلال إدارتها وأجهزتها تنظيم التجارة العالمية، لقد تغير اتجاه الاتفاقية العامة(الجات) من العمل على تنشيط التجارة الدولية وتحريرها إلى عولمة الاقتصاد عبر منظمة التجارة العالمية بالتعاون مع الصندوق والبنك الدوليين. وهذا يمس سيادة الدول الصغيرة ويجعل قسماً مهماً من قراراتها السيادية موضوع تساؤل، في حين أن الدول الكبرى قد نقلت سيادتها الاقتصادية القومية إلى حصة في السيادة الاقتصادية العالمية تتناسب ووزنها في الاقتصاد العالمي.
بعد إحداث منظمة التجارة العالمية أصبحت المنظمة تتمتع بسلطات واسعة في اتخاذ القرارات، فلم يعد سهلاً على أي عضو استخدم حق الانتقام التجاري بقراره المنفرد، وإنما عليه أن يعود إلى المنظمة، فقوى اقتصادية عملاقة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يمتنعان عن اللجوء إلى الانتقام التجاري المنفرد ويتحاكمان أمام هيئة تسوية المنازعات.
فعندما اختلفت الولايات المتحدة مع أوروبا بشأن اللحوم المعالجة وراثياً أو عندما اختلفا حول تجارة الموز بتت هيئة تسوية المنازعات في الموضوعين.
وأصبحت مفاوضات تحرير التجارة العالمية تجري برعاية المنظمة كما أصبحت القرارات تتخذ بتوافق الآراء وليس بالأغلبية كما هو الحال في صندوق النقد والبنك الدوليين.
ومنذ أصبحت القرارات ملزمة للدول الأعضاء، بعد إيجاد هيئة تسوية المنازعات ومحاكم تقرير الغرامات مع إعطاء الدول حق اللجوء إلى الانتقام التجاري بغطاء من المنظمة، صار على جميع الدول الأعضاء تطبيق قواعد التجارة المعمول بها بتوافق الأعضاء حتى في حال تعارضها مع قوانينها الداخلية، وهكذا أصبحت منظمة التجارة العالمية دولة فوق قومية ذات سلطات قضائية وتنفيذية ويعد ميثاقها تشريعاً له الأولوية على التشريعات الوطنية.
وحتى يعد شرطاً ضرورياً لقبول الدولة عضواً في المنظمة أن تدخل التعديلات اللازمة على دستورها وقوانينها لتتوافق مع معاهدة إحداث المنظمة والاتفاقيات المعمول بها، إن دولة عملاقة مثل الصين تشكل وزناً غير قليل في الاقتصاد العالمي ويتوقع لها أن تحتل المكانة الأولى بين دول العالم اضطرت إلى إدخال تعديلات كثيرة في دستورها وقوانينها حتى قبلت في عضوية المنظمة.
هذا وتعد نتائج دورة مفاوضات الأورغواي مجموعة واحدة وكل دولة ترغب بالانضمام إلى عضوية منظمة التجارة العالمية يجب أن تتوافر بها كل الشروط المثبتة في كل الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف، فليس ممكناً عدم الانضمام إلى أي من الاتفاقيات ( ليس هناك شرك الانتقاء): فالدول الراغبة في الاستفادة من العناصر الأخرى في دورة الأورغواي( اتفاق تجارة البضائع مثلاً) يجب أن تنضم أيضاً إلى اتفاق تجارة الخدمات واتفاق حماية الملكية الفكرية وغيرها، إن حزمه اتفاقيات منظمة التجارة العالمية تشتمل أيضاً على آلية متكاملة لتسوية المنازعات والأحكام المؤسسية الواجبة التطبيق في كل الاتفاقيات.
إن الترتيب الشامل في تنظيم التجارة العالمية إضافة إلى فعاليات صندوق النقد والبنك الدوليين والتناسق الكامل بين ثالوث العولمة الاقتصادية تعكس بوضوح الاتجاه المتسارع ليس فقط نحو عولمة التجارة وإنما نحو عولمة الاقتصاد وتزايد الترابط بين كل أجزائه.
- بعض آثار منظمة التجارة العالمية على اقتصاديات الدول النامية:
هناك مجموعة من الآثار الإيجابية ومجموعة من الآثار السلبية تقع على الدول النامية، وليس أمام تلك الدول إلا أن تعظم الآثار الإيجابية وتحجم الآثار السلبية عند أدنى مستوى ممكن، وفيما يلي نذكر أهم تلك الآثار:
أ- الآثار الإيجابية: وتتلخص في الآثار التالية:
1- انعكاس أثر انتعاش اقتصاديات الدول الصناعية المتقدمة على الدول النامية من خلال زيادة حجم التبادل الدولي.
2- زيادة إمكانية نفاذ صادرات الدول النامية إلى أسواق الدول المتقدمة.
3- انتعاش بعض قطاعات الإنتاج في الدول النامية، مثل الزراعة والصناعة والخدمات.
4- زيادة الكفاءة الإنتاجية في الدول النامية، من خلال تصاعد المنافسة الدولية.
ولكل من المجالس المساعدة أن يعتمد هيئات مساعدة له عند الضرورة لمعالجة قضايا محددة.
كما يتضمن الهيكل التنظيمي للمنظمة لجاناً متخصصة للنظر في قضايا تخصصية: مثل لجنة التجارة والتنمية، لجنة القيود المفروضة لغرض توازن المدفوعات، لجنة الموازنة وتمويل الإدارة ولجنة التجارة والبيئة.
ب- الآثار السلبية: وتتلخص في الآثار التالية:
1-الإلغاء التدريجي للدعم المقدم للمنتجين الزراعيين في الدول المتقدمة الصناعية سيزيد من أسعار الواردات الغذائية، وله بالتالي آثار ضارة على ميزان المدفوعات وارتفاع معدلات التضخم.
2- صعوبة تصدي الدول النامية لمنافسة المنتجات المستوردة من الخارج التي تكون بتكلفة أقل وجودة أعلى وأفضل مما سيكون له آثار سلبية على الصناعات الوطنية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة.
3- تقلص المعاملة التفصيلية لمنتجات بعض الدول النامية مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية تدريجياً وهو ما يضعف تصريف هذه المنتجات في بيئة عالمية أكثر تنافسية.
4- قد يؤدي الانخفاض التدريجي في الرسوم الجمركية إلى عجزاً وازدياد عجز الموازنة العامة، أو زيادة الضرائب، مما قد يزيد تكاليف الإنتاج.
ورغم ذلك يمكن للدول النامية أن تعظم استفادتها من الجانب ومنظمة التجارة العالمية إذا أحسنت إدارة اقتصادياتها المحلية في ظل هذا النظام التجاري العالمي الجديد.
إن الدور المتعاظم للشركات متعددة الجنسيات لعب وسيلعب دوراً أساسياً في تحديد هياكل وبنى النظام الاقتصادي العالمي أو ما يمكن أن نسميه النظام الاقتصادي العالمي ورسم السياسات الدولية واتجاهات تطور الإنتاج الدولي وقوانينه وآليات عمله.


البحث الثالث: الشركات متعددة الجنسيات
الشركات متعددة الجنسيات هي تعبير ونتاج تنظيمي للقوانين الأساسية للتطور الرأسمالي في حقبته الراهنة، وقد استدعت هذه القوانين ضرورة تدويل الإنتاج الرأسمالي، أو بتعبير آخر جعل العمليات الأساسية( للإنتاج وإعادة الإنتاج) التلاؤم وتنظيم عمليات العمل (التسويق والتوزيع) تتم على صعيد عالمي.
آ- نشاط الشركات متعددة الجنسيات:
يتباين النشاط الذي تمارسه الشركات متعددة الجنسية، فهو يمتد من الأنشطة المتخصصة ببعض الصناعات الدولية مثل: استخراج المواد الأولية أو المعادن إلى تصنيع المنتجات، ومن بضاعة استهلاكية إلى منتجات تكنولوجية متقدمة في البرمجيات والحاسوبيات، كما أنها توسعت مؤخراً لتشمل عمليات تتعلق بالإقراض والتمويل والتأمين والصرافة..الخ.
وتختلف الشركات متعددة الجنسيات لا من ناحية نوع النشاط، وآليات وكيفية أداء الأنشطة فقط بل من ناحية المستوى التكنولوجي والبناء التنظيمي وبنية السوق الذي يستوعب منتجات تلك الأنشطة، إلا أن ذلك لا يحول دون وجود ميزات مشتركة بين جميع الشرطات متعددة الجنسيات، يمكن استخدامها لوصف هذه الظاهرة من جهة ولتمييز المشكلات التي يفرضها وجود ونشاط هذه الشركات من جهة ثانية.
ومهما يكن الأمر، فإن صور النشاط الدولي للشركات عابرة القومية ( وأشكال متنوعة كثيراً) يمكن تقسيمها في النقاط التالية:
1- التركيز في النشاط الاستثماري.
2- تأخذ شكل الكيانات الاقتصادية العملاقة، من حيث رأس المال وحجم الإنتاج والمعطيات والإيرادات ومعدلات النمو المرتفعة.
3- ازدياد درجة تنوع الأنشطة والتكامل الرأسي والأفقي.
4- السعي لإقامة تحالفات استراتيجية في إطار تحقيق المصلحة الاقتصادية المشتركة لأعضاء التحالف واكتسابها قوات تنافسية تسويقية في مثيلاتها من الشركات الأخرى غير الأعضاء وذلك في البحث والتطوير والإنتاج والتسويق.
5- توافر مجموعة من المزايا الاحتكارية( تكنولوجية حديثة ومهارات فنية وإدارية).
6- الانتماء غالباً لدول اقتصاد السوق المتقدمة صناعياً نظراً لوفرة رأس المال والإرث التاريخي.
وعلى ضوء التطور الذي شهده نشاط الشركات متعددة الجنسيات في أواخر القرن الماضي يمكن أن نضيف صورة أخرى من صور النشاط الذي تمارسه الشركات متعددة الجنسية في ظروف العولمة تتعلق بالخدمات المصرفية والمالية التي تتم إما من خلال البنوك التجاري الخاصة أو من خلال المشاركة في ملكية البنوك الناجمة والقوية ذات السمعة الدولية وإذا كانت صور نشاط الشركات متعددة الجنسية تنقسم كما أسلفنا إلى صور ترتبط بالملكية وصور لا ترتبط بالملكية، فإنّ المعنى الدارج تاريخياً يتناولها من حيث الأنشطة المرتبطة بملكية أصول ثابتة في الخارج، وعلى وجه التحديد بالاستثمار الأجنبي المباشر وهذا النمط يختلف عن شكل آخر من أشكال تصدير رأس المال يقوم على الإقراض أو استثمار في الأوراق المالية ( الاستثمار الأجنبي غير المباشر) وهذا يدفعنا إلى تناول الأشكال التي يتم بها تصدير رأس المال.
ب- تصدير رأس المال:
لقد تكثفت عملية انتقال وتحرك الاستثمارات والرساميل خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد بلغت ذروتها في ظروف العولمة التكنولوجية وما رافقها من ثورات مذهلة في أنظمة المعلومات والاتصالات وأجهزة الربط والتحكم وبروز ما يعرف بالنقد الالكتروني W.cosh الذي هو عبارة عن بيانات تجوب العالم بكبسة زر.
وإذا كانت العولمة التكنولوجية قد سهلت عملية انتقال وتحركات الرساميل، فإن سهولة ذلك قد ارتد عكسياً في إطار أو سياق ما يشكل أن يكوّن ظاهرة العولمة التي زادت من علاقات الترابط والاتصال بين أصحاب هذه الأموال وبين المقرضين زيادة مكثفة وشاملة.
وإذا كان الحديث عن العولمة يدفع الكثير من الكتاب للقطع: بأنها عملية أدت إلى زيادة أوجه الترابط والتشابك وعلاقات التأثر والتأثير المتبادل بين مختلف مناطق العالم وأقاليمه، فإن هذا القطع ينطبق أكثر ما ينطبق على عولمة الأسواق المالية التي تتم فيها عملة تبادل تصفية الديون والأصول النقدية والمالية خارج حدود الدولة الوطنية.[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)
وفي الحقيقة إن النظريات الاقتصادية ذات الصلة وحركة انتقال رؤوس الأموال لا تبدأ مع ظاهرة العولمة ولا حتى قبلها بقليل وإنما ترجع إلى بدايات القرن العشرين حيث تناولها علماء ومفكرون بارزون أمثال رودولف هلفردنيج الذي يعد أول من لفت الانتباه إلى مقولة رأس المال المالي وذلك في كتابه الشهير( رأس المال المالي، دراسة في أحدث مراحل التطور الرأسمالي) ثم جاءت( روزا لوكسمبورغ) لتناقش قضايا تصدير رأس المال في كتابها ( تراكم رأس المال المالي) ونيقولاي بوخارين في كتابه ( الاقتصاد العالمي والإمبريالية).ثم متاب لينين( الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) الذي اعتبر فيه أن اندماج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي هو أحد السمات الأساسية للإمبريالية وكانت عملية تصدير رأس المال تتخذ أحد الأشكال التالية:
- التصدير عن طريق البنوك والمؤسسات المالية التي اهتمت بإقراض الحكومات.
الاستثمارات الأجنبية المباشرة:
- القروض الحكومية.
وتشير البيانات إلى أن عملية تصدير الاستثمارات والرساميل قد تراجعت خلال فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين وذلك بسبب وجود القروض الاستثمارية الواسعة في الغرب، من جهة، وبسبب مجموعة من المعطيات التي جرت على صعيد الدول النامية من جهة أخرى وأهمها:[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)
- تصاعد موجة العداء التي انتشرت في كثير من الدول النامية تجاه الاستثمارات الأجنبية.
- اتجاه كثير من البلدان النامية إلى تأميم الاستثمارات الأجنبية مما حد من طموح هذه الاستثمارات في التوجه إلى الدول النامية.
- اتجاه بعض الدول النامية إلى إجراء تعبئة لفوائضها الاقتصادية بهدف زيادة معدلات الادخار المحلي وتقليل الحاجة قدر المستطاع للموارد الخارجية.
- لجوء الدول النامية بمعظمها إلى تطبيق سياسات تدخلية لا يقبل فيها رأس المال الأجنبي.
لقد حصلت مع مطلع السبعينات تبدلات جمّة على الصعيد الدولي أبرزها القرار الأمريكي الشهير المتمثل بإلغاء إبدال الذهب بالدولار، والذي يمثل بحد ذاته انهياراً لنظام بريتون وودز وعلى صعيد آخر في عام 1973، بدأت الدول النفطية برفع أسعار النفط مما أدى إلى تحقيق فوائض مالية ضخمة لدى هذه البلدان،هذا في الوقت الذي بدأت فيه الشركات متعددة الجنسيات TNCS بزيادة نشاطها الإنتاجي والتسويقي والتمويلي في مختلف مناطق العالم. أما على الصعيد الداخلي أي في البلدان الرأسمالية فقد دخلت الاقتصادات الرأسمالية الصناعية في أزمة هيكلة طويلة المدى عرفت بظاهرة الركود التضخمي Stagflation ( أي ارتفاع معدلات البطالة مع ارتفاع معدلات التضخم وقد ترافق ذلك مع ظهور مشكلة الفوائض النفطية وفوائض رؤوس الأموال داخل البلدان الرأسمالية إضافة إلى الفوائض المجتمعة من السوق الأوروبية للدولار، مما ولد اتجاهات جديدة للرأسمالي المالي بالتوجه إلى البلدان النامية، وقد لعبت البنوك التجارية دوراً كبيراً في إعادة تدوير هذه الفوائض وأصبح لها دور كبير في أنشطة الاقتصاد الدولي.
وكان لارتفاع معدلات الربح التي حققتها البنوك التجارية دور كبير في رفع الشركات متعددة الجنسية NTCS لاستثمار جزء من مواردها في قطاع الخدمات المصرفية والمالية.
باختصار شديد إن رأس المال المالي في حركته المتنامية في حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لعب دوراً كبيراً في توسيع دائرة أعمال الشركات متعدية الجنسيات لتشمل أعمال الإقراض.[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn3)
وهذا يعني أن الشركات متعددة الجنسية اتجهت للإقلاع عن صورة النشاط التقليدي المرتبط بامتلاك أصول ثابتة والمعروفة بالاستثمارات المباشرة.
ج- أسباب نشوء الشركات متعددة الجنسيات:
لا تزال الأسباب الكامنة وراء تحول الشركات القومية إلى النشاط الإنتاجي الدولي موضع نقاش وخلاف، فالنظرية الاقتصادية لم تشهد إجماعاً حول تشخيص الأسباب ففي الوقت الذي تذهب فيها التيارات الماركسية والقومية الاشتراكية إلى تفسير ذلك من خلال عوامل داخلية رأسمالية بنيوية تتعلق بقوانين وآليات عمل النظام الرأسمالي ومراحل تطوره وعناصر أزماته، تتجه تيارات أخرى ليبرالية ومرادفه لا تتفق معها في الاستراتيجيات لتجد تفسيرات وتبريرات أخرى تتعلق برغبتها في تطوير البنى الاقتصادية المتخلفة وتزويدها برؤوس الأموال والاستثمارات التي لا تستطيع أن تؤمنها من مواردها الذاتية ونقل التقانات والتكنولوجيا المتطورة اللازمة... الخ.
على أية حال، فقد اتجهت النظرية الاقتصادية الكلاسيكية إلى تفسير حركة رأس المال والاستثمارات المباشرة بالاعتماد أو بالقياس إلى حركة الأموال والتجارة الدولية ورأس المال المالي بصورة عامة وهذا ما قد أشرنا إليه باختصار شديد سابقاً.
إلا أن هذا القياس أو الخيار في التفسير واجهته تحديات كبرى تكمن في طبيعة النظرية ذاتها، إذ أن نظرية التجارة الدولية لا تقدم تفسيراً محدداً للاستثمار المباشر بل أنها قد افترضت بادئ ذي بدء عدم قابلية عوامل الإنتاج للانتقال من بلد لآخر كما افترضت أن الشركات تعمل في سوق تنافسي ينفصل فيه البائع عن المشتري وكل منهما كان يُنظر إليه على أنه وحدة صغيرة بين العديدين، ولا يستطيع وحده التأثير على حركة الأسعار، وكانت تنظر للاستثمار الأجنبي المباشر على أنه مَّثل انتقالاً لعوامل الإنتاج، وقد برزت تفسيرات كثيرة فيما بعد حاولت تفسير اسباب انتقال أو نشوء الشركات متعددة الجنسية وجميعها خلص إلى أن التباين والفوارق في الاصول والبيئات الاقتصادية يدفع الشركات متعددة الجنسيات للنشوء والتشكل وذلك للاستفادة من هذه الفروقات والقرض وبما يساعدها على التوسع والنمو إضافة إلى سعي هذه الشركات لفرض إعادة صياغة الظروف الاقتصادية والسياسية لنشاطها.
د- حجج ومبررات رفض وقبول الشركات متعددة الجنسيات:
تشكل عملية قبول أو رفض الشركات متعددة الجنسيات للعمل داخل الاقتصادات الوطنية موضع خلاف بين تيارات سياسية واقتصادية وثقافية مختلفة. ففي الوقت الذي يذهب فيه التيار المعادي إلى سوق عدد من مبررات الرفض المتمثلة:
بأن الشركات متعددة الجنسيات تستنزف الموارد المحلية وتقوم بعملية نقل وترحيل الفوائض الاقتصادية وتسعى للسيطرة والتحكم في مستقبل الوطن السياسي والاقتصادي وغير ذلك من الحجج، فإن مؤيدي الشركات والاستثمارات الأجنبية يتقدمون بجملة من المبررات أهمها: أن الشركات متعددة الجنسية تساعد البلدان المضيفة على الحصول على الموارد المالية الغير متاحة لدول الجنوب من خلال رأسمالها وتضمن تدفق عوائد من العملات الأجنبية كما أنها تساعد الدول المضيفة على:
- زيادة صادراتها وذلك من خلال المهارات التسويقية الكبيرة التي تتمتع بها الشركات هذا من جهة ومن خلال منتجاتها النوعية من جهة أخرى.
- تعمل على دعم الاسواق المحلية بالمنتجات المحلية بدلاً من استيرادها من الخارج.
- تسمح الشركات متعددة الجنسية لدول الجنوب بالاستفادة من برامج التطوير والأبحاث المتعددة التي تقوم بها هذه الشركات لتوفير التقنيات للدول.
- تساعد الشركات متعددة الجنسيات دول الجنوب على رفع وتحسين نوعية العمل لديها.
- تلعب الشركات متعددة الجنسيات دوراً بخلق وتوسيع فرص العمل في دول الجنوب.
هـ- كيف تعمل الشركات متعددة الجنسيات:
إن أحدى ميزات الشركات المتعددة الجنسية هي أن فروعها تعمل في ظل نظام وفي إطار استراتيجية ورقابة مجملة مشتركة، المركز الرئيسي هو عقلها ومركزها العصبي الذي يعد استراتيجية الشركة ويقر مكان إنشاء الاستثمارات الجديدة، ويخصص أسواق التصدير وبرامج البحث للفروع المختلفة ويحدد الأسعار التي ستطبق على المبادلات بين الفروع.
تشبه العلاقات القائمة بين المركز الرئيسي للشركة متعددة الجنسية وبين فروعها الوطنية العلاقات بين قيادة الجيش والقيادات الأدنى في أرض المعركة، فالسلطة تراتبية والأدنى ينفذ أوامر الأعلى. ولا تختلف الشركة المتعددة الجنسية من وجهة النظر هذه عن أي نمط آخر من الشركات ويكون الحكم عليها جميعها تبعاً لمجمل نتائجها. فهناك مدير عام للشركة متعددة الجنسية ويرتبط مديرو الفروع الوطنية بهؤلاء المديرين العامين، ويشارك المديرون الفرعيون بدراسة وإعداد الخطط وتقييم المخاطر ورسم الاستراتيجية.
و- تمويل الشركات متعددة الجنسية:
تنطوي عملية تمويل الشركات على مستوى تقني عال جداً وهناك مبادئ أساسية تتلخص بما يلي: ينتظر من فرع شركة ما في المكان الأول. إنه يقدم أرباحاً للشركة الأم وأنه يبني سياسته المالية بصورة أساسية على أهدافها نتيجة لذلك تصبح الفروع الرابحة مصدرة لرؤوس الأموال من البلد الذي أقيمت فيه ولا يحق لها أن تحتجز أي جزء من هذه الأموال إلا بإذن من المدير العام.
إن التمويل لا يقتصر على هذه العملية بل إن الشركات عادة وهو الاتجاه المسيطر الآن تتجه للإقراض من السوق المحلية ولعل هذا الاتجاه الذي يهدف إلى جعل كل فرع يقف على قدميه حيث يجري توطينه هو الاتجاه المسيطر على استراتيجيات وعمليات التخطيط في الشركات متعددة الجنسية.
ن- إدارة المخاطر السياسية:
لقد تعرضت ممتلكات الشركات متعددة الجنسية والاستثمارات الأجنبية للعديد من المخاطر كان أبرزها المخاطر السياسية والتي تتمثل بعمليات التأميم والمصادرة بدوافع وأسباب مختلفة، وكانت المصادر للممتلكات وعمليات التأميم غالباً ما تصدر إثر انقلابات سياسية ووصول حركات ثورية اجتماعية إلى رأس الهرم السياسي مما دفع الشركات متعددة الجنسية إلى إعادة النظرة في تقييم المخاطر وتبني أربع استراتيجيات جديدة لتجنب المخاطر السياسية يمكن أن نوجزها بما يلي:[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn4)
- إعادة التفكير بالطريقة الهندسية لتصميم المشاريع إذ انتقلت من البناء دفعة واحدة إلى البناء التتابعي.
- أوجدت ترتيبات للحصول على مواد للعمليات المحلية،وللتخلص من منتجات العمليات المحلية في مكان آخر من منظومة الشركة مما يوفر حماية ضد مقدرة البلد المضيف على تأميم عملية بأكملها.
- أنشأت بنى قروض تعمل كرادع مالي ضد أي خرق جوهري لاتفاقية الاستثمار.
- اختيار شركاء محليين يوفرون لها مظلة حماية تجاه أي حوادث طارئة.
تأثير الشركات متعددة الجنسيات على النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
تمارس الشركات المتعددة الجنسيات دورها وتأثيرها على النظام الاقتصادي العالمي الجديد من خلال آليات عملها التي تؤدي فيما تؤديه إلى التأثيرات التالية:
- تأكيد العالمية: أي عولمة الاقتصاد والدفع نحو توحيد أسواق السلع والخدمات وأسواق رأس المال والتكنولوجيا على مستوى العالم.
- التأثير على النظام النقدي الدولي : من خلال الأصول السائل( ذهب واحتياجات دولية أخرى) التي تملكها تلك الشركات والتي تبلغ حوالي ضعفي الاحتياطي الدولي منها.
- التأثير على التجارة العالمية: تستحوذ هذه الشركات على 40 % من حجم التجارة الدولي و 80 % من مبيعات العالم، وهذا يعكس مدى التأثير الذي تمارسه هذه الشركات في التجارة الدولية.
- التأثير على وجهات الاستثمار الدولي: من خلال دورها الذي تقوم به كحامل منتقل لرؤوس الأموال المستثمرة في مناطق العالم المختلفة.
- تكوّن أنماط جديدة من التخصص وتقسيم العمل الدولي، من خلال عالمية الأسواق، حيث أصبحت أجزاء السلعة الواحدة تنتج في أماكن متفرقة من العالم.
- التأثير على نقل التكنولوجيا: نظراً لما تتمتع به من إمكانات وموارد مادية وخبرات بشرية ضخمة تخصصها للبحث العلمي والتطوير الصناعي من أجل الوصول إلى اختراعات جديدة وتوزيعها عبر أنحاء العالم.
أخيراً واستناداً إلى الدراسات الاقتصادية العالمية فإنه من الثابت وجود مجموعة من المؤشرات الدالة على تعاظم دور الشركات المتعدية الجنسيات والعالمية النشاط أيضاً، في تشكيل وتكوين وأداء الاقتصاد العالمي الجديد أهمها:
1- يشير العدد الذي نشرته مجلة فورشن في تموز 1995 عن أكبر خمسمائة شركة متعدية الجنسيات في العالم أن إجمالي إيراداتها تصل إلى حوالي 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتستحوذ الشركات المتعدية الجنسيات في مجموعها على حوالي 40% من حجم التجارة الدولية.[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn5) ومعظم الاستثمار الأجنبي المباشر في أنحاء العالم ولذلك تلعب دوراً مؤثراً في التمويل الدولي.
2- إن حوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال الشركات متعدية الجنسيات وهو يوضح مركزها في التسويق الدولي[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn6)
وإن إنتاج أكبر 600شركة متعدية الجنسيات وحدها يتراوح ما بين 25% - 20% من القيمة المضافة المولدة من إنتاج السلع عالمياً.
3- كذلك تجاوزت الأصول السائلة من الذهب والاحتياطات النقدية الدولية المتوافرة لدى الشركات المتعدية الجنسيات حوالي ضعفي الاحتياطي الدولي منها.
ويدل هذا المؤشر على مقدار تحكم هذه الشركات في السياسة النقدية الدولية والاستقرار النقدي العالمي.
4- يضاف إلى ذلك الدور القائد الذي تلعبه الشركات متعدية الجنسيات في الثورة التكنولوجية، فهي مسؤولة عن نسبة كبيرة من الاكتشافات الالكترونية الذي يرجع معظمها لجهود البحث والتطوير التي قامت بها هذه الشركات.
ولعل من الواضح أن هذه المؤشرات وغيرها توضح تماماً الدور المتعاظم للشركات متعدية الجنسيات في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.





أسئلة نموذجية للتفكير والمساعدة على استيعاب محتويات هذا الفصل:

- ما هو الفرق بين الاقتصاد الدولي والنظام الدولي والنظام الاقتصادي العالمي ؟
- مر النظام الاقتصادي العالمي الجديد بعدة مراحل , وضح أهم سمات هذه المراحل !
- ما هي مكونات وخصائص النظام الاقتصادي العالمي الجديد ؟
- وضح مفهوم المؤسسات الاقتصادية الدولية ! وما هي أبرز المؤسسات !
- عرف صندوق النقد الدولي! وما هي الشروط التي يفرضها الصندوق على الدول المدينة من اجل إعادة ديونها في إطار برنامج التثبيت والتصحيح الهيكلي ؟
- نتيجة للتطورات الاقتصادية التي شهدها العالم, ظهرت الكثير من الملاحظات والتحفظات على عمل سياسات وأداء صندوق النقد الدولي,ما هي أهم هذه الملاحظات ؟
- عرف البنك الدولي ! وما هي أهم الملاحظات على سياساته وأدائه ؟
- يركز برنامج التكييف الهيكلي الذي يقدمه البنك الدولي على عدة قضايا , وضحها بالشرح ! وما هي العناصر التي يتكون منها هذا البرنامج ؟
- وضح مفهوم منظمة التجارة العالمية ! وما هي أهم أهدافها ؟ ومما يتكون هيكلها التنظيمي ؟
- وضح أهمية وآثار منظمة التجارة العالمية على اقتصاديات الدول النامية !
- عرف الشركات المتعددة الجنسيات ! وما هو تأثيرها على النظام الاقتصادي العالمي الجديد ؟
- كيف تعمل الشركات متعددة الجنسيات ؟ وما هي مبررات رفضها وقبولها داخل الاقتصادات الوطنية ؟


[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) د.رمزي زكي- العولمة المالية- دار المستقبل العربي- ص63.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) رمزي زكي- العولمة المالية- دار المستقبل العربي - ص20-24.

[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref3) لمزيد من التفصيل انظر رمزي زكي- العولمة المالية- دار المستقبل العربي – ص19-53.

[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref4) ثيبودور موران- الشركات المتعددة الجنسية- الاقتصاد السياسي للاستثمار الأجنبي المباشر- دار الفارس للنشر والتوزيع – عمان- ص30.

[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref5) د. اسماعيل جبري عبد اله، الكوكبة، المؤتمر العلمي السنوي التاسع عشر للاقتصاديين المصريين، الجمعية المصري للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، القاهرة، 1995، ص12-14.

[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref6) د. سميحة فوزي: النظام العالمي الجديد وانعكاساته الاقتصادية على الوطن العربي ، مجلة البحوث والدراسات العربية، عدد 22 ، معهد البحوث والدراسات العربية – القاهرة، 1994، ص45.
الفصل الخامس
التكتلات الاقتصادية الدولية ومكانتها في النظام العالمي الجديد


البحث الأول : نشأة التكتلات الاقتصادية وأهميتها عالمياً
لقد أصبح من المسلم به اليوم أن السمة الأبرز التي يتسم بها النشاط الاقتصادي في العالم المعاصر هو الاتجاه المتزايد نحو تكوّين التكتلات الاقتصادية العملاقة، فالتكتل الاقتصادي سواء الإقليمي منه أو العالمي أصبح واقعاً يفرض شروطه وآلياته على المسار الاقتصادي لدول العالم بأسره.
لقد أصبحت التكتلات الاقتصادية من أهم خصائص النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتعكس هذه التكتلات الاقتصادية درجة عالية من كثافة الاعتماد المتبادل، وتقسيم العمل الدولي، والاستثمارات والتجارة وأنواع التبادل الأخرى، في نفس الوقت الذي تعمل فيه الشركات متعدية الجنسيات على إيجاد نوع من الترابط بين هذه التكتلات.[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)
إن الخطاب الداعي لإقامة تكتلات اقتصادية دولية برز بشكل مكثف خلال تسعينات القرن العشرين رغم أن جذور أو فكرة تأسيس العديد من التكتلات هي أسبق من ذلك بكثير ويعود بعضها إلى فترة الخمسينات أو الستينات ولم تقتصر الدعوة إلى إقامة تكتلات على شكل معين من الدول أو على ألوان معينة من الأنظمة السياسية ولا حتى من أعراق أو مجتمعات محددة وإنما أصبحت دعوة أو رغبة عالمية، الأمر الذي سرّع من وتائر استكمال تكتلات قديمة أو استحدث تكتلات أخرى جديدة.
فقد تم استكمال الاتحاد الأوروبي الذي بدأ باتفاقية روما للحديد والصلب، ثم إحياء تكتلات قديمة كالسوق المشتركة لأمريكا CACM واتحاد أمم جنوب شرق آسيا ASEAN والسوق المشتركة لأمريكا الجنوبية MERCOSUR بين الأرجنتين والبرازيل والأورغواي والبروغواي. حالياً تمّ الإعلان عن قيام تكتل الاتحاد الأفريقي في أفريقيا. هذا فضلاً عن طرح أفكار لتكتلات جديدة والتفاوض لأجلها مثل الشراكة الأوروبية المتوسطية والسوق الشرق اوسطية والمنطقة العربية الكبرى للتجارة.
أهمية التكتلات الاقتصادية:
تعكس التكتلات الاقتصادية درجة عالية من كثافة الاعتماد المتبادل وتقسيم العمل الإقليمي في محاولات الاستثمار والتجارة وبهذا المعنى يمكن النظر للتكتلات على أنها عولمة جزئية تقوم في إطار العولمة الشاملة، وفي نفس الوقت هي جدار لمواجهة نمط العولمة السائد، أو هي فصل من نضال المقاومة ضد العولمة، أو وسيلة تتبعها الدول المختلفة بهدف المواءمة مع مشكلات التكامل الكوني الذي تدفع إليه العولمة.
تأتي أهمية التكتلات الاقتصادية كونها تشكل بكل صورها وأشكالها حوالي 75% من دول العالم و 80 % من سكانه وتسيطر على أكثر من 85 % من تجارته، وبالتالي تعكس مدى الآثار التي تحملها التكتلات الاقتصادية على الاقتصاد العالمي.
ظروف نشأة التكتلات الاقتصادية:
لقد كان لإنتهاء الحرب الباردة في النصف الثاني من الثمانينات وما رافقها من تحركات على الصعيد العالمي، تهدف إلى إعادة رسم خريطة العالم الاقتصادية والسياسية وصياغة نسق العلاقات الدولية في إطار ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أثر واضح على المستوى العالمي، وتختلف طبيعة هذا الأثر حسب ما إذا كانت الدولة نامية أم صناعية.
ومن أهم تلك المتغيرات التي أثرت في العالم أجمع ما شهده العالم يوم الخامس عشرة من نيسان سنة 1994 حيث تم التوقيع من طرف مائة وإحدى عشر دولة على اتفاقية مراكش لإنشاء منظمة التجارة العالمية إيذاناً لوضع معالم التنظيم الدولي للتجارة وتدويل الحياة الاقتصادية أو ما يسمى بالعولمة التي إلى جانب وجهها الاقتصادي لها أوجه أخرى سياسية وثقافية وحتى اجتماعية.[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)
وهذه العولمة حسب رؤية بعض الكتاب ليست إلا مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية تتميز بالانتقال التدريجي من الاقتصاد الدولي، الذي تتكون خلاياه القاعدية من اقتصادات متمحوره على الذات ومتنافسة إلى الاقتصاد العالمي القائم على أنظمة إنتاجية كونية.. وإدارة اقتصادية شديد للعلاقات الاقتصادية العالمية.[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn3)
إن العولمة إذاً تهدف إلى جعل الاقتصاد العالمي مترابطاً ومتشابكاً وذلك من خلال اندماج الأسواق العالمية في حقول التجارة والاستثمار المباشر وانتقال الأموال والقوى العاملة وللتكنولوجيا ضمن إطار من رأسمالية حدية الأسواق، وهذا ما يؤدي إلى خضوع العالم لقوى السوق العالمية وما يصاحبها من اختراق للحدود القومية وانحسار كبير في سيادة الدولة عائد إلى أن مقومات السيادة الاقتصادية أصبحت عالمية بدلاً من مقومات السيادة الاقتصادية الوطنية، وتختلف العولمة بهذا المفهوم عن مفهوم الاقتصاد الدولي ( العالمية) الذي يركز على العلاقات الاقتصادية بين الدول ذات السيادة، أي أن الدولة تشكل العنصر الأساسي في مفهوم العالمية في الاقتصاد الدولي في حين أن الشركات عابرة القوميات تشكل العنصر الأساسي في مفهوم العولمة.[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn4)
- تسارع الاتجاه نحو التكتل:
لا تعد ظاهرة التكتلات الاقتصادية ظاهرة حديثة، بل ترجع على الأقل إلى بداية القرن العشرين وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الجديد في الموضوع هو نتاجي وسرعة التوجه إلى إنشاء هذه التكتلات أو الدخول فيها خصوصاً من قبل الدول المتقدمة.
حيث يمكن القول أن تنامي هذه الظاهرة في العقد الأخير من القرن العشرين جعل منها سمة أساسية من سمات النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ويعتقد البعض أن جذور الظاهرة ترجع إلى التغيرات التي اعترت الوضع الاقتصادي العالمي في السبعينات التي تمثلت في انهيار نظام بريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة للعملات، والتحول إلى نظام أسعار الصرف العائمة وما صاحب ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات حادة في أسعار العملات الرئيسية وبلوغ أزمة المديونية الخارجية ذروتها في بداية الثمانينات، الأمر الذي أدى إلى ظهور موجه جديدة من السياسات الحمائية في الدول الصناعية. مما أثر سلباً في حرية التجارة والتدفقات السلعية خاصة بالنسبة لصادرات الدول النامية إلى الأسواق العالمية.
إضافة إلى كل ما سبق فإن انهيار الشيوعية وتزايد الدول المطبقة لنظام الاقتصاد الحر أديا هما الآخران إلى التفكير في تكوين تكتلات اقتصادية وبشكل أكبر وعلى نطاق أوسع، فظهرت في أمريكا اللاتينية تجمعات كالسوق الجنوبي( ميركوسور) والسوق الكاريبي( كاريكوم) وتجمع الأندين، وفي آسيا تجمع الآسيان لدول جنوب شرق آسيا، وفي أفريقيا السوق المشتركة لجنوب وشرق أفريقيا، وتجمع الجنوب الأفريقي للتعاون والتنمية، والجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn5) مع العلم بأن هذه التكتلات أنشئت في وقت سابق على الانهيار الشيوعي.
ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا التوجه الجديد نحو التكتلات الاقتصادية في صفوف الدول النامية بالذات، تكمن فيما شهدته السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات وأول السبعينيات من اتجاه واضح نحو مزيد من التكتل الاقتصادي بين مجموعات الدول المتقدمة بعد أن حل التحدي الاقتصادي محل التحدي الأمني والايديولوجي فتوصلت دول السوق الأوروبية المشتركة إلى معاهدة ماسترخيت في سنة 1991 التي تم بموجبها تحول السوق إلى اتحاد أوروبي، ثم ما لبثت الولايات المتحدة الأمريكية أن أعلنت في عام 1992 إنشاء منظمة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية NAFTA وفي نفس الاتجاه ونحو المزيد من التكتل الاقتصادي ظهرت تكتلات عملاقة كالتجمع الكبير الذي يضم معظم دول آسيا والباسيفيكي آيبك APEC.
وفي ظل هذه التوجهات وغيرها تحول ميدان الصراع بين القوى الكبرى في العالم، في وقتنا الحالي إلى ميدان اقتصادي أساساً وبرزت التكتلات الاقتصادية لتكون ظاهرة العصر، ومهما تباينت دوافع إنشائها فإن مجرد بروزها بهذا الشكل على صعيد العلاقات الاقتثصادية الدولية يؤكد قوة العوامل التي دفعت إلى وجودها.
ويمكن تلخيص أهم الملامح والمضامين التي ميزت هذه الظاهرة في:[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn6)
* من حيث طبيعتها فإنها تأتي تجسيداً للحصول على تحولات هيكلية جذرية في البناء الاقتصادي الدولي ما فيه إعادة توزيع الأدوار والمواقع النسبية للمشاركين فيه وبالتالي تأثيره في العلاقات الاقتصادية التي تنتج عنه.
* من حيث شموليتها فإنها تغطي أهم المشاركين في الاقتصاد الدولي، بل تتعدى ذلك لتشمل غيرهم في مختلف أنحاء العالم مما يجعلها ظاهرة دولية في أبعد حدودها.
* ومن حيث أبعادها فإنها ظاهرة اقتصادية في منطقها سياسية واستراتيجية في ترابط واتصال حلقاتها.
وبهذا يبدو العالم من خلال هذه التكتلات الجديدة، أكثر ديناميكية من أي وقت مضى في عصر يصعب فيه التميز بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، ويظهر الجدول التالي يبّين مدى اتساع انتشار ظاهرة التكتلات الاقتصادية الدولية في مختلف قارات ومناطق العالم.



عدد اتفاقات التكامل الإقليمي حسب المناطق
المنطقة
عدد الدول
دول منتمية إلى اتفاقية إقليمية واحدة على الأقل
معدل عدد الاتفاقيات لكل بلد
العدد الاقصى للاتفاقيات لكل بلد.
شرق آسيا والباسيفيكي
32
26
2
7
أوروبا وآسيا الوسطى
36
26
6
12
أمريكا اللاتينية والكاريبي
39
35
8
19
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
21
20
5
13
جنوب آسيا
8
8
4
9
افريقيا جنوب الصحراء
48
48
4
9
الشمال
25
11
11
29

المصدر: ناصر السعيدي- ندوة التكتل الاقتصادي العربي: التحديات والآفاق، التكامل الاقتصادي العربي، يقظة الحواجز المعيقة للازدهار- صندوق النقد العربي، ابوظبي 2005، ص58.
أهداف التكتلات ودوافعها:
لاشك أن لكل تكامل اقتصادي آثاراً إيجابياً على الدول المنضوية في إطاره وأن هذه الآثار يمكن أن تكون متفاوتة بحسب طبيعة كل تكتل من جهة وبحسب ظروف كل دولة داخل التكتل من جهة أخرى، وأن قيام أي تكتل يسعى إلى تحقيق أهداف معينة وينطوي على أهمية كبيرة.
كما أن التكامل ليست مجرد ظاهرة اقتصادية عرفها الاقتصاد الدولي بقدر ما هو توجه أصيل ودائم تسعى إليه دول العالم باختلاف مراحل تطورها وحجم مواردها وتباين دوافعها.
وتهدف التكتلات الاقتصادية إلى أهداف عديدة، ليست بالضرورة كلها اقتصادية، بل قد تكون سياسية واجتماعية وعسكرية، ويمكن أن نوجز أهم تلك الأهداف فيما يلي: [7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn7)
1- الحصول على مزايا الإنتاج الكبير: حيث أن اتساع حجم السوق يشجع على توجيه الاستثمارات توجيهاً اقتصادياً سليماً، وإعادة تكوين الحركة الحرة للسلع ورأس المال والعمل من دولة إلى أخرى من خلال إزالة العوائق التي تحول دون ذلك.
2- تيسير الاستفادة من مهارات الفنيين والأيدي العاملة بصورة أفضل على نطاق واسع: حيث من المفروض أن التكتل يؤدي إلى تقسيم العمل الفني والوظيفي.
3- تسهيل عملية التنمية الاقتصادية، حيث أن هذه العملية تصبح أسهل وأيسر بعد قيام التكتل، إذ أن الاستفادة من اتساع السوق ووفرة عنصر العمل تؤدي إلى خلق فرص جديدة تعمل على النهوض والإنتاج والاستثمار والدخل والتشغيل.
4- كما أن التكتل الاقتصادي يؤدي إلى تنويع الإنتاج بطريقة اقتصادية وهذا قد يحمي اقتصاديات الدول الأعضاء من بعض الانتكاسات والتقلبات والسياسات الأجنبية.
5- رفع مستوى رفاهية المواطنين، حيث يفترض أن التكامل الاقتصادي يمكن المستهلكين من الحصول على السلع الاستهلاكية بأقل الأسعار الممكنة نظراً إلى إزالة الرسوم الجمركية من ناحية وإلى تخفيض تكاليف الإنتاج الناتجة عن توسيع رقعة السوق من ناحية أخرى.
6- التقليل من الاعتماد على الخارج وهذا ما يؤدي إلى محدودية التأثر بالتقلبات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في المجتمعات خارج هذه المنطقة، خصوصاً إذا كان العمل التكاملي قد وصل إلى مرحلة متقدمة- اتحاد جمركي على الأقل، حيث يجلب التبادل الاقتصادي داخل المنطقة التكاملية محل الانفتاح على العالم الخارجي نتيجة وجود الحواجز الجمركية وغيرها من السياسات المالية والنقدية التي تحد من حرية الانفتاح على الخارج.
7- مساهمة التكامل الاقتصادي في إمكان تحسين شروط التجارة الخارجية لصالح الدول الأعضاء.
8- تقوية القدرة التفاوضية للدول أعضاء التكتل تجاه العالم الخارجي.
ويمكن القول أن أهداف التكتل ودوافعه تختلف بين الدول النامية والدول المتقدمة:
أ- الدول المتقدمة ( الصناعية):
تسعى الدول الصناعية في هذا الإطار إلى الاستفادة من فوائد الكفاءة الناجمة عن إزالة العوائق المفروضة على الأنشطة الاقتصادية القائمة[8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn8)مفترضة أن طرق الإنتاج لا تتغير وأن الهياكل الصناعية لهذه الدول مستقرة وبالتالي فإن إحداث تغير في هذه الهيكل نتيجة للدخول في التكتل يحمل آثاراً جيدة على الاقتصاد بشكل عام من خلال زيادة درجة التخصص والتوسع التجاري.
كما تسعى الدول الصناعية عند دخولها في إطار تكتل ما إلى الاستفادة القصوى من الآثار الستاتيكية والديناميكية لهذا التكتل على المستوى العام للرفاهية لهذه الدول وللعالم ككل حيث تتلخص الآثار الستاتيكية ( السكونية) بطرح الآثار المترتبة على تحويل التجارة والآثار المترتبة على انخفاض العائدات الجمركية من الآثار المترتبة على خلق التجارة.
أما الآثار الديناميكية فهي الأكثر أهمية بالنسبة للدول المتقدمة والتي تنتج عن الوفورات في الحجم وتحفيز المنافسة وزيادة مستويات الاستثمار.
ب- الدول النامية:
يمكن القول إن أهداف الدول النامية من التكتل والتكامل ليست أهدافاً ديناميكية بقدر ما هي هيكلية. وهذا يعود إلى طبيعة الهياكل الصناعية المتواضعة في هذه الدول مما جعلها تسعى للاستفادة من التكتل في تحقيق مكاسب تنموية.
هذا يعني أن الدول النامية لم تعد تنظر إلى فوائد التكتل من منظور تحسين الرفاهية عن طريق آثار خلق وتحويل التجارة وإنما أصبحت تنظر إليه من منطلق خلق التنمية كأثر مفيد وتحويل التنمية كأثر ضار.
وإذا ما تذكرنا أن أنظمة التكامل الاقتصادي والتكتلات الاقتصادية بكل صورها تشمل حوالي 75% من دول العالم وحوالي 80% من سكان العالم وتسيطر على حوالي 80% من التجارة العالمية، لأدركنا مدى الآثار التي تحملها تلك التكتلات الاقتصادية على الاقتصاد العالمي الجديد، وخاصة إذا علمنا أن اتفاقية منظمة التجارة العالمية تسمح بقيام التكتلات الاقتصادية الإقليمية، وبما أنها شملت العالم بقاراته المختلفة فإنه من المهم تقديم أهم الحالات العملية الموجودة في العالم، حيث نعرض لكل من الاتحاد الأوروبي من قارة أوروبا،وتكتل النافتا NAFTA في أمريكا الشمالية، والتكتل الخاص لآسيان ASEAN ، والآيبك APEC في قارة آسيا، نظراً لأنها الأكبر والأقوى تأثيراً على النظام الاقتصادي العالمي الجديد، أما التكتلات الأخرى في كل من أمريكا اللاتينية وأفريقيا فسنشير إليها باختصار نظراً لضعف تأثيرها على التحولات الاقتصادية العالمية.


البحث الثاني : التكتل الاقتصادي الأوروبي
يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم في الوقت الحاضر، وأكثرها اكتمالاً من حيث مراحل التطور والنضج، فقد تعدى هذا التكتل الاقتصادي مرحلة منطقة التجارة الحرة، والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، إلى أن وصل إلى مرحلة الاتحاد الاقتصادي وهذه مرحلة متقدمة من التكامل والتكتل الاقتصادي.
ولإعطاء فكرة أساسية حول هذا التكتل الاقتصادي فسنتناوله من حيث الحجم والإمكانيات، والنشأة ومراحل التطور وأهدافه وآلياته التنظيمية.
1- الحجم والإمكانيات:
وصل عدد دول الاتحاد الأوروبي مع حلول عام 2004 /25/ دولة حيث أكمل مرحلة التوسع الخامس الذي انضم بموجبه عشرة دول جديدة إلى عضوية الاتحاد وهي قبرص، جمهورية التشيك، استونيا، المجر، لاتفيا، ليتوانيا، مالطا، بولندا، سلوفاكيا، سلوفينيا.
حيث أصبح هذه التكتل في نظر العديد من الخبراء والمهتمين أكبر قوة اقتصادية وأقوى تكتل اقتصادي على مستوى العالم، بما يمثله من مساهمة في التجارة العالمية( الدولية) في حجم الناتج الإجمالي، وعدد السكان وحيث أن هذا التكتل الأوروبي يحقق سنوياً حجم تجارة خارجية يصل في المتوسط إلى حوالي 1150 مليار دولار، أي يستحوذ على أكثر من ثلث التجارة العالمية.
ومن ناحية أخرى يمتلك التكتل الاقتصادي الأوروبي أكبر دخل قومي في العالم حيث يزيد هذا الدخل على 7000 مليار دولار مقابل 6200مليار دولار لدى تكتل النافتا.
ويعتبر التكتل الاقتصادي الأوروبي أكبر سوق داخلي بمساحة إجمالية تصل إلى 3975000كم2 وعدد سكان يتجاوز 450 مليون نسمة بمتوسطات دخل فرد مرتفعة نسبياً، وتمثل قوة إنتاجية وعلمية وتكنولوجية ومالية واقتصادية هائلة، مما يجعله أنجح وأكبر وأول التكتلات الاقتصادية التي أكملت جميع مراحل التكتل الاقتصادي في العالم، ويسعى بكل قوة إلى أن يكون على رأس الهرم الاقتصادي العالمي في القرن الحالي.
2- النشأة ومراحل التطور:
أولى هذه المراحل كان في إعلان وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية جورج مارشال في عام 1947، عن ضرورة قيام دول أوربيا بالتعاون الاقتصادي فيما بينها. لإعادة بناء اقتصادياتها في مقابل تخصيص حجم كبير من المساعدات الأمريكية وهو ما يعرف" بمشروع مارشال لإعادة بناء أوروبة" وقد أسفر ذلك عن تكوين ما يسمى " بالمنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي" وانطلاقاً من وعي أوروبا من أن مصير العالم حينها بين يدي عملاقين جبارين يوجهانه حسب مصالحهما ولم تكن أية دولة أوروبية منفردة بقادرة على التأثير في الأحداث الدولية تأثيراً هاماُ أو الدفاع بصورة مجدية عن مصالحها إلا بقدر ما يتبنى أحد هذين العملاقين قضيتها ويدافع عنها.
تم تفعيل هذه الخطوة وتطويرها من خلال المشروع الذي قدمه وقتها روبرت شومان وزير خارجية فرنسا في عام 1950 والذي عرف بمشروع شومان والذي أدى في النهاية إلى تشكيل جمعية الفحم والصلب الأوروبية عام 1951 على يد كل من ألمانيا (الغربية) وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ[9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn9) ، ودخلت حيز التنفيذ في الثالث والعشرين من شهر تموز عام 1952 واتخذت مدينة لوكسمبورغ مقراً لها، وقد أصبحت فيما بعد حجر الأساس لقيام الاتحاد الأوروبي.
وفي اجتماع عقده مندوبو الدول الست آنفة الذكر في روما خلال شهر شباط 1953 تقدمت هولندا باقتراح يهدف إلى إقامة سوق أوروبية مشتركة إلا أن مناقشة هذا الاقتراح لم يؤد إلى نتيجة وفي شهر حزيران عام 1955 اجتمع وزراء خارجية هذه الدول الأوروبية الست في مدينة( مستين) وقرروا البدء في إنشاء منظمة اقتصادية أوروبية فيما بينهم، وتم تشكيل لجنة من الخبراء برئاسة السيد ( هنري سباك) لدراسة هذا الموضوع حيث قدمت تقريرها المشهور والمعروف بتقرير سباك وذلك عام 1956، وتم اجتماع وزراء خارجية هذه الدول في نفس العام في مدينة البندقية لإقراره بخطوطه العريضة وفي الخامس والعشرين من شهر آذار عام 1957 تم توقيع معاهدة روما التاريخية،والتي تم بموجبها إقرار معاهدتين جديدتين أولهما تأسيس المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية، وثانيهما تأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية والتي تعدت مجرد تحرير التجارة بين الأعضاء لتلزمهم بتحقيق المزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي خلال فترة زمنية محددة، واستشرقت الاتفاقية خلق سوق أوروبية مشتركة وتطبيق سياسات موحدة.[10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn10)
ومع حلول عام 1967 نجحت هذه الدول الست في دمج كل من جماعة الفحم والصلب، والجماعة الاقتصادية الأوروبية، وجماعة الطاقة الذرية، في منظمة واحدة هي الجماعة الأوروبية والتي أطلق عليها اسماً شائعاً هي" السوق الأوروبية المشتركة" واتفق على اكتمال مقوماتها في فترة تتراوح بين 12 و 15 عاماً وتلخصت أهداف تلك السوق في الآتي:[11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn11)
* إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات بين الدول الأعضاء.
* إلغاء القيود الكمية على الصادرات والواردات بين دول السوق.
*وضع تعريفه جمركية موحدة على الواردات من الدول غير الأعضاء.
* إلغاء العقبات وإزالة العوائق التي تحد من انتقال العمل ورأس المال.
* إتباع سياسة زراعية مشتركة.
* رسم سياسة مشتركة للنقل.
* تعميق وتحقيق المنافسة الحرة في السوق المشتركة.
* تنسيق السياسة النقدية ومعالجة الاختلال في موازين المدفوعات.
* تدعيم الاستثمار في دول السوق خاصة في المناطق المختلفة نسبياً داخل السوق.
*تحسين أحوال العمالة.
ويلاحظ أنه بعد عام واحد فقط من إنشاء السوق الأوروبية كانت الجماعة الأوروبية قد انجزت إتمام الاتحاد الجمركي بين الأعضاء، وتم بموجبه إزالة الحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء الست، وكذلك نجحت في إتباع سياسة زراعية مشتركة.
ومن الجدير بالذكر أن المملكة المتحدة قد اتخذت موقف المتخوف من التجمع الأوروبي الجيد خشية أن يفقدها انضمامها إليه جانباً من سيادتها المطلقة على سياساتها الاقتصادية، وركزت اهتمامها على إنشاء منطقة أوروبية للتجارة الحرة، ونتيجة لذلك خرجت إلى النور منطقة التجارة الحرة الأوروبية( EFTA) في عام 1959 بعضوية بريطانيا والنرويج والسويد والدانمراك والنمسا والبرتغال وأيسلندا وسويسرا، وانضمت فنلندا بصفة عضو منتسب، ولكن بمضي الوقت أدركت بريطانيا أن بقاءها خارج الجماعة الأوروبية يعرضه لمخاطر العزلة الاقتصادية، فتقدمت بطلب انضمام إلى معاهدة روما في عام 1961 ومعها كل من: الدانمرك وإيرلندا والنرويج في عام 1962. استمرت مفاوضات الانضمام إلى الجماعة لمدة عامين، إلى أن تم رفض طلبات الانضمام، مما أسفر عن تجميد هذه الطلبات إل عام 1973 حيث انتهت بانضمام كلا من بريطانيا وإيرلندا والدانمرك ورفض انضمام النرويج لعدم قبول انضمامها من خلال استفتاء شعبي. [12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn12)
ويعتبر هذا الانضمام أول مراحل التوسع في النظام الأوروبي. ومن المناسب تسمية ذلك بالمد الأوروبي الشمالي للمجموعة، حيث أنه بانضمام هذه الدول الثلاث انزلق مركز ثقل المجموعة نوعاً ما باتجاه الشمال، وبذلك تحولت المجموعة من مجموعة الدول الست إلى مجموعة الدول التسع ثم مع انضمام اليونان عام 1981 والبرتغال وإسبانيا عام 1986 أصبحت المجموعة الأثنتي عشرة دولة وبذلك عاد مركز ثقل المجموعة إلى الجنوب ليعطيها طابعاً متوسطياً واهتمامات أكبر بحوض البحر المتوسط. ولقد أدى توحيد ألمانيا في عام 1990إلى زيادة تعداد سكان الجماعة بمقدار 18 مليون نسمة. ولقد تم إنشاء بنك الاستثمار الأوروبي استكمالاً لمقومات السوق، والذي يهدف إلى تحقيق التوازن في التنمية الاقتصادية بين الدول الأعضاء، وكذلك صندوق التنمية لتشجيع الإنماء الاقتصادي داخل المقاطعات ومناطق النفوذ التابعة للدول الأعضاء، طبقاً لاتفاقية روما.[13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn13)
معاهدة ماسترخت واتساع العضوية:[14] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn14)
في عام 1986 تم الاتفاق على القانون الأوروبي الموحد الذي أصبح سارياً اعتباراً من أول يوليو عام 1987، والذي أدى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي ( السوق الأوروبية الموحدة) اعتباراً من أول كانون الثاني عام 1993،وقد اتفق على إعلان الاتحاد الأوروبي واستكماله طبقاًُ لمعاهدة ماسترخت في عام 1992، والتي أصبحت سارية المفعول في الأول من عام 1993 بعد الاستفتاء الشعبي عليها من بعض دول الاتحاد. وقد حددت اتفاقية ماسترخت ثلاثة مراحل لتحقيق الوحدة الأوروبية الكاملة وتتمثل في الآتي:
1- المرحلة الأولى( 1990-1994) : وتهدف إلى تحرير عمليات الدفع وحركة رؤوس الأموال بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى زيادة التعاون بين الهيئات العامة، ومزيداً من التطابق في السياسة الاقتصادية والتعاون بين البنوك المركزية والوطنية داخل المجموعة الأوروبية.
2- المرحلة الثانية(1995-1998): وتهدف إلى استكمال الإجراءات المتعلقة بالتصديق على اتفاقية السوق الأوروبية الموحدة، من قبل جميع الأعضاء والتخلي عن سد العجز في الموازنات الحكومية عن طريق التعديل، ويتم في هذه المرحلة تقييم أداء اقتصاديات الدول الأعضاء، والتأكد من استعدادها للدخول في المرحلة الثالثة بعد تحقيق بعض الشروط منها على سبيل المثال: ألا يزيد معدل التضخم عن 1.5 % من معدل التضخم في أكثر ثلاث دول تضخماً في الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى عدم زيادة سعر الفائدة للقروض طويلة الأجل عن 2% بالنسبة لمتوسط سعر الفائدة في أقل ثلاث دول في الاتحاد من حيث معدلات التضخم، وأن تتحرك أسعار الصرف بدون انحرافات عن الأهداف الموضوعة، وتطبيق سياسة للإصلاح المالي بحيث لا يزيد العجز في الموازنة العامة للدول عن3 % من الناتج المحلي الإجمالي وألا تزيد قيمة الدين العام عن 60 % من هذا الناتج.
3- المرحلة الثالثة(1999-2002): وكانت تهدف إلى إنشاء البنك المركزي الأوروبي والذي يقوم برسم السياسة النقدية للمجموعة الأوروبية وإصدار العملة الموحدة على أن يبدأ برأسمال قدره 4 مليارات ايكو حيث تبلغ حصة ألمانيا فيه 25%, وقد تحققت هذه المرحلة بالفعل بإصدار العملة الأوروبية الموحدة المتمثلة في اليورو في عام 2001 من خلال تخلي دول أوروبية أعضاء في الاتحاد الأوروبي عن عملائهم والعمل من خلال عملة اليورو التي أصبحت ثاني عملة في تسوية المعاملات الدولية بعد الدولار الأمريكي.[15] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn15) ويلاحظ أن التكتل الاقتصادي الأوروبي قد دخل باستكمال هذه المرحلة من مرحلة الاندماج الاقتصادي الكامل.
ومن ناحية أخرى يلاحظ أن التكتل الأوروبي من خلال دأبه على توسيع العضوية فيه وضم دولة جديدة تم انضمام ثلاثة دول من جماعة الآفتا وهي النمسا وفنلندا والسويد في عام 1995 وبهذا يتطور الاتحاد الأوروبي ليصبح تعداده خمسة عشر دولة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التكتل في تلك الفترة كان قادراً على تحيق حجم تجارة خارجية سنوياً حوالي 1150 مليار دولار بالمتوسط، أي يستحوذ على أكثر من ثلث التجارة العالمية، وهو حجم أكبر من الذي يحققه تكتل النافتا(NAFTA[16] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn16)) حيث يحقق تجمع النافتا 770 مليار دولار من التجارة العالمية.( بحسب إحصاءات عام 1992) ويمتلك التكتل أكبر دخل قومي في العالم 7000ميار دولار مقابل 6200مليار دولار لدى النافتا، ويعتبر أضخم سوق اقتصادي داخلية حيث بلغ 380مليون نسمة بمتوسطات دخل فردية مرتفعة نسبياً، وتمثل قوة إنتاجية وعلمية وتكنولوجية ومالية واقتصادية هائلة،[17] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn17) أما من حيث موقعه بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في فترة نهاية التسعينات فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي عام 1997 أكثر من(8500) مليار دولار مقابل أقل من (8000) مليار دولار للولايات المتحدة الأمريكية وأقل من (4500) مليار دولار لليابان ويشكل نصيب الاتحاد الأوروبي من التجارة الدولية حوالي (20%) مقابل (18%) للولايات المتحدة و(10.3% ) لليابان، كما يستورد الاتحاد الأوروبي ( 29.5) من مجمل وارداته من البلدان النامية بما في ذلك (9.4%) من بلدان حوض البحر المتوسط غير الأوروبية، أضف إلى ذلك أن الاستثمارات الأوروبية الخارجية بلغت (30) مليار دولار/ سنوياً في المدة بين (1984-1992).[18] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn18) ولكن مع حلول عام 2004 ما لبث الاتحاد الأوروبي أن يكمل مرحلة التوسيع الخامس والذي انضمت بموجبه عشرة دولة جديدة إلى عضوية الاتحاد الأوروبية وهي:
قبرص، جمهورية التشيك، استونيا، المجر، لاتفيا، ليتوانيا، مالطا، بولندا، سلوفاكيا، سلوفينيا.
وكانت قد بدأت أول مفاوضات للانضمام إلى عضوية الاتحاد عام 1998 وقد انتهت بالنسبة للأعضاء العشرة الجدد في قمة كوبنهاجن في ديسمبر 2002، وقد تم توقيع اتفاقية الانضمام في أثينا في أبريل 2003 وتم التصديق عليها ثم انضم الأعضاء الجدد إلى الاتحاد وفقاً لشروط تلك الاتفاقية في الأول من مايو 2004.
وتعتبر كلا من رومانيا وبلغاريا آخر الدول التي انضمت للاتحاد في عام 2007 والتي معها أصبح مجموع دول الاتحاد هو سبع وعشرون دولة.
- أهداف الاتحاد الاقتصادي الأوروبي وآلياته التنظيمية:
من خلال تتبع مراحل التطور المختلفة للتكتل الاقتصادي الأوروبي فإنه يمكن رصد الأهداف التالية لهذا التكتل الاقتصادي:
1- خلق سوق تجارية موحدة ذات قدرة انتاجية أكثر كفاءة وطاقة استيعابية ضخمة بدون حواجز حدودية، وإلغاء القيود التعريفية والقيود الكمية والتمييزية بين الدول الأعضاء في التكتل الاقتصادي.
2- تعميق الاقتصاد الحر القائم على آليات السوق وتفاعل قوى العرض والطلب واحترام مبدأ المنافسة وزيادة قدرة المنتجات على التواجد في الأسواق العالمية أو الدولية.
3- انتقال دول التكتل الاقتصادي الأوروبي من مرحلة التكامل والتنسيق إلى مرحلة الاندماج الفعلي بما يسهل من عملية الاستخدام الأمثل للطاقات والموارد، وما يعزز من دفع معدلات التقدم الاقتصادي والعلمي والتطور الاجتماعي والثقافي.
4- دخول القرن الحادي والعشرين بصورة تسمح للتكتل الأوروبي بأن يلعب دوراً أكثر فعالي في كافة المجالات الاقتصادية بل والسياسية.
5- تحقيق الوحدة النقدية الأوروبية والاستقرار النقدي في أوروبا وإقامة البنك المركزي الأوروبي وتحويل وحدة النقد من وحدة حسابية إلى وحدة نقد حقيقية من خلال تعزيز تنسيق السياسات النقدية للدول الأعضاء في التكتل.
6- العمل بصفة مستمرة صوب تقريب السياسات الاقتصادية والنقدية بين الدول الأوروبية الأعضاء في التكتل الاقتصادي.
7- العمل بشكل أكثر فعالية على خفض معدلات التضخم، وكذا زيادة معدلات النمو وخفض نسب البطالة بالإضافة إلى خفض معدلات الفائدة لإحداث الاستقرار الاقتصادي والرواج المطلوب في الدول الأعضاء في التكتل الاقتصادي الأوروبي.
- الآليات التنظيمية للاتحاد الأوروبي:
أنشأت دول الاتحاد الأوروبي منظومة متكاملة من الآليات التنظيمية من أجل تحقيق خطوات التكامل الاقتصادي وأهداف الاتحاد وهذه المنظومة تتكون من الهيئات التالية:[19] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn19)
1- مجلس الاتحاد الأوروبي:
يعتبر من أهم الأجهزة الإدارية في الاتحاد(على الرغم من تقليص صلاحياته لصالح البرلمان الأوروبي) ويقوم بتمثيل مصالح الدول الأعضاء على المستوى الأوروبي.
له صلاحيات واسعة ضمن المجالات المتعلقة بالسياسة الخارجية المشتركة والتعاون الأمني.
يتكون المجلس من وزراء حكومات الدول الأعضاء والذي يعقد اجتماعاته حسب الحاجة في كل من بروكسل ولوكسمبورغ. أكثر الوزراء اجتماعاً هم وزراء الزراعة( حوالي 14 مرة في السنة)، المالية والخارجية الذين يجتمعون مرة في الشهر تقريباً. ويتم التصويت في المجلس إما بالإجماع أو الغالبية المؤهلة وذلك حسب المجال الذي ينتمي إليه الموضوع المصوت عليه. وتمتلك كل دولة عضو في المجلس عدداً من الأصوات يتناسب مع عدد سكانها، كما يتم زيادة عدد الأصوات المخصص للدول الصغيرة لخلق نوع من التوازن مع الدول الكبيرة. يبلغ عدد الأصوات الكلي 321 صوتاً موزعة على 25 دولة حيث يتطلب لنجاح التصويت بالأغلبية لمؤهلة إلى 232 صوتاً أي بنسبة تعادل 72.27% من الأصوات. كما يتطلب أيضاً موافقة أغلبية الدول الأعضاء وأن يشكل سكان هذه الدول السابقة مجتمعة ما يعادل 62 % على الأقل من سكان الاتحاد. تتولى الدول الأعضاء الرئاسة بالتناوب لمدة ستة أشهر وفقاً لنظام محدد سلفاً.
2- المفوضية الأوروبية:
تهتم المفوضية الأوروبية والتي مقرها بروكسل بمصالح الاتحاد الأوروبية ككل، مما يفرض على المفوضين الالتزام بذلك بغض النظر عن جنسيتهم أو الدول التي سينتمون إليها.
إضافة إلى أنها تمتلك صلاحيات واسعة حيث يحق لها تقديم مقترحات القوانين والإشراف على تنفيذ القوانين المشتركة بوصفها المسؤولة عن حماية الاتفاقيات المبرمة، كما تقوم بوضع الميزانية العامة للاتحاد والإشراف على تنفيذها، بالإضافة لذلك تقوم المفوضية بتمثيل الاتحاد في المفاوضات الدولية، كما يحق لها توقيع الاتفاقيات مع دول خارج الاتحاد ولها صلاحيات واسعة في مسألة قبول أعضاء جد في الاتحاد. يتم التصويت في المفوضية على أساس الأغلبية حيث يحق لكل دولة عضو في الاتحاد بموجب معاهدة نيس تعيين مفوض واحد.
3- البرلمان الأوروبي:
يمتلك البرلمان الأوروبي بعض الصلاحيات التشريعية ويعتبر الجهاز الرقابي و الاستشاري في الاتحاد الأوروبي ويراقب عمل المفوضية الأوروبية ويوافق على أعضائها، ويشارك في وضع القوانين والمصادقة على الاتفاقيات الدولية وعلى انضمام أعضاء جدد، كما يملك صلاحيات واسعة فيما يتعلق بالميزانية المشتركة للاتحاد الأوروبي.
يقع مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ لكنه يعمل أيضاً في بروكسل ولوكسمبورغ بشكل يتناسب مع عدد سكانها، حيث يقوم مواطنوا كل دولة من الدول الأعضاء باختيار ممثليهم في البرلمان ابتداءً من العام 1979 عن طريق انتخابات مباشرة تتم كل خمسة سنوات.
إضافة إلى أنه يفرض عدد المقاعد المحدد لكل دولة وعلى النواب من الدول المختلفة التجمع ضمن تيارات حسب انتماءاتهم السياسية الحزبية، حيث يتم التصويت وفق مبدأ الأغلبية.
يضاف إلى ما سبق جهازين غير إداريين يتمثلان بـ:
- المجلس الأوروبي:
يستخدم هذا المصطلح لوصف الاجتماعات المنتظمة التي يعقدها رؤساء دول أو حكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويهدف هذا المجلس إلى توفير القوة الدافعة للاتحاد من أجل تطويره وتحديد خطوط إرشادية لسياساته العامة، لا يقوم المجلس بوضع أي تشريعات، ويعقد المجلس اجتماعاً مرتين كل عام على الأقل، ويحصر رئيس المفوضية الأوروبية هذه الاجتماعات بوصفه عضواً كاملاً، يترأس الاجتماع الدولة العضو التي تترأس مجلس الاتحاد الأوروبي بحسب نظام تداول محدد مسبقاً.
- محكمة العدل الأوروبية:
معروفة رسمياً باسم( محكمة العدل للمجتمع الأوروبي)، أي محكمة الاتحاد الأوروبي تتكون المحكمة من عدة قضاة مساوي لعدد الدول الأعضاء. وفي الوقت الحالي، يوجد فيها خمسة وعشرون قاضي يساعدهم ثمانية محامين عامين، ويتم تعيينهم لفترة ست سنوات بالاتفاق ي الدول الأعضاء.
محكمة العدل الأوروبية لها وظيفتين رئيسيتين:
- التأكد من أن صكوك المؤسسات الأوروبية والحكومات توافق مع اتفاقيات الاتحاد الأوروبي.
- لإصدار أحكام، بطلب من المحاكم الوطنية،بخصوص تفسير المواد القانوني في قانون المجتمع الأوروبي أو التحقق من شرعيتها.
يساعد هذه المحكمة محكمة أخرى هي محكمة البداية للمجتمع الأوروبي، والتي تم تأسيسها عام 1989.




البحث الثالث :التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية ( النافتا)
يسمى التكتل الاقتصادي لدول أمريكا الشمالية النافتا وهي الحروف الأولى لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية(North American Free Trade Agreement) و " النافتا" هي منطقة التبادل الحر فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية وكناد والمكسيك أو اتفاق التجارة الحرة لمنطقة أمريكا الشمالية: (N.A.F.T.A) وقد تأسست عام 1994.
وبالتالي فإن هذا التكتل الاقتصادي يختلف عن التكتل الاقتصادي الأوروبي كونه يتوقف عند مرحلة إقامة منطقة تجارة حرة دون أن يتعداها إلى إقامة اتحاد جمركي أو سوق مشتركة، ويضم هذا التكتل كلاً من الولايات المتحدة وكندا ولمكسيك، وهي دول متباينة اقتصادياً واجتماعياً، وهو مفتوح لباقي الدول الأمريكية بما في ذلك بعض دول أمريكا اللاتينية التي قد تنضم إليه مستقبلاً.
ويعتبر هذا التكتل من أكبر الأسواق العالمية حيث يتسع لـ 360 مليون نسمة، وحجم ناتجها القومي لإجمالي يصل إلى 7 تريليونات دولار.
إن النافتا تكتل اقتصادي جديد يظهر مع التحولات العميقة التي يشهدها عالمنا في ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أو ظاهرة العولمة، ويعني هذا الاتفاق الرغبة الطموحه من جانب الأمريكيين لخلق كيان تجاري إقليمي يتيح لهم المزيد من التوسع في الأسواق التصديرية ويوفر لهم أيضاً قدراً كبيراً من حركة الاستثمار.
ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تشكل خطاً متواصلاً على المحيط الهادي، تنظر إليه الولايات المتحدة الأمريكية باهتمام خاص ليس كونه يشكل المنفذ الآخر للولايات المتحدة في حالة الانعزال عن أوروبا فحسب بل أيضاً من حيث أنه يشكل قاعدة انتقال لطرق جيدة للتجارة العالمية لا يمر بغرب أوروبا إنما يمتد عبر الشمل مروراً ببحار روسيا ووصولاً إلى اليابان والصين، ومن هذا المنطلق يمكن القول:
إن ترتيب العلاقات على شواطئ المحيط الهادي وإن لم يكن مجزياً كثيراً للولايات المتحدة في المدى المنظور لكنه جزء ثابت من مشروع كبير منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية.



النشأة:
بدأ سريان اتفاقية النافتا في أول كانون الثاني 1994 بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، لتشمل ضمن ما تشمله إلغاء الرسوم الجمركية بين هذه الدول لنمو 900 سلعة خلال 15 عام، وزيادة التبادل عبر الحدود وتسهيل الاستثمارات الأمريكية والكندي في المكسيك.
لقد أدت اتفاقية النافتا إلى توسيع اتفاقية التجارة الحرة التي كانت قد أبرمت عام 1989 بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وفي آذار 1990 أعلنت إدارة بوش أن حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك بدأتا محادثات يمكن أن يؤدي إلى اتفاق تجاري حر مماثل للاتفاق الذي تم توقيعه في كندا، وفي حزيران 1991 قامت حكومات الدول الثلاث بالتفاوض حول اتفاق تجارة حرة خاصة بأمريكا الشمالية وقد تم إقرار هذا الاتفاق والتوقيع عليه كانون الأول 1992 وصدق عليه الكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني 1993، بعد خلافات داخلية بسبب التباين الاقتصادي والاجتماعي بين الدول الأعضاء.[20] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn20)
وتجد الإشارة إلى أن الاتجاه لضم لمكسيك إلى التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية ابتداءاً من بداية عام 1994 جاء بسب ما حققته اتفاقية التجارة الحرة من مكاسب لكل من الولايات المتحدة وكندا، ويضاف إلى هذا السبب سبب آخر هو السعي إلى زيادة الاستشارات الأمريكية والكندية في المكسيك، إلى جانب سعي الولايات المتحدة الأمريكية الذي دخل مرحلة الوحدة الاقتصادية في بداية عام 1993، من هنا لزم القول أن استراتيجية التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية هي استراتيجية دفاعية هجومية.
- مزايا الاتفاقية بالنسبة لكل دولة فهي على النحو التالي:[21] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn21)
بالنسبة للمكسيك:
تشير الكثير من الآراء إلى أن المكسيك قد تكون المستفيد الأكبر من هذه الاتفاقية حيث أن التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية يدعم عملية الإصلاح الاقتصادي في المكسيك، ويعزز من ثقة المستثمرين الأجانب في مستقبل البلاد وتطورها الاقتصادي، وبالتالي يمكن أن تجني المزايا التالية:
1- زيادة الاستثمارات والتكنولوجيا التي تحتاجها، وفي نفس الوقت تصدير الأيدي العاملة المتوافرة لديها.
2- إن تدفق الاستثمارات الأمريكية في مجال البترول المكسيكي وغيره من المجالات سيزيد معدلات النمو ويعمل على امتصاص البطالة المكسيكية .
3- التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية يعمل على تدعيم الإصلاحات الاقتصادية في المكسيك وخاصة في سياسات السوق وفي قطاعات معينة مثل السيارات والمنسوجات والملابس والاتصالات والنقل البري وغيرها.
4- الحد من الهجرة المكسيكية غير القانونية لأراضي الولايات المتحدة نتيجة لزيادة معدلات النمو الاقتصادي في المكسيك.
5- زيادة إنتاجية العامل المكسيكي نظراً لتقدم التكنولوجيا الأمريكية.
مما يؤدي إلى ارتفاع متوسط الأجور المكسيكية وبالتالي إمكانية إصلاح أوضاع العاملين في المكسيك بما يتلاءم مع القوانين الأمريكية.
- بالنسبة للويلات المتحدة الأمريكية:
1- فتح الأبواب أمام صادرات الولايات المتحدة إلى المكسيك وكندا حيث يعتبر السوق الكندية من أكبر الأسواق للصادرات الأمريكية.
2- تعتبر الأراضي الكندية الشاسعة مجالاً للاستثمار الأمريكي يمكن حجزه مستقبلاً في معركة المنافسة مع الاتحاد الأوروبي أو التكتلات الأخرى.
3- زيادة تصدير رؤوس الأموال الأمريكية حيث من المقرر أن تبلغ التدفقات السنوية من الاستثمارات الأمريكية حوالي 2.5 مليار دولار أمريكي سنوي.
4- زيادة معدلات التوظيف وزيادة متوسط الأجور في الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لارتفاع الأجور في القطاعات التصديرية بالمقارنة مع القطاعات التي تنتج سلعاً للسوق المحلية.
5- اكتساب المزيد من القدرات التنافسية للمنتوجات الأمريكية المصنعة في المكسيك وخاصة من السيارات حيث تملك المكسيك سوق سيارات يشهد أعلى معدلات نمو في العالم ونظراً للاستفادة من انخفاض متوسط الأجور بالمكسيك بالمقارنة مع الولايات المتحدة وارتفاع إنتاجية العامل المكسيكي التي تنمو بمعدل 6% سنوياً لتصبح حوالي ضعف معدل نمو الإنتاجية للعامل في الولايات المتحدة، مما يكسب الصادرات الأمريكية المصنعة في المكسيك ميزة تنافسية في مواجهة صادرات التكتلات الاقتصادية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي أو الآسيوي.
- بالنسبة لكندا: من المتوقع في ظل تشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات المتحدة وكندا أن يحقق التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية( النافتا) عدداً من المكاسب لكندا مثلما تتحقق للولايات المتحدة.
حيث يؤدي هذا التكتل الاقتصادي إلى فتح أسواق جديدة أمام الشركات الكندية، وانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات بحرية بين دول التكتل، ويسمح ذلك أيضاً بالاستفادة من الأيدي العاملة المتوافرة في المكسيك، كما تستطيع شركات النفط الكندية المشاركة مع الشركات المكسيكية في عمليات التنقيب والإنتاج.
أهدف الاتفاقية:
تتحدد أهداف الاتفاقية في إزالة عوائق التجارة وإشاعة المنافسة الحرة وزيادة فرص الاستثمار وتوفير حماية مناسبة للملكية الفكرية وإتباع أساليب فعالة لتنفيذ الاتفاقية وحل المنازعات وتعزيز التعاون الثلاثي والإقليمي، والمتعدد الأطراف وتسعى لتقليص الأعباء الإدارية على المصدرين والمستوردين والمنتجين الذين يقومون بالتبادل داخل الإقليم وبالتالي يمكن القول أن تكتل النافتا يسعى إلى تحقيق الأهداف التالية:
1- زيادة معدلات نمو الناتج الإجمالي للدول الأعضاء.
2- إلغاء الحواجز وتحرير التجارة وزيادة الاستثمارات.
3- زيادة الاستثمارات الأمريكية والكندية في المكسيك لزيادة فرص العمل أمام اليد العاملة المكسيكية.
4- معالجة مشكلة البطالة في الدول الأطراف.
5- تحقيق تكامل اقتصادي بين دول الاتفاقية قائم على المزايا النسبية والتنافسية لكل دولة.
6- زيادة قدرة كل دولة من دول الاتفاقية في تعاملها مع الدول والتكتلات الأخرى.
7- محاولة تعزيز موقف الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها لقيادة الاقتصاد العالمي وتنشيط التجارة العالمية ومحاربة انتشار الكساد الاقتصادي ومواجهة سياسات الحماية التجارية في أوروبا وآسيا وبالتحديد اليابان.
- مما سبق ذكره نجد أن أهم الدروس المستفادة من هذا التكتل الاقتصادي أنه أبرز أمام دول العالم الأخرى، إمكانية إقامة تكتل اقتصادي في شكل منطقة تجارة حرة شاملة، حتى لو كان هناك اختلاف وتفاوت اقتصادي واجتماعي بين الدول الداخلة في التكتل، والأهم من ذلك أنه سيعود بالمنافع والمكسب لكل أطراف التكتل.

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) د. حازم الببلاوي: أزمة الخليج بعد أن يهدأ الغبار، دار الشروق، القاهرة، 1990، ص51.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) عبد القادر العفوري، العولمة وأبحاث.. التحديات والفرص، مكتبة مدبولي، 200، ص13.

[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref3) حميد الجميلي، مستقبل الأمن الاقتصادي العربي في ضوء تحولات القرن العشرين، مجلة شؤون عربية- العدد 100- 1999 – ص201.

[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref4) د.منير الحمش، النظام الإقلبمي العربي والتحديات الاقتصادية، مجلة المستقبل العربي، العدد 252، شباط 2005، ص45.

[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref5) أسامة المجذوب، الجات ومصر والبلدان العربية.. من هافانا إلى مراكش الطبعة الثانية_- القاهرة- الدار المصرية اللبنانية – 1997، ص21.

[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref6) مجداب بدر محي الدين حسين، المتغيرات الاقتصادية الدولية وانعكاساتها على اقتصادات منطقة الشرق الأوسط- طرابلس – أكاديمية الدراسات العاليا 1998، ص156-157.

[7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref7) عبد المطلب عبد الحميد- التحديات المستقبلية للتكتل الاقتصادي العربي- عربية للطباعة والنشر- الطبعة الأولى- القاهرة2003، ص 52-53-54

[8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref8) أسامة المجذوب- العولمة والإقليمية- الدار المصري اللبنانية – القاهرة 2001، ص54.

[9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref9) لقد شكلت كل من بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ فيما بعد في عام 1953 ما يسمى اتحاد البنولكس.

[10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref10) أسامه، المجدوب ،العولمة والإقليمية، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2001، ص57-58.

[11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref11) عبد الحميد، عبد المطلب، مرجع سابق، ص123.

[12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref12) عمر، حسين، التكامل الاقتصادية أنشودة العالم المعاصر: النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998، ص153.

[13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref13) عمر، حسين، مرجع سابق، ص149-151.

[14] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref14) عبد الحميد، عبد المطلب، مرجع سابق، ص124-125.

[15] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref15) ثلاثة عشر دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد تتعامل باليورو وهي: بلجيكا، ألمانيا، اليونان، إسبانيا، فرنسا، إبرلندا، إيطاليا، لوكسمبورغ، هولاند، البرتغال، سلوفينيا، النمسا، فنلندا.


[16] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref16) يختلف تكتل النافتا عن التكتل الأوروبي، حيث أن هذا التكتل يقف عند مرحلة إقامة منطقة تجارة حرة دون أن يتعداها إلى إقامة اتحاد جمركي أو سوق مشتركة.

[17] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref17) المجدوب، أسامه، مرجع سابق، ص60-61.

[18] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref18) حبيب، مطانيوس، الاقتصاد السوري ومتطلبات الشراكة السورية الأوروبية- جمعية العلوم الاقتصادية السورية، 1998.

[19] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref19) محمد محمود، الإمام ، تجارب التكامل العالمية ومغزاها للتكامل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004، ص162-163

[20] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref20) Charle omanm Globalization and regionalization the cnamenge of Developing coontri, OECD. Frame. 1994. p.69.

[21] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref21) النظام الاقتصادي العالمي الجديد وآفاقه المستقبلية.د.عبد المطلب، عبد الحميد، مجموعة النيل العربي ص132-133.
البحث الرابع:التكتل الاقتصادي الآسيوي ( الآسيان- الآيبك)
- التكتل الاقتصادي الآسيوي:
1-التأسيس والأعضاء:
إن الشراكة بين أمم جنوب شرق آسيا أو ما يعرف اختصاراً ASEAN
(Association of Southeast Asian Nations) تأسست في 8 آب عام 1967 في بانكوك انطلاقاً من المصالح المشتركة لخمس دول هي: اندونيسيا، ماليزيا، فيليبين، سنغافورة، وتايلاند. انضمت إليها بروناي في 8 كانون الثاني عام 1984، فيتنام في 28 تموز 1995، لاوس وميانمار فيلا 23 تموز 1997 وأخيراً انضمت كمبوديا إلى هذه الشراكة في 30نيسان 1999 ليبلغ عدد سكان الدول المنتمية إلى الآسيان حوالي 500 مليون نسمة.
2- الأهداف:
أكدت دول الآسيان في مؤتمر التأسيس في بانكوك على أن جميع القواعد العسكرية الأجنبية وجودها مؤقت ولن تستخدم للاعتداء على مصالح أي دولة من دول جنوب شرق آسيا وأن الهدف الرئيسي من هذه الشراكة يتمثل في:
أ- الإسراع في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لدول المنطقة من خلال روح التعاون والمساواة بين أبناء هذه الدول.
ب- العمل على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة من خلال تطبيق المبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة.
ج- رفع مستوى التعاون في الأنشطة التي تهم جميع الأطراف سواء كانت اقتصادية، سياسية، اجتماعية، وثقافية.
د- الاهتمام بمراكز البحث العلمي المشتركة والتي تعمل على رفع مستوى منطقة جنوب شرق آسيا.
هـ- العمل على تطوير علاقات التعاون مع الهيئات الدولية.
وقد أكد السكرتير العام للآسيان سنة 1995 أن السلام والتنمية يجب أن يكونا الهدف الرئيسي لهذه الشراكة بين أمم جنوب شرق آسيا.


3- المبادئ الرئيسية:
وقع في المؤتمر الأول للآسيان، الذي عقد في 24شباط 1976، معاهدة الصداقة والتعاون بين دول الشراكة تقوم على عدة مبادئ رئيسية تتمثل في:
أ- الاحترام المتبادل لاستقلالية دول المنطقة وصيانة هويتها القومية.
ب- حق كل دولة بقيادة شعبها بحرية دون أن تتعرض لأي تدخل في شؤونها الداخلية.
ج- تسوية النزاعات والاختلافات بين دول الآسيان بالطرق السليمة.
د- رفض أي تهديد باستعمال القوة.
هـ- تفعيل التعاون بين هذه الدول على جميع الأصعدة.
4- التعاون السياسي:
عملت الآسيان منذ إنشائها على تحقيق الأمن والاستقرار لدول المنطقة من خلال تفعيل روح التعاون والمساواة والاحترام المتبادل للاستقلالية في اتخاذ القرار، ومن أهم المؤتمرات التي اتخذت منحنى سياسي كان:
- مؤتمر التأسيس في بانكوك عام 1976.
- منطقة السلام إعلان الحرية والحياد في مؤتمر كوالا لامبور عام 1971.
- معاهدة دول جنوب شرق آسيا لنزع السلاح النووي بانكوك عام 1997.
في عام 1992 أجمع رؤساء حكومات دول الآسيان على ضرورة تكثيف التعاون السياسي مع بقية دول العالم، وبعد عامين أي عام 1994 أعلن عن إنشاء منتدى آسيان الإقليمي الذي يهدف إلى بناء الثقة بين دول المنطقة وبين باقي دول العالم، ويتميز هذا المنتدى بمشاركة دولية فعالة.
5- التعاون الاقتصادي:
عندما أنشئت الآسيان كان التبادل التجاري بين أعضائها لا يذكر، لذلك كان على الدول الأعضاء وضع خطة عمل لتفعيل التعاون الاقتصادي فيما بينها وبالفعل أعلن عن الصياغة الأولية للاتفاقية التجارية عام 1977 وبعد 10 أعوام أجمع الأعضاء على القبول بصيغة معدلة . وفي عام 1992 أنشئت منطقة التجارة الحرة لدول جنوب شرق آسيا بمخطط زمني لإلغاء جميع القيود الجمركية وغير الجمركية بعد 15 عام، وخفضت إلى 10 أعوام في مؤتمر بانكوك الخامس عام 1995 كما تبنت الدول الأعضاء الخطوات اللازمة للوصول إلى التكامل الاقتصادي.
وبالفعل استطاعت هذه الدول أن تحوّل الاتفاقيات التجارية إلى واقع ملموس فبعد 3 سنوات فقط من إنشاء منطقة التجارة الحرة ارتفع معدل التبادل بين دول الآسيان إلى 25% من مجمل التبادل التجاري ليصل إلى 90 مليار دولار في عام 1996.
إضافة إلى ذلك فقد شمل التعاون مجالات عديدة: الاستثمار، الصناعة، النقل، الاتصالات، الزراعة، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المشتركة، المصارف والسياحة.
6- العلاقات الخارجية:
اهتمت الآسيان منذ إنشائها بالعلاقات الدولية بين أعضائها وباقي دول العالم وخاصة مع دول الجوار، ففي عام 1997 وقعت مع كل من الصين، اليابان وكوريا اتفاقية التعاون لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وفعّلت هذه الاتفاقية في نوفمبر من عام 1999 حيث وضع الإطار العملي لمجالات التعاون بين هذه الدول. كما أن المؤتمر لوزراء الآسيان عادة ما يضم وزراء من دول مختلفة مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الاتحاد الأوروبي ، كندا، واستراليا، طبعاً إضافة إلى الصين، اليابان، وكوريا الذين يولون الآسيان اهتماماً خاصاً.وللآسيان علاقة قوية مع عدة منظمات إقليمية مثل: منظمة التعاون الاقتصادي، مجلس التعاون لخليجي، مجموعة الريو ومنتدى جنوب الباسيفيك، علماً أن معظم الدول الأعضاء في الآسيان أيضاً مشاركة وبشكل فعّال في اللقاء الآسيوي- الأوروبي ومنتدى شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. والواقع أن أغلبية دول آسيا هم شركاء فاعلون في الآبك إلا أنهم أعطوا اهتمامهم الكبير لتنمية الإنسانية والاجتماعية بينما آبك اقتصر اهتمامه بالعامل الاقتصادي فقط.
رؤية للآسيان لعام 2020:
مع اكتمال عضوية الرابطة حدثت نقطة التحول الثابتة بإقرار قمة 1997 غير الرسمية لوثيقة رؤية لعام 2020، تتضمن تطلع الرابطة لأن تكون منطقة سلام وحرية وحياد، تزول منها الموارد البشرية والطبيعية الغنية في التنمية والرفاهية التي تتحقق للجميع، وكمنبر تسوده الديمقراطية، وإن تتحول إلى ( مشاركة في التنمية الديناميكية) تنطوي على تكامل أوثق داخل الإقليم، وتحقق اندماج امتن وتكامل اقتصادي يضيق الفجوة بين مستويات التنمية للدول الأعضاء، مع التأكيد على بقاء نظام التبادل التجاري عادلاً ومنفتحاً، وبلوغ تنافسية عالمية، كما تعهدت بالعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي بالتشاور الوثيق حول السياسات الاقتصادية الكلية والمالية، وعلى تعزيز التعاون والتكامل الاقتصاديين وذلك بإتباع ( الاستراتيجيات) الآتية: استكمال إقامة منطقة التجارة الحرة وتسريع تحديد تجارة الخدمات، إقامة منطقة الآسيان للاستثمار بحلول 2010 وتحديد تدفق رأس المال بحلول 2020، تكثيف وتوسيع نطاق التعاون، تجميع وتوسيع الروابط الاقليمية الخارجية ،تعزيز نظم التجارة متعددة الأطراف، تعزيز دور قطاع الأعمال كمحرك للتنمية.
كما أوصت بتشجيع قيام قطاع منشآت صغيرة ومتوسطة يساهم في التنمية الصناعية وكفاءة الإقليم، وتسريع حرية الانتقال للخدمات المهنية، وتشجيع تحرير القطاع المالي وتوثيق التعاون بين أسواق النقد ورأس المال، وشؤون الضرائب والتأمين والجمارك، والتشاور حول المعلومات بإنشاء شبكة معلومات اقليمية ومراكز تمييز لنشر وإتاحة البيانات والمعلومات وإقامة ترابط في مجال الطاقة ويرافق الكهرباء والغاز الطبيعي والمياه وكفاءة وحفظ الطاقة وتنمية مصادر جديدة ومتجددة للطاقة ورفع درجة الأمن الغذائي والتنافسية العالمية في الغذاء ومنتجات الزراعة والغابات لتصبح الآسيان منتجاً رئيسياً فيها وتطوير قطاع الغابات ليصبح نموذجاً في إدارتها، والمحافظة عليها والتنمية المتواصلة، والنهوض بالبنية الأساسية وشبكة النقل وتنسيق تكنولوجيا الاتصالات والطرق السريعة للمعلومات، وتنسيق نظم المواصفات لتسهيل التبادل التجاري مع مراعاة متطلبات الصحة والأمان والبيئة ومعالجة الفقر والتباينات الاقتصادية الاجتماعية والتنموية، والنهوض بالإجراءات الجمركية، والنهوض بالاستثمارات في القطاع المعدني والتعاون مع الشركاء في تكنولوجياته.
منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي – الباسيفيكي " آيبك APEC"
يمثل إقليم آسيا والباسيفيكي مجموعة من الدول، بعضها يقع في قارة آسيا دون أن يشمل القارة بأكملها، والبعض الآخر يمثل دولاً وجزراً تقع في الباسيفيكي على اتساعه، ويقوم هذا التجمع على مجموعة من المتناقضات، حيث تنتمي بعض دول الإقليم إلى فئة الدول المتقدمة مثل ( استراليا، اليابان، أمريكا) والبعض الآخر إلى الدول النامية، كما يضم الإقليم أصغر الجزء في العالم، وأكبر دول العالم في نفس الوقت مثل الصين وأمريكا، وكما أن بعض الدول هي قمة الرأسمالية والليبرالية، والواقع أن الإقليم كان المساحة الرئيسة للصراع الإيديولوجي الذي ساد في مرحلة الحرب الباردة، ما دفع عدداً من الدول النامية في الإقليم إلى التمسك بعلاقات قوية مع العالم الرأسمالي لتأمين حماية نظمها الليبرالية مما أنتج نموذج النمور الآسيوية، تلك الدول التي فضلت الاندماج في الاقتصاد العالمي بإيصال عملية لتنمية فيها إلى تكامل إقليمي متين، والاكتفاء بالتعاون من أجل الأمن والسلام والاستقرار حيث يساهم تفضيل دول الإقليم للتعاون الإقليمي في ظل الاندماج العالمي في إنشاء نوع من الترتيبات الإقليمية يطلق عليها الإقليمية المنفتحة .
منتدى آيبك:
يضم منتدى آسيا والباسيفيكي في عضويته من التجمعات الإقليمية كلا من منطقة التجار الحرة لأمريكا الشمالية ( نافتا)، ومنطقة الآسيان للتجارة الحرة( آفتا).
وتستحوذ اقتصاديات دول هذا التجمع القائمة على التجارة على أكبر تجمع للادخار، وأكثر التكنولوجيات تقدماً وأسرع الأسواق نمواً في العالم، ورغم أن التجمع يضم (18) عضواً فقط، إلا أنه يحتل حوالي 54% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 50% من التجارة في السلع و (37%) من التجارة في الخدمات عالمياً.[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn1)
النشأة ومراحل تطوره:
تم إنشاء منتدى آيبك أو ( محفل) آيبك عام 1989 لتنمية التكامل الاقتصادي في منطقة الباسيفيكي وضمان استدامة النمو الاقتصادي في دولها، وقد ضم التجمع في بدايته (12) من اقتصاديات آسيا والباسيفيكي قط، ثم انضمت كل من الصين وتايوان في 1991، أعقبتها المكسيك وبابوا غينيا الجديدة في عام 1993 ثم شيلي في عام 1994. كما انضم إليه في بداية عام 1998 كل من روسيا وفيتنام وبيرو، وتقرر بعد ذلك تجميد لعضوية لمدة(10) سنوات يمكن النظر بعدها في ترشيحات جديدة بعد أن بلغ عدد أعضاء النادي (21) عضواً. وتقوم فكرة التجمع على أساس إتاحة المجال للأعضاء لمناقشة نطاق متسع من القضايا والموضوعات ذات الأهمية الاقتصادية الإقليمية على أساس عقد اجتماع وزاري سنوي لوزراء الخارجية والاقتصاد للدول الأعضاء. ولقد تطور منتدى آيبك من مجرد مجموعة للحوار غير الرسمي، إلى مؤسسة ذات صفة رسمية، حيث اتسع نطاقها لتصبح اليوم أداة إقليمية رئيسية لتعزيز التجارة والاستثمار، وتضم كل الاقتصاديات الكبرى في المنطقة، وأكثر الاقتصاديات ديناميكية وأسرعها نمواً في العالم.
أهدف المنتدى:
يهدف إلى إقامة أكبر منظمة للتجارة الحرة في العالم بحلول عام 2020، يفوق عدد سكانه 2 بليون نسمة( 38%) من سكان الأرض ويضم اقتصاديات تشكل في مجموعها أكثر من نصف حجم الناتج الكلي من العالم وحوالي 56% من المبادلات التجارية العالمية، وقد تبنت الدول الأعضاء في اجتماعها المعقود في أوساكا تسعة أهداف ومبادئ كأساس لتحرير التجارة والاستثمارات، وهذه الأهداف هي:
- خفض الرسوم الجمركية بشكل مضطرد وضمان شفافية النظام التجارية.
- العمل بشكل مضطرد على تقليص الحواجز الجمركية.
- الحد من القيود على تجارة الخدمات كالاتصالات والمواصلات والسياحة.
- تحرير أنظمة الاستثمار.
- توحيد المعايير الاقتصادية لدول المنتدى مع المعايير الدولية.
- ضمان توفير حماية الملكية الفكرية.
- العمل على شفافية القوانين والسياسات المتعلقة بالحماية وتعزيز المناخ التنافسي في منطقة الآيبك.
- تحرير سياسات المشتريات الحكومية وإزالة أوجه الخلل في التجارة والاستثمار الناجمة عن اللوائح المحلية وضمان الالتزام بقواعد المنشأ المتفق عليها دولياً.
تجدر الإشارة هنا أن متوسط التعريفات الجمركية في دول المنتدى انخفض بشكل كبير في السنوات الأخيرة ويصل هذا المعدل إلى أقل من 15% دولة منها 12 دولة أقل من 10% و 7 دول تحت 5%.[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn2)
يعكس إنشاء هذا المنتدى رغبة كل من الولايات المتحدة واليابان في استيعاب دول النمور الآسيوية المتصاعدة في جنوب شرق آسيا، واحتوائها في منتدى اقتصادي واحد، أولاً ومن ثم إلى تجمع اقتصادي قد يحقق مكاسب مشتركة يضمن لليابان قيادة تكتل اقتصادي في جنوب شرق آسيا، ولأمريكا السيطرة عليها، وللاثنتين معاً في مواجهة الاتحاد الأوروبي ثانياً، وقد قننت أهداف هذا التكتل بضرورة تحرير التجارة والاستثمار وتنقل رؤوس الأموال والتعاون المشترك في مجال التكنولوجيا بين دول المجموعة.


أهم الصعوبات التي تواجه منتدى (آيبك):
من المتوقع أن تمثل المفاوضات لتحرير التجارة في الخدمات أصعب التحديات التي تواجه( آيبك) في عامي 2010 و 2020 حيث وضع المنتدى جدولاً زمنياً لتحرير التجارة بحلول عام 2010 للدول المتقدمة من أعضائه، وفي عام 2020 للدول النامية منها ووفقاً لإجراءات وترتيبات تتوافق مع أحكام منظمة التجارة العالمية وفقاً لمقررات إعلان بوجور عام 1994. وتوقع هذه التحديات نظراً لوجود توتر ليس بخفي بين الشقيقين المتقدم والنامي في التجمع، والمتوقع أيضاً وجود خلاف في القضايا الحساسة مثل قدرة الدول النامية على المنافسة وخاصة في مجالي الاتصالات والخدمات المالية.


البحث الخامس: صور التكتلات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا
شهدت قارتي أمريكا اللاتينية وأفريقيا عدداً من صور التجمعات أو التكتلات الاقتصادية الإقليمية، ذات الأوزان الضعيفة الأثر على الاقتصاد العالمي الجديد، لأنها كانت تتشكل من دول نامية لا تمثل وزناً كبيراً في التجارة الدولية، ولا في درجة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أهم تلك الصور من التكتلات أو التجمعات الاقتصادية على النحو التالي:[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn3)
صور التكتلات في أمريكا اللاتينية:
- السوق المشتركة لأمريكا اللاتينية:
وتتكون من كوستاريكا والسلفادور، جواتيمالا وهنداروس ونيكاراجوا، وكانت تهدف إلى إقامة منطقة تجارة حرة، ثم اتحاد جمركي، مع محاولة الوصول إلى وحدة مع رابطة أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة LAFTA لتكوين سوق مشتركة في أمريكا اللاتينية في عام 1985، غير أن كل هذه الأهداف توقفت فقط عند مرحلة إقامة منطقة التجارة الحرة.
- رابطة أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة لافتا ( LAFTA):
وتتكون من الأرجنتين، بوليفيا، البرازيل، شيلي، كولومبيا، الإكوادور، المكسيك، بارجواي، بيرو، أوروجواي، وفنزويلا، وكانت تهدف إلى قيام منطقة تجارة حرة ومحاولة الوصول إلى وحدة مع السوق المشتركة لأمريكا الوسطى، ولكن هذه الأهداف لم تتحقق..
- مجموعة الأندين ANDEAN:
وتتكون من بوليفيا، كولومبيا، الإكوادور، بيرو وفنزويلا وكانت تهدف إلى تمويل المشروعات الصناعية، والإسراع بالتكامل الاقتصادي الإقليمي فيما بينها للوصول إلى اتحاد جمركي وفي عام 1968 تم إنشاء هيئة تنمية الأندين، وفي عام 1969 اتفق على تكوين السوق المشتركة للدول ميثاق كارتيجنا التي أنشأت ما يعرف باسم مجموعة الأندين غير أن فنزويلا لم تنضم إلى هذه السوق.
- منطقة الكاريبي للتجارة الحرة:
وتتكون من انتيجوا، بارباروس، جيانا، ترينداد، توياجو، جاميكا، جزر وارد، جزر وندوارد، وتهدف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة.
وتجدر الإشارة إلى أن تلك التجارب لم تحقق أهدافها المخططة والتي تركزت أساساً في تحرير التجارة للوصول إلى سوق مشتركة، ولم يتحقق أي نجاح في تعميق فرص التعاون والتكامل بين الدول حيث أن كثيراًُ منها قرر الانسحاب من تلك الاتفاقيات، وعلى الرغم من ذلك فقد أظهرت مجموعة الأندين بعض النجاح والانجازات التي تؤكد إمكانية إيجاد مدخل إقليمي للتكتل الاقتصادي أكثر ملائمة لظروف الدول النامية.
صور التكتلات في أفريقيا
لقد شهدت أفريقيا على غرار باقي قارات العالم- نشاطاً تكاملياً إقليمياً واسع النطاق، فلا يكاد يخلو مكان فيها من الدخول في محاولات تكاملية وفيما يلي نستعرض بعضاً من تلك التجارب التكاملية:
أ- التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا:
أنشئ هذا التجمع في 28/مايو/1975، ويضم ثماني عشرة دولة هي : بنين، بوركينافاسو، الرأس الأخضر، ساحل العاج، جامبيا، غانا، غينيا، وغينيات بيساو، النيجر ، ليبريا، مالي، موريتانية، نيجيريا ، السنغال، سيراليون، توجو، بالإضافة إلى دولتين عُلقت عضويتهما، وقد سعى هذا التجمع إلى تحقيق مجموعة أهداف تلخصت في: تحقيق حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع والخدمات بين الدول الأعضاء، والتنسيق بين الدول في مجال السياسات الزراعية والمشروعات ذات العائد المشترك وفي مجال البحوث الزراعية والمائية والنقل والمواصلات والطاقة، ولكن لم يتحقق من هذه الأهداف إلا القليل
ب- الاتحاد الاقتصادي لدول وسط أفريقيا:
وقد أنشى هذا الاتحاد في عام 1983 ودخل حيز التنفيذ في أوائل 1985 وضم كلا من بوروندي، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو، غينيات الاستوائية، الجابون، ساوتومي، برنسيت، زائير،وقد كان هذا الاتحاد يهدف إل حرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفراد، وتطبيق ضرائب إقليمية موحدة وتنسيق التعريفات الجمركية ونظم الضرائب والنهوض بالسياسات الصناعي والنقل، مع العلم أن هذا الاتحاد جاء على أنقاض الاتحاد الجمركي والاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه سنة 1964 بين الدول الخمس( جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو، الكامرون، الجابون) والذي فشل بعد عامين من إنشائه نتيجة أزمات بينية.

ج- منظمة الإيجاد:
وهي معروفة باسم الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر، وقد أنشئت سنة 1986 ثم تحولت إلى الهيئة الحكومية للتنمية فقد منذ عام 1995، وتضم كلاً من: جيبوتي، أريتريا،أثيوبيا، غينيا، الصومال، السودان، تنزانيا، وراوندا، يوروندي، ويوجد مقرها الرسمي في جيبوتي، وتهدف إلى تنمية اقتصاديات الدول الأعضاء بشكل عام.[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn4)
د- التكامل الاقتصادي بين دول المغرب العربي:
بدأ الاهتمام بموضوع التكامل الاقتصادي في المغرب العربي منذ الستينات من القرن المنصرم، إلا أن طموح تلك الشعوب في تكوين اتحاد اقتصادي خاص بها لم يتجسد إلا في السابع عشر من فبراير 1989 في مدينة مراكش، وتمثل أهداف الاتحاد ي توثيق العلاقات في كافة المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وقد عرفت السنوات الأخيرة التي عقبت تأسيس الاتحاد تطوراً هاماً في مجالات العلاقات الاقتصادية إلا أن الاتحاد المغاربي ومنذ فترة واجه عدة مشاكل منها ما هو اقتصادي كتفاقم أزمة المديونية ومشكلة البطالة التي بلغت في الجزائر 28% وفي المرغب 21% وقرابة 16% في تونس،هذا بالإضافة إلى الخلافات السياسة خصوصاً على القضية الجوهرية في المنطقة المتمثلة في مشكلة الصحراء الغربية.
هـ- السوق المشترك للشرق والجنوب الأفريقي( الكوميسا):
يضم هذا التجمع 20دولة تقع في شمال وشرق وجنوب القارة الأفريقية، وهو ثاني أكبر تجمع من حيث الكثافة السكانية على مستوى القارة وقد بدأت الإرهاصات الأولية لتكوّن هذا الاتحاد منذ 1996 إلا أنه لم يشهد تكوين مؤسسات تكاملية إلا منذ إنشاء منظمة التجارة التفضيلية في عام 1981 حيث تم إنشاء ثلاث مؤسسات لتنفيذ التكامل وتسهيل حركة التجارة بين الدول.
يمكن أن نستخلص من هذا العرض المختصر لأهم التجارب في العالم الثالث التي قد يطلق عليها البعض التكتلات الاقتصادية غير الناجحة أنها ظاهرة ليست بالحديثة نسبياً، فقد عرفت بدايتها منذ الحرب العالمية الثانية وبلغت ذروتها في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، وأهم ما ميزها أنها طالت مختلف قارات العالم، لم تميز بين الرأسمالي منه ولا الاشتراكي ولا بين المتقدم منه من النامي أي أنها توجه عام وجذري، إلا أنه ولأسباب عديدة لم تنجح معظم هذه التكتلات رغم وجاهة دوافعها. فمثلاً: في أفريقيا باءت التجربة التكاملية بالفشل، وخيبت الآمال نظراً لأسباب كثير أهمها غياب الآليات السليمة والفعالة والسياسات الرشيدة، والإدارة الدافعة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والهيكلة الاقتصادية الضعيفة التي تميز معظم تلك الدول إلا أن الفشل بأي حال من الأحوال لا يمكن أن يقضي على محاولات تكاملية جديدة، أو تصحيح بعض المحاولات القديمة باعتبار أن العيب ليس في فكرة التكامل نفسها وإنما العيب في الطرق والآليات التي اتبعت في والوصول إليها، وهذا ما سعت إليه تجارب تكاملية عملاقة حجزت مكانها في مصاف التكتلات الاقتصادية العملاقة مؤذنة بإحياء التوجه التكاملي من جديد باعتباره ضرورة في ظل العولمة الاقتصادية ومؤسساتها.
إن نجاح هذه التجارب التكاملية المذكورة في الدول المتقدمة بالشكل الذي سبق ذكره يشكل لا محالة إضافة إلى عوامل أخرى محفزاً أساسياً للدول النامية بصفة عامة والأفريقية بشكل خاص لتحذو حذوها في إقامة فضاءات تكاملية تكون على مستوى من النية والقدرة التنافسية يخولها البقاء في عصر لا حياة فيه للضعفاء، والسؤال المطروح هنا: إذا كان هذا هو الحال بالنسبة للدول المتقدمة- أي السعي إلى الدخول في تكتلات اقتصادية- أليس من الأولى بالدول النامية أن تحرص على الدخول في أكبر قدر من التكتلات الاقتصادية، إن لم يكن من باب الانتفاع من مزايا التكتلات فليكن- على الأثقل- فليكن من باب الحفاظ على النفس من شر تلك التكتلات التي تلتهم الأخضر واليابس متخذة من الدول المارقة عن التكتل سوقاً لها مستندة إلى ما توفره لها اتفاقيات – من نوع الجات- من حماية قانونية ومساءلة في حال اتخاذ أي إجراءات حمائية بخصوصها.
ولعل هذا الوضع هو ما جعل القارة الأفريقية مجدداً تنفض غبار الماضي وتعلن عن إنشاء اتحاد أفريقي يضم كافة الدول الأفريقي منطلقاً من إمكانيات هذه القارة الغنية بالموارد الطبيعية والعقول النيرة، ومسايراً التوجه العالمي من ناحية أخرى الذي يرى في سياسات التكتل الاستراتيجية الجديدة في عصر العولمة من أجل الوصول إلى تنمية شاملة، وفي المحور التالي سوف نبحث كيف نشأ هذا الاتحاد وما هي أهدافه؟ ومراحل تطوره؟ ثم فرص نجاح الاتحاد في ظل تنامي التكتلات الاقتصادية.


الاتحاد الأفريقي
نشأة الاتحاد الأفريقي:
لقد ظل الحلم بالوحدة الأفريقية الشغل الشاغل لدعاة الوحدة الأفريقية لاسيما في عصرنا الحالي وما يرافقه من ظروف دولية- سبق الحديث عن بعضها، كما أن التخلف والتهميش الدولي وعدم الاهتمام بما ينتاب القارة من مشاكل تتعلق بالنزاعات المسلحة، كل ذلك أكد ضرورة تحقيق هذا الحلم، ويمكن القول أن إنشاء الاتحاد الأفريقي قد مر بعدة خطوات حتى وصل إلا المستوى الذي هو عليه الآن: حيث يعتبر المؤتمر الذي عقد في الجزائر بين الرؤساء الأفارقة في (12يوليو 1999) هو الخطوة الأولى في طريق الاتحاد، حيث قبلت فيه دعوة القائد الليبي معمر القذافي إلى استضافة بلاده مؤتمر قمة استثنائي في الفترة ما بين (6-9) سبتمبر 1999 وذلك لمناقشة سبل وأدوات تفعيل منظمة الوحدة الأفريقية بما يتماشى مع التطورات السياسية والاقتصادية العالمية، وإعداد القارة بما يضن لها الحفاظ على مقدراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطار العولمة.[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn5) وفعلاً تمخضت هذه القمة الاستثنائية عن "إعلان سرت" الذي نص على إنشاء الاتحاد الأفريقي طبقاً لأهداف ميثاق الوحدة الأفريقية، وأحكام معاهدة إنشاء الجماعة الاقتصادية في"ابوجا" كما أوصى هذا المؤتمر بالتعجيل بإنشاء كافة المؤسسات المنصوص عليها في معاهدة أبوجا، وتكليف وزراء المنظمة بإعداد الوثيقة القانونية المنشئة للاتحاد، والتي تم تقديمها فيما بعد إلى القمة 36 المنعقدة في (لومى 10-12- يوليو 2000) حيث تم اعتماد القانون التأسيسي للاتحاد وقد وقعت عليه وقتها 27 دولة، وقد ركزت أهداف هذا الاتحاد على الجوانب الأمنية وتقليص الخلافات بين دول المنطقة مع أنها لم تهمل الجوانب الاقتصادية مراعية البعد الدولي ومدى أهميته وتأثيره في النهوض بمختلف تلك الجوانب.
أهداف الاتحاد الأفريقي:
تُعد مقاصد الاتحاد الأفريقي، بصفة عامة، مختلفة، وأكثر شمولية، من مقاصد منظمة الوحدة الأفريقية، فقد أدت منظمة الوحدة الأفريقية مهمتها، وحان وقت استبدال هيكل بما، يمكنه التعامل مع حاجات القارة السائدة، ذلك أن أهداف منظمة الوحدة الأفريقية، حين قيامها، تمثل في:
1- تعزيز الوحدة والتضامن بين الدول الأفريقية.
2- تنسيق التعاون بين دول القارة، وجهودها في تحقيق حياة أفضل لشعوبها.
3- الدفاع عن سيادة دول القارة، وسلامة أراضيها واستقلالها.
4-القضاء على كافة أشكال الاستعمار في أفريقيا.
5- تشجيع التعاون الدولي.
وقد أوى ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اهتماماً ملائماً، وتعهدت دولها، فضلاً عن ذلك، بالتنسيق بين توجهات أعضاء المنظمة، وبالمقارنة تتمثل مقاصد الاتحاد الأفريقي، التي اشتمل عليها الميثاق التأسيسي، في:
1- تحقيق مزيد من الوحدة والتضامن، بين الدول الأفريقية وشعوب القارة.
2- حماية سيادة الدول الأعضاء، وسلامة أراضيها واستقلالها.
3- الإسراع بعملية التكامل، السياسي والاجتماعي- الاقتصادي، في أفريقيا.
4- تعزيز المواقف الأفريقية المشتركة، حيال قضايا مصالح القارة وشعوبها، والدفاع عنها.
5- تشجيع التعاون الدولي، مع إيلاء ميثاق منظمة الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الاهتمام المناسب.
6- تعزيز السلام والأمن والاستقرار، في القارة.
7- تعزيز المبادئ والمؤسسات الديموقراطية والمشاركة الشعبية وحسن الحكم.
8- حماية حقوق الشعوب والإنسان تعزيزها، وفقاً للميثاق الأفريقي لحقوق الشعوب والإنسان.وغيره من أجهزة حقوق الإنسان الأخرى.
9- وضع الشروط اللازمة، التي تمكن القارة من أداء الدور المنوط بها، في الاقتصاد العالمي، والمفاوضات الدولية.
10- تعزيز التنمية المستدامة، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك التكامل بين الاقتصاديات الأفريقية.
11- تعزيز التعاون، في كافة مجالات النشاط الإنساني، لرفع مستوى معيشة الشعوب الأفريقية.
12- تنسيق سياسات الجماعات الاقتصادية الإقليمية، القائمة والمستقبلية، لتحقيق مقاصد الاتحاد تدريجاً.
13- دفع تنمية القارة، بتشجيع البحث، في المجالات كافة، ولاسيما في مجالي العلوم والتقنية.
14- العمل مع الشركاء الدوليين ذوي العلاقة، للقضاء على الأمراض، التي يمكن مكافحتها وتعزيز الصحة الجيدة في القارة. ويُلاحظ أن مبادئ ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، قد استُبقت في إعلان سرت، كجزء من الأساس التوجيهي للاتحاد الأفريقي.
وللتمييز بين مقاصد منظمة الوحدة الأفريقية، ومقاصد الاتحاد الأفريقي، ولتقدير الزخم الجديد، في منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، الذي أدى إلى تبني القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، لابد من الرجوع إلى الإعلان، الذي صدر، في العاصمة البوركينية، واجادوجو في 10يونيه 1998، للعمل على إقامة نظم ديموقراطية فاعلة وتعزيزها، بإشراك جميع العاملين في المجتمع المدني، وقد عُدّ تغيراً في اتجاه منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، إذ كان التعاون مع المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، مرفوضاً، قبل ذلك وقد تعزز الاعتراف بهذا التغيير، في إعلان سرت، حيث يشير إلى " .. شعوبنا ومنظماتهم الشعبية..." وقد ركز الإعلان واجادوجو، بصفة خاص في التعامل مع القضايا، الاقتصادية والتنموية، بينما تميزت القمم السابقة بتركيز قوي في القضايا السياسية. عقب إعلان واجادوجو، أشارت قمة منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، التي عُقدت في الجزائر، عام 1999، إلى نقطة تحول حاسمة في تاريخ المنظمة، كما تميزت اجتماعاتها بإحساس جديد بالعجلة والرغبة في إعداد المنظمة للقرن المقبل، وإنشاء إطار جديد للألفية الجديدة، وقد ركزت قمة الجزائر في موضوعين، هما:
الأول: الأمن الجماعي، ومشكلة الصراعات في أفريقيا( قدمه الرئيس النيجيري، أوباسانجو).
الثاني تحدي العولمة، وإقامة الجماعة الاقتصادية الأفريقية( قدمه الرئيس الجنوب الأفريقي، تابو مبكي).
وهكذا، أبدى الزعماء الأفارقة عزماً متجدداً، وإرادة مشجعة لمواجهة القضايا والمشكلات المهمة، ببسالة في أسلوب كلي ومتكامل، وأصبحت المساندة القوية للمبادرات والمناهج الجماعية، لإقامة قيادة أفريقية جديدة، ثاقبة الرؤى، وعملية- أكثر وضوحاً، وانعكست الروح الجديدة، في إعلان الجزائر، الذي رحب بالعمل الأفريقي المخطط، في القضاء على الاستعمار في القارة الأفريقية، ويمكن في إيجاز تلخيص الإعلان في الآتي:
أ- دعا الإعلان الأمم المتحدة إلى تحمل كامل مسؤولياتها لكونها راعياً للسلم والأمن الدوليين، كما دعا الدول الأفريقية إلى تعزيز حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، ووضع قوانين لها وتنفيذها.
ب- أقر الزعماء الأفارقة، في الإعلان، توحيد رغباتهم، وتجميع جهودهم ومواردهم، حتى يتمكنوا من مواجهة تحديات الألفية الجديدة، مثل:العولمة، ونزع الأسلحة النووية، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل الأخرى، والإرهاب، وتجارة المخدرات، والجريمة المنظمة، والاتجاهات السائدة في الاقتصاد العالمي.
ج- سعى الزعماء الأفارقة سعياً حثيثاً، إلى إيجاد حلول لحالات الصراع في أفريقيا، التي منها: جمهورية الكونغو الديموقراطية، وأنجولا، ويوروندي، وجزر القمر وإثيوبيا/إريتريا، وغينيا، بيساو، وسيراليون والصومال، كما أكد قادة منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، أنهم سيقفون أنفسهم، من جديد، للقضاء على الصراعات المسلحة في أفريقيا، بنهاية عام 2000ولهذا الغرض، أعلن هذا العام، عام سلام، وأمن، وتضامن، في أفريقيا.
د- قُبل اقتراح بطرد الزعماء، الذي جاءوا إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية بدءاً من قمة عام 2000، إذا لم يعيدوا بلدانهم إلى الحكم الدستوري، وكان هذا القرار علامة على تعهد واضح من منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية/ بعدم التسامح تجاه التغيرات القسرية، وغير الدستورية، في الحكم، في المستقبل.
- اتخذت منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، موقفاً صارماً من جرائم الإرهاب، وانتشار الأسلحة الخفيفة، ويمكن ملاحظة ذلك، في تبنيها معاهدة مكافحة الإرهاب ومنعه، وقبول قرار خاص، تبنته جنوب أفريقيا، يحظر انتشار الأسلحة الخفيفة، وتداولها، والتجارة فيها.
و- وأخيراً اتفقت منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، على أن قضية العولمة، تمثل تهديداً لسيادة الشعوب الأفريقية ومحافظتها على هوياتها، الحضارة والتاريخية، كما أنها تعمل على إضعاف فرص التنمية في أفريقيا ضعفاً شديداً، وفي هذا الصدد أعلنت منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، أن تحديات العولمة، يمكن مواجهتها، من خلال التكامل الاقتصادي الأفريقي، وفقاً لنصوص معاهدة أبوجا، التي تقضي بإقامة الجماعة الاقتصادية الأفريقية. تبعت لقمة الاستثنائية الرابعة، التي عقدت في سرت، في 9 سبتمبر 1999، قمة الجزائر، وقد تبعت قمة سرت، بدورها القمة الأوروبية- الأفريقية، التي عقدت تحت رعاية منظمة الوحدة الأفريقية والاتحاد الأوروبي، في القاهرة في يومي 3 و 4 أبريل عام 2000، وتُعد جنوب أفريقيا عضواً في الجماعة الأساسية، التي نيط بها إجراءات المتابعة، ولم تخرج موضوعات هذه القمة عن الموضوعات المشتركة للمؤتمرات الدولية الأخيرة، مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD ، واجتماع رؤساء حكومات الكومنولث CHOGM ، وقمة الجنوب، وقمة وزراء دول حركة عدم الانحياز NAM، وقمة الأمم المتحدة الألفية، وتضمنت الموضوعات التالية:
1- الإعفاء من الديون: على الرغم من التقدم، الذي أحرز، من خلال مبادرة الدول الفقيرة، المثقلة بالديون HIPC، كان هناك تعبير عن الاهتمام باستمرار الديون الخارجية، وعلاقتها بنقص التنمية، وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، أعلنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عن نيتهما إلغاء جميع ديون الدول الأقل نمواً، وغالبيتها في قارة أفريقيا.
2- مساعدات التنمية الرسمية: كان هناك اتفاق عريض، على الحاجة إل عكس اتجاه هبوط مساعدات التنمية الرسمية، وحث الدول المانحة على الوفاء بالمستهدف، المتفق عليه دولياً، وهو 0.7% من مجمل الناتج المحلي لحل قضي تخفيف الفقر الملحة، في أفريقيا.
3- التجارة الدولية: أقرت القمة الأفريقية- الأوروبية، التزام الاتحاد الأوروبي بالبدء بعملية خلال عام 2000، تضمن وصول الدول الأقل نمواً إلى السوق الحرة، بحلول عام 2005، كما أكدت الحاجة إلى عقد جولة أخرى، لمفاوضات منظمة التجارة العالمية، في خلال اجتماعات القمة.
4- تدق الاستثمارات والتقنية إلى الدول النامية: قررت القمة الأفريقية – الأوروبية تشجيع زيادة الاستثمار ونقل التقنية، وكذلك دفع تنمية التقنيات المحلية.
5- تطوير البنية الأساسية الاجتماعية: من المعلوم أن اجتماعات القمة كانت إقراراً بالحاجة الملحة إلى تطوير وضع المرأة وتعزيزه، في حياة الدول الاقتصادية.
6- الحاجة إلى إصلاح المؤسسات المتعددة الجنسيات: في ضوء أحداث، مثل الأزمة المالية الدولية، وقمة سياتل الفاشلة لمنظمة التجارة العالمية، خلال السنوات الثلاث الماضية، تتزايد الحاجة إلى ضرورة إصلاح المؤسسات الاقتصادية والمالية، مثل: منظمة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، والبنك لدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وفي هذا الصدد كُلف رئيس قمة الجنوب، بالتعاون مع رئيس حركة عدم الانحياز، ومشاركة دول مجموعة الثماني الصناعية G-8 ، والاتحاد الأوروبي، ومؤسسات الخشب البريطانية، وغيرها من المنظمات الدولية ذات العلاقة، بإعلان الحاجة إلى تمثيل الجنوب تمثيلاً عادلاً، في مداولات تلك المؤسسات.
7- حسن الحكم والاستقرار: تقر الدول النامية بأهمية تعزيز الديموقراطية، وحسن إدارة الحكم، بالنسبة إلى تحقيق السلام والاستقرار، وفي المستقبل، وقد قُدم قرار قمة منظمة الوحدة الأفريقية/ الجماعة الاقتصادية الأفريقية، التي عقدت في الجزائر، عام 1999، تبني أسلوب إنذار الدول، التي تتغير حكوماتها بطرق غير دستورية، أو طردها، بدرجة معينة، إلى قمة رؤساء حكومات الكومنولث، والمؤتمر الوزاري الثالث عشر لحركة عدم الانحياز.
8- التعاون الإقليمي: جرى تأكيد التعاون الجنوبي- الجنوبي، والتعاون الجنوبي- الشمالي، في جميع اجتماعات القمة، ولمزيد من تعزيز المشاركة البناءة، مع الدول المتقدمة، اتفقت القمة الأفريقية – الأوروبية، على تعزيز مساندة التعاون الإقليمي والتكامل، في أفريقيا. وقد أقر عنصر مهم في عملية تنشيط الهياكل التنظيمية للقارة كلها، في إعلان سرت، بتبني "مؤتمر الأمن والاستقرار والتنمية والتعاون في أفريقيا" "CSSDCA" ، يصفه جزءاً لا يتجزأ من آليات القارة وهياكلها، وقد اعترف، ضمناً، بوجود مؤتمر الأمن والاستقرار والتنمية والتعاون في أفريقيا بصفته عملية مستقلة، ينبغي أن تكون حافزاً على تطوير سياسات هذه العناصر الأربعة: الأمن، والاستقرار، والتنمية، والتعاون.
فرص نجاح الاتحاد الأفريقي في ظل تنامي التكتلات الاقتصادية:
مع أن أفريقيا تصنف عالمياً من أكثر قارات العالم تخلفاً، فإنها من حيث الموارد الاقتصادية تعتر غنية ولا أدل على ذلك من الأرقام التالية: تمتلك أفريقيا اليوم 40% من إجمالي الطاقة المائية الكامنة في القارة، كما أن عدد سكاها قرابة 600 مليون نسمة، أما بالنسبة للموارد الزراعي فهي من أهم النشاطات بالنسبة للسكان وتحتل أفريقيا نسباً معتبرة في إنتاج بعض المحاصيل على المستوى العالمي حيث أن إنتاجها من البن يمثل 29% من الإنتاج العالمي، ومن زيت التخيل 75% من الإنتاج العالمي، ومن الزيتون 15% من الإنتاج العالمي، ومن الكاكاو 70% من الإنتاج العالمي، كما أن أفريقيا تعتبر غنية بالثروة الحيوانية بمختلف أنواعها، كذلك فإن أفريقيا تنتج:
75% من إنتاج الذهب في العالم و 70% من إنتاج الماس.
3/2 إنتاج العالم من الكوبالت و 50% من إنتاج المنغنيز.
30% من إنتاج اليورانيوم و 4/1 خام الفوسفات.
4/1 إنتاج العالم من النحاس و 15% من إنتاج العالم من البوكسيت.
10% من إنتاج النفط و 8% من إنتاج الكروم.
ولديها 90% من الاحتياطي العالمي من الكروم، و 20% من الاحتياطي العالمي من النفط كما تنتج 10% من الحديد، و 40% من الطاقة الكهربائية.[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn6)
هذا فضلاً عن موقعها الاستراتيجي فهي تطل على البحر المتوسط وعلى أماكن هامة (قناة السويس، مضيق جبل طارق)، كما تطل على البحر الأحمر من مضيق باب المندب، هذا إضافة إلى أن القارة تحوي أنهاراً عديدة.
إن استغلال هذه الموارد بشكل عقلاني يفتح المجال لتنوع اقتصادي واعد في هذه القارة، ومن الأمور المشجعة في هذا المضمار، عمليات تحويل الفوسفات إلى سماد في كل من الجزائر، ومراكش وتونس، وتحويل النحاس وتنقيته في الكونغو، وصنع الاسمنت والطوب والبلاط من الرمال المحلية وحجر الجير في معظم الأقاليم الأفريقية، كل ذلك يمثل نماذج قليلة تدل على التنوع الذي يمكن أن يحدث، وهذا ما جعل جل المحللين الاقتصاديين يجمعون على المستقبل المبشر لهذه القارة، خصوصاً نبذ ظل جو نبذ الخلافات ومحاولة حلها بالطرق السلمية الذي أصبح يسود القارة.
وحسب دراسة أجريت مؤخراً تعتبر القار الأفريقية من المناطق الاستثمارية الأكثر جدوى مقارنة ببقية دول العالم، عدا القارتين الأوروبية، والأمريكية الشمالية، وقد عكست هذه الدراسة ما اتخذته الدول الأفريقية من إجراءات لتحسين اقتصاداتها، خصوصاً في ظل وجود مؤشرات مشجعة كتزايد نسبة الشباب إلى عدد السكان، كما نجد أن هناك مؤشرات مستقبلية عن فقطاعات ستكون أكثر جدوى خلال الفترة القادمة وهي السياحة، والصناعات الغذائية، والنسيج والصناعات الجلدية، والاتصالات، والزراعة، والتأمين، والاستثمارات المالية.
إن كل تلك العوامل جعلت من القارة الأفريقية هدفاً حاضراً ومستقبلاً للعديد من المستثمرين الأجانب الذين يحاولن الاستفادة من القوانين الاستثمارية الصادرة من جهة، وثروات القارة الوفيرة من جهة أخرى، كما أنها هي التي دعت الغيورين على مصالح هذه القارة إلى المناداة باستغلال تلك الموارد بالشكل الذي يخدم سكان هذه القارة مدركين أن ذلك لن يتحقق إلا بتوحيد الجهود والتكاتف جنباً إلى جنب بعضهم مع البعض الآخر، في ظل مناخ دولي لا مجال فيه للدويلات أو حتى التكتلات الاقتصادية الصغيرة، بل لابد من مواكبه الركب والسير في عصر التكتلات الاقتصادية جنباً إلى جنب مع تلك التكتلات إن لم يكن من باب الحفاظ على المصالح الشخصية للقارة فلن يكون من باب الدفاع عن النفس في عصر التنافس الاقتصادي على الأسواق " السائبة".


البحث السادس: التكتل الاقتصادي العربي
إن ما يعيش فيه العالم من متغيرات عديدة، توجب على الدول النظر مرة أخرى في مساراتها، فوجود الدول فرادى في ظل هذه المتغيرات مسألة لا يؤمن عواقبها، حيث المخاطر المستجدة أكبر من أن تتحملها دولة واحدة، ولذا نجد هذا التوجه الدولي نحو الإقليمية، فنجد التكتلات الإقليمية منتشرة في كل منطقة من العالم، في الدول المتقدمة والنامية- على حد سواء.
فالدول الكبرى تلوذ بمحيطها الإقليمي وتوسعه فنجد أمريكا تنشئ منطقة للتجارة الحرة لأمريكا الشمالية( نافتا)، وتدعو لإنشاء منطقة تجارة حرة للأمريكتين، وتجعل المحيط الباسفيكي امتداداً إقليمياً لتنشئ تكتلات إقليمية مع بعض الدول الآسيوية واستراليا وهو تكتل" الأيبك" الذي يمتلك حوالي 54% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 50 % من التجارة في السلع، و37% من تجارة الخدمات.
بالإضافة إلى ذلك هناك مبادرة العمالقة عبر الأطلنطي (المبادرة الأوروبية الأمريكية)، التي تعد من أهم المبادرات التكاملية التي شهدتها عقد التسعينات،وهناك أيضاً الدعوة الأمريكية لإنشاء سوق شرق أوسطية يكون لها فيه دور فعال تضمن فيه مصالحها.
ولم يقتصر هذا التوجه المتزايد نحو الإقليمية على أمريكا، بل تعد إلى أوروبا التي كانت أول من سلكت طريقه، حيث الاتحاد الأوروبي في أوروبا الذي يرغب في التوسع ليشمل أوروبا كلها بدولها الغنية والفقيرة والمتقدمة والمتخلفة، بل تريد أوروبا أن تستغل إطارها الإقليمي عبر البحر المتوسط لإنشاء تكتل بينها وبين دول جنوب المتوسط، وهناك القمة الآسيوية التي تسعى في النهاية لإحداث نوع من التكتل مع آسيا وأيضاً المبادرة الأوروبية الأمريكية التي سلف ذكرها.
وقد كان للدول النامية نصيب كبير في إقامة تكتلات إقليمية نذكر منها في آسيا
"الآسيان" وفي أفريقيا "الكوميسا" وفي أمريكا اللاتينية السوق الجنوبي
"ميركوسور" ومجموعة الأنجية، والسوق المشتركة لأمريكا الوسطى، والسوق الكاريبي.
وبالإضافة لهذه التكتلات: هناك التكتل الاقتصادي العربي الذي يواجه أخطر أزماته وأحرج مساراته- بعد عقود عديدة من محاولات التكتل الاقتصادي العربي- في وقت تتعاظم فيه المخاطر والتحديات التي تواجهها المنطقة العربية وفي وقت تلوذ فيه الدول الكبرى قبل الصغرى بالتكتلات الاقتصادية الإقليمية كذراع واقية من هذه المخاطر التي تعصف بها. ويواجه الوطن العربي، في هذا الوقت بالذات، الكثير من التحديات التاريخية والخارجية من أهمها: أزمة الثقة التي خلفتها حرب الخليج الثانية، ووهن العلاقات العربية البينية وتدني مستوياتها، وضآله ما حققته مشاريع التكامل العربي من منجزات، وهناك أخطر تحد يواجهه الوطن العربي، ألا وهو الدعوة لإنشاء مشروعات إقليمية بديلة في المنطقة العربية، ومن أهم هذه التكتلات التكتل المتوسطي التي تدعو له أوروبا والتكتل الشرق أوسطي الذي تتزعمه أمريكا وإسرائيل وتروج له المؤسسات الدولية، وهناك أيضاً بالإضافة إلى هذه التحديات تحدي العولمة، ذلك التحدي القادم الذي لم نعُّد له العدة ولا نعرف كيف نواجهه أو نتعامل معه، كل هذا يؤكد لنا أهمية وجود تكتل اقتصادي عربي فعلي وفعال نستطيع أن نواجه به كل هذه التحديات.
- منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى:
من المعروف في نظرية التكتل الاقتصادي أن منطقة التجارة الحرة هي أبسط الصيغ وأدناها مرحلة في أي مشروع للتكامل، فهي تمهد للانطلاق إلى مراحل أكثر تقدماً في مدارج التكتل والاندماج الاقتصادي، ولا تثير منطقة التجارة الحرة بين دولتين أو أكثر على مستوى الإقليم تلك التعقيدات الفنية أو القانونية في التطبيق التي تثيرها مرحلة السوق المشتركة أو الوحدة الاقتصادية، ولهذا شهدت كثير من دول العالم وأقاليمه خلال العقد الأخير خاصة من القرن الماضي تحركات وجهود واسعة نحو إقامة مناطق للتجارة الحرة انسجاماً مع توجهات تحرير التجارة الدولية لاسيما بعد توقيع اتفاقات مراكش 1994 في أعقاب اختتام جولة أورجواي للجات وقيام منظمة التجارة العالمية مطلع عام 1995.
ينطلق الفكر الاقتصادي لتحرير المبادلات التجارية من فرضية ترى أن اتساع الأسواق يؤدي إلى نتائج اقتصادية هامة للتجارة كمحرك للتنمية وقاطرة للاستثمارات ذلك أن نمو التبادل التجاري يساعد على تحقيق وفورات الحجم ورفع الكفاءة الإنتاجية وزيادة حجم الإنتاج ورفع معدلات النمو مما يجعل المنطقة جاذبة للاستثمار الأجنبي المصحوب بالتكنولوجية الأمر الذي يدعم القدرات التنافسية للإنتاج داخل وخارج المنطقة ويزيد من فرص التوظيف ورفع كفاءة القوى العاملة واستيعاب الزيادة المستمرة فيها.
على صعيد المنطقة العربية انتعشت الآمال مجدداً لإحياء مشروعات التكامل الاقتصادي في إطار جامعة الدول العربية، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية وكانت صيغة المنطقة الحرة للتجارة الأكثر قبولاً وترحيباً وقد اقترنت بموافقة القمة العربية بالقاهرة عام 1996، واستناداً إلى العديد من القرارات والاتفاقات الجماعية التي أبرمت على مدى سنوات النصف الثاني من القرن العشرين، إن قيام منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى كما دعت إليها قمة القاهرة 96 يمكن أن تكون نواة للتعامل الجماعي العربية مع المتغيرات الاقتصادية الدولية والإقليمية المتلاحقة ممثلة في تطورات الانفتاح التجاري على الأسواق العالمية في إطار منظمة التجارة العالمية وتعاظم أهمية ودور التكتلات الاقتصادية في عصر لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة.
أولاًُ: نشأة منطقة التجارة الحرة العربية:
اتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية في شهر شباط من العام 1997 قراراً تضمن الإعلان عن إقامة منطقة التجارة العربية الكبرى، خلال عشر سنوات تبدأ من أول يناير 1998 ووافق المجلس في نفس القرار على البرنامج التنفيذي لإقامة المنطقة الحرة متضمناً الأسس والقواعد والآليات التنفيذية والبرنامج الزمني للتخفيض في الرسوم الجمركية والضرائب ذات الأثر المماثل المفروضة على كافة السلع العربية ذات المنشأ الوطني المتبادلة بين الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية، وصولاً لإزالتها بالكامل في نهاية العشر سنوات( ثم تقرر تخفيضها إلى مدة 8 سنوات)، والتي تعتبر بمثابة فترة انتقالية تقوم الدول الأعضاء خلالها بتكييف أوضاعها لتتواءم مع متطلبات وشروط إقامة هذه المنطقة الحرة.
وقد كان إعلان قيام منطقة التجارة الحرة العربي تتويجاً لقرار القمة العربية المنعقد في القاهرة في تموز 1996، الذي كلف المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية بالإسراع في إقامة هذه المنطقة، وقد اعتبرت اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية المبرمة في إطار جامعة الدول العربية عام 1981، كإطار قانوني لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية، وذلك بهدف الإسراع في قيامها دون الدخول في خضم التعديلات والتشريعات وإجراءاتها المعقدة والطويلة، وعليه فإن الدول العربية الأعضاء في هذه الاتفاقية هم أعضاء حكماً في منطقة التجارة الحرة العربية، أما الدول غير الأعضاء فيترتب عليها أولاًَ الانضمام إلى الاتفاقية لكي تصبح طرفاً في منطقة التجارة الحرة العربية، وتلتزم بتطبيق البرنامج.
ثانياً: الدول الأعضاء:
منذ بداية عام 1998، بدأت الدول العربية في الانضمام إلى هذه المنطقة، باستجابات متفاوتة، وقد تطلب ذلك من بعض الدول العربية غير المنضمة إلى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية الانتهاء من الإجراءات التشريعية والتنفيذية للانضمام إلى هذه الاتفاقية، والتي كان عدد أعضائها عند إعلان منطقة التجارة الحرة العربية(16) دولة هي: المملكة الأردنية الهاشمية- دولة الإمارات العربية المتحدة- مملكة البحرين- الجمهورية التونسية- المملكة العربية السعودية- الجمهورية العربية السورية- جمهورية العراق- سلطنة عمان- دول قطر- دولة الكويت. الجمهورية اللبنانية- الجماهيرية الليبية – جمهورية مصر العربية- المملكة المغربية- جمهورية السودان – دولة فلسطين،بعد ذلك انضمت في عام2005 كلاً من اليمن والجزائر، أما الدولة التي لا تزال بصدد استكمال إجراءات الانضمام لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وكانت قد أعلنت رغبتها بالانضمام ومن المتوقع أن يتم انضمامها قريباً حيث تقدمت بطلبات الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتم الترحيب بها من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية فتشمل كل من: موريتانيا والصومال، وأما الدول التي انضمت إلى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري فقد بلغت عشرين دولة تشمل جمع الدول العربية باستثناء جيبوتي وجزر القمر.
ثالثاً: الالتزامات المتعلقة بالعضوية:
ويمكن تقسيم التزامات الدول العربية إلى ثلاثة أصناف رئيسية:
الرسوم الجمركية: إلغاء الرسوم الجمركية في غضون عشر سنوات بواقع 10% سنوياً اعتباراً من عام 1998، ويستثنى ذلك السلع الواردة في البرنامج الزراعي العربي المشترك والسلع الممنوعة لأسباب دينية وأمنية وصحية.
الضرائب: إلغاء الضرائب ذات الأثر المماثل خلال الفترة المذكورة أعلاه وبالنسبة نفسها، ويتعلق الأمر بالرسوم التي تفوق مبالغها قيمة الخدمات المقدمة للسلع المستوردة كالرسوم المبالغ فيها المفروضة على تفريغ أو تحميل البضائع في الموانئ، وكذلك الضرائب التكميلية على الواردات دون خدمة محددة ومباشرة كالضرائب على الدفاع وأيضاً الضرائب التي تسري على المنتجات المستوردة دون المنتجات المحلية كالرسوم القنصلية، وحسب البرنامج التنفيذي يتعين دمج جميع هذه الرسوم ذات الأثر المماثل في هيكلة التعريفة الجمركية بهدف إخضاعها للتخفيض.
القيود الكمية: إلغاء القيود الكمية، وعلى خلاف الصنفين المذكورين الخاضعين للخفض التدريجي، يجب إزالة هذه القيود فوراً، إنها الحواجز غير الجمركية التي تمنع دخول السلع العربية والإجراءات النقدية المختلفة كالرقابة على التحويلات وتعقيدات فتح الاعتمادات المصرفية وتعدد الجهات الإدارية المانحة لتراخيص الاستيراد، أضف إلى ذلك التعقيدات الحدودية والمبالغة في المواصفات القياسية.. وبالتالي فإن المنطقة الحرة تفترض سريان إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية على تجارة جميع أنواع السلع دون استثناء، وقد وافقت دول الخليج الستة على هذا المبدأ، وقدمت البلدان الأخرى قائمة بالسلع التي لا ترغب بتحريرها.
وحسب تقارير لجنة التنفيذ والمتابعة يتضح أن عدد السلع المستثناة يبلغ 832 سلعة، وهذا يؤدي إلى التقليل من مصداقية المنطقة وتراجع دورها في تنمية التجاري البينية.. كما أن استثناء سلعة معينة من قبل دولة ما يعطي الحق لدول أخرى في استثناء سلع مماثلة وبالتالي تتسع دائرة الاستثناءات، ولكن حتى لا تنقلب الاستثناءات إلى قاعدة عامة تؤدي إلى فشل المنطقة الحرة، تم وضع ضوابط تحكم الاستثناءات، واشترط أن تقدم الدولة المعنية المبررات المقنعة من الناحية الاقتصادية وألا تتجاوز مدة الاستثناء أربع سنوات وألا تزيد قيمة السلع المستثناة على 15% من قيمة الصادرات إلى البلدان الأعضاء في المنطقة.
ومن ناحية أخرى فإن الالتزامات المذكورة تقتصر على السلع المنتجة في الدول الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وهذا أمر متعارف عليه بالمناطق الحرة في العالم لأن سريان التحرير على بضائع ذات منشأ أجنبي يقود إلى التهرب الضريبي، كأن تستورد دولة عربية تطبق أسعاراً جمركية منخفضة سلعة من بلد أجنبي وتعيد تصديرها لدولة عربية أخرى تطبق أسعاراً جمركية مرتفعة.. ولكن متى تعتبر السلعة عربية فتعفى من الرسوم الجمركية ومتى تعد أجنبية لا يسري عليها الإعفاء؟ هذا السؤال معقد لتشابك العمليات الإنتاجية من جهة ولتباين درجات الإنتاج في البلدان العربية من جهة أخرى.
رابعاً: مزايا اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى[7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftn7)
يعد العديد من المزايا والجوانب الإيجابية لاتفاقية منطقة التجارة الحربة العربية الكبرى، التي تساعد على حماية المصالح الاقتصادية العربية، وتفعيل التجارة البينية بينها، بشكل يعمل على رفع مستوى الاقتصاد العربي، خاصة وأن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تعتبر انطلاقه مهمة أمام تحرير تدريجي يؤدي إلى تأمين حرية انتقال عناصر الإنتاج بين الدول العربية والاستخدام الأمثل لها، وتفعيلها بشكل ناجع يعمل على انتقالها إلى اتحاد جمركي عربي وصولاً إلى سوق عربية مشتركة.
وتكمن أهمية هذه المنطقة في توحيد الأسواق العربية وتكاملها من خلال استيعاب التقنيات الحديثة والتوجه نحو الإنتاج الواسع، وخفض التكاليف، وخلق فرص عمل جديدة، وتوزيع أمثل للموارد، وتكامل أفضل للصناعات، والانفتاح على الاقتصاد العالمي بثقة، ومن فوائدها أيضاً أنها تسهل عملية التكامل التدريجي بين النظم التجارية الجديدة، وتخلق توجهاً عربياً موحداً للتعامل مع متطلبات منظمة التجارة العالمية ومختلف التكتلات التجاري الدولية، خاصة وأن توحيد الأسواق العربية سيؤدي إلى إقامة مشاريع للتنمية الصناعية والزراعية لمواجهة تحديات اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وتعزيز عوامل الثقة بين المستثمرين المحليين والأجانب، وتدفق الاستثمارات بين الدول الأعضاء، وجذب الاستثمارات المباشرة من الخارج، واستقطاب مشاريع نقل التكنولوجيا، بما يسهم في ترسيخ التنمية الاقتصادية العربية التي ستؤدي إلى تحقيق الآمال المتعلقة بالسوق العربية المشتركة وإنجاز التقدم والازدهار الاقتصادي المنشود لجميع الدول العربية.
ومن القرارات المهمة المرتبطة بشكل غير مباشر بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي لها وقع إيجابي على البيئة الاستثمارية العربية وعلى تشجيع حركتي التجارة والاستثمار البينيين في إطار المنطقة، ما يلي:
- إعادة تشكيل محكمة الاستثمار العربية.
- استمرار التنسيق بشأن توحيد القواعد العربية للمنافسة والسيطرة على الاحتكارات.
- رفع كفاءة النقل البيني.
ومن المزايا الأخرى لاتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي تهدف إلى تيسير التجارة بين الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تبنى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دورته الـ72 قراراً بإلغاء التصديق على شهادات المنشأ والوثائق المرافقة من قبل سفارات وقنصليات الدول الأعضاء في المنطقة وفق مبدأ المعاملة بالمثل، حيث يطبق القرار حالياً في(12) دولة عربية، في حين ألغيت رسوم التصديق في كل من الإمارات العربية المتحدة والجمهورية العربية السورية وتم الإبقاء على التصديق نفسه، أما الدول التي تطبق قرار إلغاء التصديق على شهادات المنشأ فهي: ( السعودية، مصر، السودان، سلطنة عمان، البحرين، الكويت، لبنان، المغرب، تونس، سوريا، الإمارات العربية المتحدة).
أما من حيث التخفيض التدريجي في الرسوم الجمركية والضرائب ذات الأثر المماثل فقد اعتمد أسلوب تحرير جميع السلع العربية المتبادلة بين الدول الأطراف وفقاً لمبدأ التحرير التدريجي الذي بدأ العمل به اعتباراً من 1/1/1998، وذلك من خلال تخفيض الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل والسارية في كل دولة طرف مع بداية تطبيق الاتفاقية بنسبة مئوية مقدارها( 10%) سنوياً، وبشكل أدى إلى إنجاز التحرير الكامل لكافة السلع العربية مع بداية العام 2005، ولقد قامت ليبيا بإلغاء جميع هذه الرسوم منذ بداية تطبيق الاتفاقية، كما أن فلسطين أعفيت من تطبيق التخفيض التدريجي( قرار القمة العربية غير العادية رقم 355 تاريخ 22/10/2000)، أما السودان فقد بدأت بتخفيض الرسوم على الصادرات ذات المنشأ السوداني بنسبة 60% اعتباراً من 1/1/2003، وصولاً إلى نسبة 100% اعتباراً من 1/1/2005، وبالنسبة للواردات ذات المنشأ العربي في السودان فقد تم تحصيل كافة الرسوم الجمركية عليها كاملة حتى 31/12/2004، ومن ثم بدأت بالتخفيض التدريجي بنسبة 20% سنوياً ابتداء من 1/1/2005 وصولاً إلى التحرير الكامل في 1/1/2010 ( قرار القمة العربية رقم 233 تاريخ 28/3/2002)، وفيما يخص اليمن فستبدأ التخفيض التدريجي اعتباراً من 1/1/2005 بنسبة 16% سنوياً حتى 1/1/2009، ومن ثم بنسبة 20% في مطلع عام 2010 لتزال كلياً بنهاية العام ذاته.
ملاحظات ضرورية حول أوزان وآثار التكتلات الاقتصادية على النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
لعل من الضروري الإشارة في نهاية هذا الفصل إلى أن هناك مجموعة من الملاحظات الختامية المتعلقة بالتكتلات الاقتصادية التي تكونت والتي في طورها إلى الاكتمال والتكوين من ناحية الأوزان والآثار على النظام الاقتصادي العالمي الجديد وتوجهاته، يمكن تحديد أهمها على النحو التالي:
1- إن التكتلات الاقتصادية العملاقة ذات الوزن الكبير، التي تكونت وتلك التي في طورها إلى التكوين والاكتمال، تقودها الدول المتقدمة، كما هو ملاحظ في أوروبا وأمريكا الشمالية، وآسيا، ولذلك سيزداد تأثيرها على الاقتصاد العالمي مع مرور الزمن، وقد تنحصر المنافسة في إطار هذه التكتلات الاقتصادية والتي ستؤثر بقوة على النظام الاقتصادي العالمي الجديد من حيث العلاقات ومراكز القوى الاقتصادية، والمكاسب وشكل التكوين.
أما التكتلات الاقتصادية التي تكونت في الدول النامية وقادتها الدول النامية، فلا زالت أوزانها ضعيفة، وتحتاج إلى المزيد من العمل والتنسيق في مجال التكامل والتكتل الاقتصادي، حتى تزداد درجة تأثيرها، وخاصة إذا لوحظ من ناحية أخرى أن هناك تكتلات اقتصادية أخرى تحللت وانسحب منها أعضاؤها وتحتاج إلى إعادة تكوين على أسس أفضل كما حدث في قارة أفريقيا، وبعضها تجمد العمل فيها مثل السوق العربية المشتركة.
2- يرتبط بذلك أن الدول النامية في دوائرها الإقليمية المختلفة تحتاج إلى تكوين تكتلات اقتصادية قوية قائمة على أسس اقتصادية سليمة، وهو ما تسمح به منظمة التجارة العالمية، مع ملاحظة أن تلك التكتلات الاقتصادية إذا تكونت في الدول النامية، فسيكون لها آثارها الإيجابية على كل دول التكتل الاقتصادي فيما يتعلق بالمكاسب الاقتصادية فيما بينها، وكذلك عند التفاوض مع التكتلات الاقتصادية الأخرى فإنها ستحصل على مميزات ومكاسب في المعاملات الاقتصادية الدولية أفضل من دخولها فرداى، كدولة دولة.
ومن هنا فإن الدعوة قائمة لقيام تكتل اقتصادي عربي، وتكتل اقتصادي إسلامي، وتكتل اقتصادي في أفريقيا، وكذلك في أمريكا اللاتينية، على غرار تكتل الأندين، مع التوسع في عضويته.
ويفضل أن يضم هذه التكتلات الاقتصادية الإقليمية، تكتل اقتصادي يخص الدول النامية في مجموعها ليدعم القوة الاقتصادية للدول النامية عموماً، ويتطلب ذلك وجود برنامج يمهد لإقامة هذا التكتل الاقتصادي، يتضمن إطار مؤسسي في شكل منظمة اقتصادية وظيفتها دراسة أوضاع ومشاكل تلك الدول عموماً، وأوضاع كل دولة على حدة، وتعمل على التنسيق بين السياسات الاقتصادية بين تلك الدول وتقوية البنية الأساسية للتكتل والتكامل الاقتصادي، وتضع استراتيجية التعامل مع العالم الخارجي والتكتلات الاقتصادية الأخرى، بل تنهض بقيام المشروعات المشتركة والمتعددة الجنسيات داخل دائرة التكامل الاقتصادي لتلك الدول.
3- لعل تكوين التكتلات الاقتصادية العملاقة أو السعي إلى تكوينها واكتمال بعضها، يعني وجود اتجاهاً قوياً نحو الاندماج الاقتصادي الإقليمي في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ليكون نطاقاً تتضاءل فيه أهمية الاقتصاد الذي يعمل بمفرده في الدولة الواحدة، عند رسم السياسات الاقتصادية التي تتعامل مع العالم الخارجي،بل يحل محلها في هذا المجال الإقليم الاقتصادي في مجموعة للحصول على أكبر مكاسب ممكنة من التجارة الدولية.
وفي نفس الوقت يضمن انتعاش التجارة البينية وتقدم عملية التنمية وزيادة معدلات النمو لدول الإقليم.
4- إن التكتلات الاقتصادية العملاقة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وآسيا، رغم ما سيكون بينها من درجة معينة من الصراع والمنافسة، وإلا أن كل التوقعات تشير إلى أن هذا الاتجاه سيكون عند حد معين، وبالتالي فإنه من الممكن جداً أ، يحدث نوع من التنسيق والتعاون الاقتصادي بين التكتلات الثلاثة القوية على اقتسام أسواق العالم التي لم تتكتل اقتصادياً بعد ومنها المنطقة العربية وغيرها.
ومن ناحية أخرى أن حاجتها لبعضها البعض ستتزايد، لتمثل عاملاً ودافعاً ملحاً لاستمرار وزيادة الاعتماد المتبادل فيما بينه وهو ما سيؤثر بالسالب على باقي أطراف النظام الاقتصادي العالمي.
5- إن التكتلات الاقتصادية العملاقة في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، مع نموها وتزايد تنسيق دولها وازدياد فعالية تأثيرها، فإن ذلك قد يؤدي إلى تبدل الأدوار وأوضاع دول معينة في الشكل الهرمي للاقتصاد العالم الجديد، وكل التوقعات تشير إلى تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن وضعها الحالي في النظام الاقتصادي العالمي.
6- تشير كثير من الدراسات إلى أن نمو التكتلات الاقتصادية العملاقة سيسفر عن وجود ثلاث كتل نقدية هي الدولار، والمارك أو "اليورو" والين، وقد تجمعها حقوق السحب الخاصة في عملة للاحتياطي النقدي الدولي، بل يشير الكثيرون إلى أن العملة الأوروبية هي التي ستُسقط الدولار من قمته. وأن الاتحاد الأوروبي مع اكتماله هو الذي سيسقط الولايات المتحدة الأمريكية من قمتها.
7- يلاحظ أن ظاهرة التكتلات الاقتصادية التي تمثل أهم خصائص النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ستزيد من حجم التجارة الدولية، وستعمق أكثر مبدأ أو مفهوم الاعتماد المتبادل وقد يؤدي ذلك إلى المزيد من الرفاهية الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة على مستوى العالم، خاصة وأن الآثار المصاحبة لهذه التكتلات الاقتصادية هي زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشر عبر مناطق العالم المختلفة.
8- إن الاتجاه المتزايد نحو التكتلات الاقتصادية، ينطوي على المزيد من تحرير التجارة العالمية، ولو في نطاق الإقليم الاقتصادي للتكتل، بل أن تحرير التجارة داخل الإقليم قد يؤدي إلى آثار مولدة للتجارة خارج التكتل، حيث من الممكن أن يؤدي تحرير التجارة إلى زيادة الدخل، وبالتالي فإن ذلك يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على الواردات من خارج التكتل فتزداد التجارة العالمية.
بعض الاستنتاجات:
بعد العرض والدراسة لأهم التكتلات الاقتصادية في العالم يمكن ملاحظة أنها تمثل الأعمدة والركائز الإنسانية التي يستند عليها النظام الاقتصادي الدولي الجديد بل والنظام العولمي بصورة عامة.
فإذا كانت العولمة تؤدي إلى التصاق العالم بعضه ببعض ومستقبلاً ربما إلى وحدة الاقتصاد الدولي من خلال حرية تدفق السلع والمواد وانتقال عناصر الإنتاج من رأس المال والعمل ومن خلال تطور أدوات الاتصالات بصورة لم يسبق لها مثيل،وكل ذلك في إطار الحرية والمنافسة فإن التكتلات الاقتصادية الدولية تمثل بدورها عوامل تنظيمية لظاهرة العولمة بل ومحاولة لتوجيه هذه الظاهرة وفقاً لرغبة ورؤية أقطاب الاقتصاد العالمي: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان حيث يحاول كل هؤلاء أن يصعّد دوره في الاقتصاد الدولي ويزيد من تأثيره على عملية توجيه العولمة من خلال تعظيم قدراته الإنتاجية وقيادته لمجموعة من الدول النامية التي تتحرك في فلكه، كما تتداخل مصالح هذه الأقطاب في هذا المكان وذلك وقد لا يكون هذا الوضع النهائي، فهناك دول وتجمعات كالصين ومجموعة دول جنوب شرق آسيا يمكن أن يكون لها أدوار بالغة الأهمية في المستقبل.
وإذا استطاعت هذه التكتلات أن تحقق تطوراً اقتصادياً وتقنياً على مستويات إقليمية وعالمية وأن تزيد حجم الإنتاج والتراكم العالميين فإن هذه التكتلات قد أدت بدورها إلى زيادة التقسيم الدولي الجائر للعمل وإلى توسيع مقدار الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وأكثر من ذلك فقد أدت إلى زيادة الفروقات في مستويات المعيشة بين البلدان النامية، وبين الأثرياء والفقراء، لقد كانت العولمة بل وحركة التصحيح تتم في كثير من الأحيان على حساب تخفيض دخل ومستوى الطبقة العاملة في العالم وارتفاع معدلات البطالة، وعلى حساب التراجع في وضع البيئة والقضاء على الغابات وازدياد مناطق التصحر وزيادة حالة التلوث وهذا يعني الإخلال بالتوازن البيئي وبالنظام الطبقي للعيش والحياة مما يعرض الإنسان والجنس البشري لأعظم الأخطار، وكل ذلك الذي يقود عملية العولمة هو رأس المال والرأسمالية المتوحشة التي تحقق مصلحة الطبقة الثرية الطفيلية.. فإلى أي مقدار يمكن لدول العالم الثالث أن تتقبل المزيد من الإفقار والتهميش؟ وما الموقع الذي يمكن لهذه الدول أن تلجأ إليه لحماية أوضاعها بل لمنع زوالها وانقراضها؟








أسئلة نموذجية للتفكير والمساعدة على استيعاب محتويات هذا الفصل:

- وضح بالشرح كيف نشأت التكتلات الاقتصادية ! وما هي أهميتها عالمياً ؟
- ما هي أهداف ودوافع التكتلات الاقتصادية بالنسبة للدول النامية والدول المتقدمة ؟
- وضح بالشرح كيف نشأ التكتل الاقتصادي الأوروبي ! وما هي مراحل تطوره ؟
- ضمن معاهدة ماستريخت عام 1992 تم تحديد مراحل تحقيق الوحدة الأوربية الكاملة , تحدث عن هذه المراحل ؟
- عدد أهداف الاتحاد الاقتصادي الأوربي ! وما هي آلياته التنظيمية ؟
- وضح بالشرح كيف نشأ التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية (النافتا) ! وما هي أهميته للدول المنضمة إليه ؟
- عدد أهداف ومبادئ التكتل الاقتصادي الآسيوي( الآسيان) ! وما هي آفاق تطوره المستقبلي حتى عام 2020 ؟
- وضح بالشرح كيف نشأ منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسيفيكي (أبيك) ! وما هي أهدافه؟
- كيف نشأ الاتحاد الأفريقي ؟ وعدد أهدافه كما جاء في الميثاق التأسيسي لمنظمة الوحدة الأفريقية؟
- يعتبر إعلان الجزائر عام 1999 نقطة حاسمة في تاريخ منظمة الوحدة الأفريقية . ما هي أهم الأفكار التي جاءت في هذا الإعلان ؟
- وضح أهمية الاتحاد الأفريقي ! وما هي فرص نجاحه في ظل تنامي التكتلات الاقتصادية العالمية ؟
- وضح بالشرح كيف نشأت منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ؟ وما هي أهميتها بالنسبة للدول العربية ؟
- وضح بالشرح أهمية ووزن التكتلات الاقتصادية على النظام الاقتصادي العالمي الجديد !

قائمة المراجع
- أحمد شرف: مسيرة النظام الدولي الجديد قبل وبعد حرب الخليج، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ، 1992.
- د. إسماعيل صبري عبد الله، نحو نظام اقتصادي عالمي جديد، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1977.
- اسهام في الاقتصاد السياسي- كارك ماركس – وزارة الثقافة – دمشق 1970
- الان تورين – انتاج المجتمع – دمشق – وزارة الثقافة 1977
- و. روستو – مراحل النمو الاقتصادي – بيروت, لبنان, 1960.
- الاقتصاد السياسي – الطبعة الألمانية برلين 1973
- أدوين مانسفيلد – عالم الاقتصاد- مركز الكتب الأردني الأردن.عام 1988
- كارل ماركس, إسهام في نقد الاقتصاد السياسي , وزارة الثقافة- دمشق 1970.
- نيكيتين,أسس الاقتصاد السياسي, دار التقدم- موسكو,1964.
- عالم أمريكي ورجل دولة – 1706-1790-
- مجموعة من المؤلفين,الاقتصاد السياسي للاشتراكية, دار التقدم- موسكو 1970.
- عارف دليلة, الاقتصاد السياسي,منشورات جامعة حلب ,1987.
- إبراهيم العيسوي، الجات وأخواتها: النظام الجديد للتجارة العالمية ومستقبل التنمية العربية, مركز دراسات الوحدة العربية، آذار 1995.
- أسامة المجدوب: العولمة والإقليمية، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الثانية 2001.
- د. محمد السعيد سعيد: الكتل التجارية الدولية وانعكاسها على الوطن العربي، القاهرة، 1998.
- د. إسماعيل صبري عبد الله، نحو نظام اقتصادي عالمي جديد، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1977.
- د. حسين توفيق إبراهيم: النظام الدولي الجديد في الفكر العربي، مجلة عالم الفكر ،المجلد الثالث والعشرون، العدد الثالث والرابع، الكويت، 1995.
- محمد محمود الإمام: تجارب التكامل العالمية ومغزاها للتكامل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية 2004.
- د. سميحة فوزي: النظام العالمي الجديد وانعكاساته الاقتصادية على الوطن العربي، مجلة البحوث والدراسات العربية، العدد 22، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة1994.
- صندوق النقد الدولي، آفاق للاقتصاد العالمي عام 1994، واشنطن ، تشرين الأول 1995.
- د. سعيد عبد الخالق محمود: الشركات متعددة الجنسيات في الخليج العربي، كتاب الأهرام الاقتصادي عدد 53- القاهرة 1992.
– د.عبد المطلب عبد الحميد: النظام الاقتصادي العالمي وآفاقه المستقبلية بعد أحداث 11أيلول، الطبعة الأولى 2003.
- د. مصطفى العبد الله الكفري: اقتصاديات الدول العربية والعمل الاقتصادي العربي المشترك، جامعة دمشق- كلية الاقتصاد 2008.
- د. عبد المطلب عبد الحميد: آلية تعامل القيادات الإدارية مع التحولات الاقتصادية للقرن الواحد والعشرين، المؤتمر الثاني لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، مركز البحوث، القاهرة، 1995.
- لستر ثارو( ترجمة)أحمد فؤاد بليغ: الصراع على القمة، كتاب عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت، 1995.
- د. ماجدة شاهين: منظمة التجارة العالمية ومستقبل الدول النامية، ملحق الأهرام الاقتصادي، مؤسسة الأهرام ، القاهرة1996.
- محمد محمود الإمام: العمل الاقتصادي العربي المشترك تقييمه ومستقبله، المجلة المصرية للتنمية والتخطيط، المجلد الخامس، العدد الأول – معهد التخطيط القومي- القاهرة1997.
- د. مصطفى سلامه: منظمة التجارة العالمية آلية إدارة اتفاقات الجات، كتاب أهرام الاقتصادي، رقم 108- القاهرة 1997.
- د. نهى المكاوي: الدور الأمريكي في النظام العالمي الجديد، ندوة النظام العالمي الجديد، مركز البحث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة1994.
- د. سعيد النجار: النظام الاقتصادي العالمي على عتبة القرن الواحد والعشرين، رسالة النداء الجديد، جمعية النداء الجديد، القاهرة1996.
- منير الحمش: النظام الإقليمي العربي والتحديات الاقتصادية- مجلة المستقبل العربي- العدد 252 عام 2000.
- حميد الجميلي: مستقبل الأمن الاقتصادي العربي في ضوء تحولات القرن العشرين – مجلة شؤون عربية- العدد 100- عام 1999.
- عبد المطلب، عبد الحميد: السوق الأفريقية المشتركة والاتحاد الأفريقي، الطبعة الأولى- القاهرة- مجموعة النيل العربية2004.
- محمد محمود الإمام: التكامل الإقليمي بين النظرية والتطبيق ، القاهرة ، معهد البحوث والدراسات العربية 200.
- د. عبد الملك عودة: نظرة إستراتيجية مستقبلية للعلاقات العربية الأفريقية- مجلة شؤون عربية، العدد 103، عام 200.
- مطانيوس حبيب: الاقتصاد السوري ومتطلبات الشراكة السورية الأوروبية ، جمعية العلوم الاقتصادية السورية 1998.
- إبراهيم العيسوي، الغات وأخواتها، مركز دراسات الوحدة العربية، القاهرة 2001.
- ريتشارد روبيسون: أزمة جنوب شرق آسيا- الأسباب والنتائج، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية 1999.
- د.حازم الببلاوي، أزمة الخليج بعد أن يهدأ الغبار، دار الشروق، القاهرة 1990.
- عبد اللطيف يوسف الحمد: مستقبل التنمية العربية في مواجهة التحديات المعاصرة، مجلة مصر المعاصرة، العددان 429-430، القاهرة 1992.
- د. سمير أمين: مؤسسات بريتون وودز، خمسون عاماً بعد إنشائها ، مجلة بحوث اقتصادية عربية، العدد الرابع- الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، القاهرة1995.
المراجع الأجنبية:
- Charies Kindelberger . American Business Abroad. New Haven 1969.
- Charis Dixon, Sovth East Asia in the world Economy cambredge University press, New york 1991.
-Standard and poors, the new world 21 sapt 2001.
- UN , Centeron Transnational corporation in World develpmant My. USA. 1996.
- Shimon press, the Middle East Pease process and the Mediterranean Basin, Malta Rewie of international Affairs No6. January 1995

[1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref1) محمد محمود الإمام: تجارب التكامل العالمية ومغزاها للتكامل العربي- مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004، ص244.

[2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref2) ورقة عمل من أعمال المؤتمر الثامن للتنمية الصناعية المنعقد في دمشق 1998 بعنوان: المتغيرات الدولية والتحديات التي تواجه الصناعة العربية- منظمة الخليج الاستثمارات الصناعية.


[3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref3) يمكن الرجوع بالتفصيل إلى ذلك في
د. مصطفى أحمد مصطفى، عرض سريع عن جهود العالم الثالث نحو التشجع الاقتصادي ، معهد التخطيط القومي، مذكرة داخلية 1983، القاهرة 1984، ص5-19.

[4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref4) عبد المطلب، عبد الحميد، السوق الأفريقية المشتركة والاتحاد الأفريقي، الطبعة الأولى، القاهرة، مجموعة النيل العربية، 2004، ص59-60.

[5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref5) أحمد حجاج، الاتحاد الأفريقي ومستقبل القارة الأفريقية، الطبعة الأولى، القاهرة، مركز البحوث الأفريقية، 2001، ص92.

[6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref6) عباس خضير عباس، موسوعة أفريقيا اليوم السيرة والعطاء، جهاز القلعة للاستثمار، 2002، ص43-45.

[7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]_ftnref7) سهر الهنداوي: تقرير حول اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، غرفة تجارة عمان، عمان، أيلول، 2006م.










</H1>

saeed 89
01-19-2012, 11:08 PM
شكرا الك كتير بس ليش نزلتي الكتاب ؟؟؟

faten
01-20-2012, 05:00 AM
كرمال في طلاب مابيعرفو يحملو الكتب عن طريق الرابط هيك اسهل واسرع ...

amjo
01-22-2012, 02:35 PM
شكرا كتيييييييييييير بس لو نزل pdf كان احسن))

faten
01-24-2012, 10:37 PM
والله انا جديدة ومابعرف بالكمبيوتر كتير حبيت ساعد بأسهل طريقة